آخر الأخبار :

قانون مالية 2019: مطالب الشعب وإرتجالية الحكومة


بعث رئيس الحكومة للوزراء و كتاب الدولة و المندوبين الساميين و المندوب العام ورقة توجيهية موضوعها إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2019. ورقة عبارة عن تصريح بالسياسة العامة بعد خطاب العرش. يؤكد فيها رئيس الحكومة في غير ما من فقرة على ضرورة التحرك و بسرعة " لإيجاد الأجوبة و الحلول الملائمة و السريعة..." و في عدد من الفقرات، استعمل مصطلحات مقتبسة من جهاز مفاهيم الراديكاليين من قبيل الإصلاح الهيكلي، إعادة الهيكلة الشاملة و العميقة ، التجاوب مع مطالب المواطنين، تغيير جذري...يحدد أربعة أولويات:
 
1 السياسات الإجتماعية: الشغل، الصحة، التعليم، السكن
2 مواصلة الأوراش الكبرى
3 مواصلة الإصلاحات الكبرى
4 الحفاظ على التوازنات الإقتصادية الكبرى.
 
يؤكد رئيس الحكومة على مجموع نقاط عنوانها العريض: كرامة المواطن ! كما يبدي نية إشراك المجتمع المدني و إنجاح الحوار الإجتماعي لتحقيق الأهداف المسطرة. اعتراف ضمني واضح بفشل سياسته و سياسة من سبقه في تدبير الشأن العام. كمجتمع مدني نتساءل، هل تكفي النية الحسنة و الجمل الرنانة و المصطلحات البراقة؟ لا توجد في العالم دولة تبنى فيها الحكامة على النيات بل على القرارات العملية و الإبداع في انتاج سياسات بديلة مادامت القديمة فاشلة. تصور حلول جديدة، بديلة و مستدامة، معقلنة تؤطرها الرزانة و بعد النظر و ليس الإستعجال. ففي العجلة الندامة. هذه الوثيقة تشبه لحد كبير حملة إنتخابية لإرضاء المؤسسة الملكية التي تضغط عبرخطابات العرش لتنزيل سياسة تنموية استراتيجية. دور رئيس الحكومة هو تقديم سياسة عامة تجيب بشكل واقعي و مستدام على مطالب الشعب: مطالب الشعب أسمى من إتقاء غضبة ملكية.
 
التشحيص الذي يقاسمه رئيس الحكومة مع وزرائه يتناقض في الخطاب و الفعل مع ما يقترحه من أولويات و التوجه المالي الذي يشيد به . ما هو المنطق في هدة الأولويات؟ في الوقت الذي يتحدث فيه عن حالة إجتماعية تقتضي برنامج استعجالي يؤكد على ستمرارية نفس السياسة المنتهجة و التي أصلا هي السبب فيما نعيشه و الآتي أسوأ. لا تخدعنا المظاهر و البنايات و الواجهات، البنايات تتهدم و الواجهات تبلى و الإنسان هو من يدفع الثمن في بيئة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مريضة و مرضية. كيف تريد التغيير في إطار الإستمرارية؟ كيف تتحدث على الحوار و إشراك المجتمع المدني و مخططك موقع عليه سبقا؟ أي حوار هذا و أي إشراك للقوى الحية؟ الديماغوجية لا تبني دولة و الكذب لا يعوض الصدق. حبل الكذب قصير أعزك الله. لم نفاجـأ بموقف المركزيات النقابية التي أعلنت رفضها للحوار حول مخطط الصحة 2025.
 
كيف يمكن بناء سياسة تنموية استراتيجية على نفس الأسس التي خلقت هذه الأزمة المركبة؟ أين المنطق في هذا؟ كيف يمكن بناء تنمية مستدامة و جهات مغربية بأكملها مقموعة و مهمشة ؟ كيف يمكن إعادة الهيكلة و الثقة بين الحإكم و الشعب منعدمة بل الثقة بين أفراد الشعب ذاته منعدمة؟ كيف يمكن تقبل سيا سة تنموية " استعجالية " تمشي على قدم واحدة: المادة و لا شيء غير المادة في مسخ واضح للهوية الوطنية و زرع غير مسؤول لأخلاقيات ليبرالية متوحشة و البلاد في إكراهات مالية تعترفون بها علنا و سرا؟ ما قرأنا في هذه الوثيقة كلمة واحدة على الثقافة، على البيئة، على الصحة النفسية للمواطنين، على البحث العلمي، على الساحة السياسية المميعة، على الفساد الإداري و المالي، على التهرب الضريبي...؟ لا يمكن تصور مخطط مارشال للإنقاذ بنفس العقلية التي أنتجت هذا الفقر المركب و المعقد و هذه الإنتكاسة الحضارية الشاملة.
 
بعد مضي سبع سنوات على 2011، لا يزال شعبنا المغربي يعيش الحرمان من الإستفادة من خدمات إجتماعية تحفظ كرامته. لا تزال القدرة الشرائية للمواطنين في تراجع و لا زال المغرب في تقهقر من حيث مؤشرات الفساد الإداري و الرشوة و الغش و التهرب الضريبي. كل هذا في ظل قمع ممنهج للتظاهر والتعبير السلميين، و في ظل اعتقالات بالجملة في مناطق الريف و جرادة.
 
نحن مقتنعون بأن هذه الازمات المتراكمة راجعة بالأساس للإختيارات السياسية الاستراتيجية المناهضة لمصالح أبناء الشعب الفقراء. أكدنا بعد خطاب الملك في التاسع مارس 2011 أن الإصلاحات الموعودة لن ترق للإجابة على مطالبنا، ليتأكد الجميع فيما بعد من نجاعة موقفنا و بعد نظرنا. و هذه الوثيقة مع خطابات الملك المتتالية اعتراف رسمي واضحالمعالم بهذا الفشل. الحكامة أصلها حكمة و هي ما ينقصكم مع بعد النظر.
 
لا حل أمام الشعب المغربي و مكوناته الممانعة و المجتمع المدني و الشركاء الإجتماعيين إلا أن يعي خطورة الموقف و لا تخدعه المظاهر وكثرة الماكياج واللغة الشعبوية. ميزانية 2019 ستكون المحك الحقيقي لنية مصادر القرار. الإنتظارية لا تزيد الوضع إلا تعقدا. لا حل لنا غير الإلحاح على حوار شامل و جدي اجتماعي لا مركزي للتوافق حول الإختيارات الإستراتيجية للبلاد و تغيير اللوجيسيال الحكاماتي، فالشعب المغربي لا يفرق بين مطالبه، فكلها استعجالية و المستعجل هو تغيير منطق الحكامة لتغيير النتائج. غير ذلك إذعان في الخطأ و الحقيقة أن غير المؤمن يلدغ من الجحر أكثر من مرة.
 
إننا طاقات و قوى المجتمع صادقون في نيتنا، مستعدون للمشاركة في هذا المجهود الوطني لإنصاف و إكرام شعبنا الذي طالت محنته. مدخلنا لهذه المشاركة الإيجابية هو التعاطي الإيجابي مع مطالب الشعب  والقطع مع الإستعجالية في تدبير الشأن العام إن محليا أو وطنيا.من يستمع لنبض الشارع و مطالبه سيفهم بما لا يدع مجالا للشك بأن مطالبه واضحة و استراتيجية يمكن إختزالها في الأوراش التالية، بديلة على ما يتقدم به رئيس الحكومة من أولويات :
 
* إتخاذ التدابير اللازمة لتفعيل برنامج تنموي مستدام حفضا لكرامة الناس و تحقيقا للعدالة المجالية.
* دستور ديمقراطي، يؤسس فعليا لسلطات تشريعية و تنفيذية خاضعة للإرادة الشعبية و سلطة قضائية مستقلة بذاتها، مع دسترة الحق في تعليم مجاني نوعي.
* دولة مدنية تسمو فيها الحقوق و الحريات بمفهومها الكوني و تكرس المساواة بين الجنسين
* بتفعيل ترسيم الأمازيغية و إدماجها في التعليم الأساسي، و الخدمات العمومية في إطار جهوية لغوية متقدمة.
* تحريك المساطر الإدارية و القضائية لمحاكمة المتورطين في قضايا الفساد المالي و الإداري على ضوء تقارير مجلس الحسابات و هيآت حماية المال العام.
* إيجاد مخرج مستدام لمعتقلي الريف وجرادة و مطالب الساكنة الإجتماعية الإستعجالية عبر ربوع الوطن 
* بدستور ديمقراطي، يؤسس فعليا لسلطات تشريعية و تنفيذية خاضعة للإرادة الشعبية و سلطة قضائية مستقلة بذاتها، مع دسترة الحق في تعليم مجاني نوعي.
* بدولة مدنية تسمو فيها الحقوق و الحريات بمفهومها الكوني و تكرس المساواة بين الجنسين
* بتفعيل ترسيم الأمازيغية و إدماجها في التعليم الأساسي، و الخدمات العمومية في إطار جهوية لغوية متقدمة.
* تحريك المساطر الإدارية و القضائية لمحاكمة المتورطين في قضايا الفساد المالي و الإداري على ضوء تقارير مجلس الحسابات و هيآت حماية المال العام.
* إيجاد مخرج مستدام لمعتقلي الريف وجرادة و مطالب الساكنة الإجتماعية الإستعجالية عبر ربوع الوطن




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.