آخر الأخبار :

موسم الحج إلى " الشيخ الكامل " الميلود يلاقيني بحبابي


redamoussaoui.jpgمكناس أيام عيد المولد النبوي ليست هي مكناس وقد تضاعف عدد سكانها في أقل من أسبوع .. كل قبائل المغرب هنا من أقصاها إلى أقصاها وقد بدأت وفودهم تتوافد على المدينة أسبوعا قبل موعد الذكرى .. هنا خريطة مغرب الجوع تعيد رسم سنوات القحط وعام الجوع والهجرات المتتالية من جبال العطش و ( بوهيوف ) وفيافي النسيان ، جاؤوا من كل فج عميق .. ( بّا التهامي) حزم آخر قشعة من قش بيته في ( بني عبد الله ) الساكنة بين جبال الريف على مرمى حجر من ( أجدير) وقد اختلط عليه الجوع بالخوف واللاأمان بوشوشات ( المجاهدين) والهاربين في شعاب القبائل من عيون الرصد ومعارك المستعمر الاسباني كما نداءات الإنتقام وطلب الدم وفوضى الشرف وأخوه الأكبر تتهمه قبيلة ( إيمروثن) بقتل أحد أبنائها وكل مرة تغير على ( الدّشر) لتسلبهم أرزاقهم وما يملكون ، ضاقت الحياة على (بّا التوهامي ) وهو الفقيه الحامل لكتاب الله لا يملك إلا شرفه وعياله .. قد يأخذون نساء القبيلة سبايا في أي وقت ، لم يعد أمامه إلا الهروب إلى داخل البلد وهاهو يضع آخر كيس صغير من الشعير في ( شواري) البغل الثاني وفوقه تركب زوجته الثانية ( يامنة ) بينما ( فطيمة ) تركب حمارهم المثقل بالقش وتضع خلفها بنتها الصغيرة والأولاد الثلاثة يقودون البهيمتين .. وتبدأ شهور الهجرة و التعب في اتجاه فاس الذي لم يستقر بهم المقام فيه الا أسبوعا ليعانقوا الطريق من جديد في اتجاه مدينة مكناس وقد جاءت أخبار استقرار أبناء عمومته بإحدى حواشي المدينة .. 
كانت بداية المقام في ( حي الفخارين ) المحادي لأسوار المدينة العتيقة حيث إمكانية العمل في الحقول المجاورة ومدرسة الأولاد ليست بعيدة .. هنا بنى ( بّا التهامي ) "زريبة" من تراب وتبن أحاطها بأشواك وقصب وكل ما أمكنه جمعه ليعيش داخل هذه البراكة مع حميره واولاده ومعزاته بعدها قبل أن تتناسل ( البراريك) بجواره ويظهر درب ( الصحراوية ) وعقبة (جبالة ) التي يتوسطها ( حانوت الزروالي ) وهو دكان صغير شبه فارغ لكن موقعه ملائم تماما كي يتجمع أمامه عجائز الحي والعائدون من شقاء الحقول بعد العصر ، يمارسون هوايتهم الجماعية في لعب ( الرونضة ) التي لا تنتهي ابدا .. كان الزروالي يحكي لزبنائه كل يوم عن قبيلته وعن خيراتها التي اختفت بعد أن احتل الفرنسيون جبل ( البرانص) وحولوا ( الصّافْ) إلى ثكنة وأصبح ( لاليجو ) وجنود (ساليكان) السود يملؤون المنطقة .. كيف انتشرت (السيبة) والجوع وأصبحوا مضطرين كي يقطعوا مسافات طويلة إلى سوق ( حد راس الوادي ) الأسبوعي كي تنال كل أسرة حصتها من بعض قمح وزيت و سكر .. كان بّا الزروالي يحكي ويتحسر كيف غادر أبناء جبالة مداشرهم ليرتموا على حواشي المدن وكيف قادته الصدفة إلى مكناس ويتزوج فيها امرأة تكبره سنا لكنها كانت تملك هذا الدكان الذي ورثته بعد أن مات زوجها الأول وتركها وعيالها ليدخل الزروالي على ( البيعة و شرية ) كما هي ويجد نفسه أبا لأطفال لا يكبرهم كثيرا .. لكنه هنا على الأقل ضمن بيتا واستقرارا فقده بين شعاب "صنهاجة" في ( جبالة ) .. 
أمسيات حي الفخارين تكرر نفسها والمشادات هي ذاتها أمام دكان الزروالي ، لا يكسرها إلا صوت ( القاسمية ) التي تسكن وسط الحي و بيتها يعد من أجمل البيوت في حي الفخارين باعتبار مقياس ( البراريك ) ونوعية الضيوف والمعارف الذين لا يخلو البيت منهم .. القاسمية أم لولدين في نفس سننا تماما وأبوهما لا يظهر إلا نهاية الشهر لأنه يعمل بعيدا في السكك الحديدية كما تقول هي طبعا لكن لا أحد يعرف شيئا عنها سوى أنها "شلحة" من ( كروان ) وتشتغل في بيت ( نصرانية ) قرب سوق المدينة الجديدة الذي لا يدخله إلا الأجانب تقريبا ومن يعيشون معهم .. كنا ننتظر أبناءها حتى نستحوذ على الفواكه التي تحملها إليهم كل مساء كما لعبهم التي لم نكن نعرف من أين تأتيهم بها وهي جميلة حقا بينما نحن كانت لعبنا نصنعها مما تجود به الطرقات والمزابل وما تلفظه مساكن المدينة الجديدة .. كان علينا أن نكبر قليلا كي نعرف أن الرجال الذين كانوا يزورونهم ليسوا بأعمامهم ولا أحد منهم خال الأولاد .. لقد فهمنا متأخرين أن ( القاسمية ) ( امرأة ما مزياناش ) وتمارس القوادة بشكل يومي توافقَ عليه الكل حتى حولت كثيرات من بنات الحي إلى عاهرات محترفات و بيتها يضج كل مساء ب( الشيخات ) وموسيقى ( الشعبي) وأصوات الزبناء ومنهم أحيانا بعض الجيران الذين يتسللون خلسة إلى مضاجع اللذة في جنة ( القاسمية ) .. 
( الميلود يلاقيني بحبابي ) فعلا وكل القبائل جاءت إلى حينا لتدفيه وتزرع فيه نفسا جديدا وأعلام ( عيساوة ) تجوب الأزقة على إيقاع الغيطة والطبل المتفرد ، يتسولون وبركات ( الشيخ الكامل ) تظللهم ليختلط القهر والفقر والرقص والجدبة والتسكع والذكر والشيخ الكامل والخمر والقاسمية وبّا الزروالي والتراتيل و بّا التهامي و الاستعدادات لصبيحة عيد المولد بمكناس ..
( التسليم ) .. عيد المولد يعني هنا الشيخ ( الهادي بنعيسى ) و طوائف عيساوة وأهازيج الزوايا التي تملأ أركان المدينة .. 
( التسليم ) .. ( أ جاه النبي .. الصلاة و السلام على رسول الله ) .. 
هكذا يطلع صباح عيد المولد والإحتفالات ستنطلق بعد حين من باب ( تلتفحون ) القريب من سيدي بابا حيث يتحلق مريدو الزوايا العيساوية من كل المغرب و يصطفون صفوفا طويلة وكلهم يرتدون الأبيض حفاة نساء و رجالأ وأطفالا .. يرددون جميعا أورادهم وأذكارهم العيساوية قبل أن يأذن لهم " مقدم" الطائفة ببدأ الاحتفال وطقوس الحضرة العيساوية في اتجاه ضريح ( الشيخ الكامل ) وينطلق موسم الحج العيساوي .. 
( التسلييييم ) 
** سليمان الهواري / صبيحة عيد المولد **cheikhkamel1.jpg
 




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.