آخر الأخبار :

مُواطنةُ الهَوامِش


أودُّ أن أشير في البداية أن جزءا ممّا جاء في هذه الورقة كان موضُوع نقاش جَماعي إبان ندوة دعا إليها مُنتدى المواطنة للشباب الرائد بتنغير أمْسٍ البارحة. ولن نقِف هنا كعادة بعض الأكادميّين المَسْكوكين عند تحديد المفاهيم لغة واصْطلاحا، وتنميق المُقدمات بالمُتون المكرُورة التي يسْرقها البعض من البعْض الآخر، وإنّما سنلجُ الموضُوع نحو تخُومه المقصُودة التي تتغيا بيان مظاهر المُواطنة الهامشية والحُدود الفاصِلة بين الحق والواجب فيها.
 
المُواطنة عُضوية كامِلة للفرد في مُجتمعِه حُقوقا وواجبات، وهي ليسَت مُعطى جاهزا يُمنح بالتّرغيب أو الترهيب، بلْ هي خصِيصة هُلامية تستنبتُ انباتا عبر بُنى المُجتمع وأنسجته بشكل مُتدرج، إنها وجهٌ آخر للديمقراطية المبنية على أسُسٍ واقعية آتية من الامتلاء المُتوازن بين مُكونات المجتمع.
 
 ولتمْحيص آليات تحقّق المُواطنة في بلدنا المغرب، لزامًا أن نسْتحضِر كل السّياقات الاجتماعية والسّياسية والثقافية والأخلاقية الكفيلة بتحديد مَاهية الفرد تكليفا وتخييرا. ثم مِن خلال ذلك نكشِف الحُدود الرّقيقة بين المُواطنة الحقة والمُواطنة الهَامشية التي تقِفُ عِند الاسْتثناءات المعطُوبة والشذرات الشاردة في حياة المُواطن المغربي. ولا بُد من تبْسيط الكلام في ذلك من مَنظورين اثنين؛ نُسمّي الأول مُعضِلات الأنا، والثاني نُسَمّيه مُعضلات الآخر.
 
أولا:   مُعضِلات الأنا
 
ننطلقُ في تذليل هذه المُعضلات من كلام المُفكر المغربي عبد الله العروي الذي ينصُّ فيه أن المُواطن المغربي مُواطن سَلبي، لنؤكد أن كل المظاهر التي نعيشها الآن من حركات احتجاجية عُنفوانية و حرق الأعلام الوطنية والعزوف عن تثمل الخطابات الرّسْمية وغيرها، ناتج عن اعتلال في "الأنا المُواطنة" عند الفرد المغربي، ونزوعِه إلى المَصلحة والمنفعة الذاتية، وهذا هو مُناط الاشكال الذي يتخبط  فيه  كذلك مواطنو الجنوب الشرقي وأضرابهم من هَوامش الهامش، حيث تختزلُ عِندهم المُواطنة لِتصْبح منفعة قطعِية يتلمَّسُون فيها نيل الحُقوق قبل الواجبات أو بدُونها أحِيانا. واختصَارُ المُواطنة على هذا النّحو فقط، يجعل الفرد/ الجمَاعة يعِيش انفصَاما غريبا لا تتحقق به السِّمات المطلوبة في تحديد المُواطنة الحقة. ولعلَّ من يُغربلُ بعيْن النقد المَوضُوعي عقل الهَوامش، سيكتشف أن بُنيات التفكير ومناهجه فيها أحيانا لا يسمح بتبيئ المُواطنة واحتضانها، وقد قلنا أنها ليسَت مُعطى ربحيًّا جاهزا يُوهبُ من المركز نحو التخوم.
 
إن استمرار انسان هذه المناطق الهامشية في الايمان بفكرة الانغلاق الفكري والتفريع الهُوياتي العرقي دائم الولاء الأعْمى للاثنيات اللسنية/ اللغوية التي تمَجّد العقلية القبلية التصْنيفية، وكذا الدفاع عن المفاهيم الجَمْعِية السُّلالية و"النّحْنُ" المظلومة المنهُوكة التي ورثتْ مِنظار القدمَاء في رؤية كل مُخالف على أنهُ هُو العدُو المثالي الذي أوجد كل الويلات وزج بهؤلاء المُهمشين في وجع الحتمية التاريخية المُركبة، إن مثل هذا التفكير والاستمرارية في تفريخه ليُعَد من عَوائق تحقيق المُواطنة المنشودة ، بلْ انه يُحتم بقوة التجربة أن لا تتحقق المواطنة فيها البتة، ويلقى اللوم فيها - دائما- نحو الآخر الذي هو  الفاعل الحقيقي، مع ما يُلازم ذلك من جُنوح إلى التباكي ومُناجاة النفس المَريضة.
 
ثانيا:  مُعضِلات الآخر
 
الآخر المقصُود هنا هو الدولة/ المركز، بكل مَا في الكلمة من رائِحة التّسلط والاسْتعلاء والظلم، ولن نتوغل في معاني المفهوم أكثر من هذه الدلالة السّطحية التي تفي بالغرض المقصُود بها في هذا الباب. صحيحٌ أن الدولة هي النّحن جميعا زائد النظام (systeme)، وأنها جزء من كينونة المُجتمع، إذ لا يتحقق طرفٌ دون الآخر، لكن المُواطنة الحقيقية تجعل الدولة الطرف الفاعل فيما فيه الانسان المغربي اليوم من تخبّط وانتكاس. هُنا نتفق جَميعا وبشكل مُطلق لا يقبلُ الشك على أن الدولة تنهج أسلوب  نظرية التهميش المُمنهج ( La theorie de marginalizatio systematique)، بل أحْيانا لا تخدم غير مَصالحها ومَصالح الحلفاء. فماذا يمنح المغربُ غير النافع للمغرب النافع غير مآسيه ومصَاعبه، وأين هي العدالة الاجتماعية والتناسُب بين حقوق جميع المواطنين وواجباتهم، ثم أين حق الهوامش من الثروات والتدبير والاستفادة من المصَالح المُتمركزة في نقطة واحدة؛ نقطة يسْتأسِدُ فيها أهل الشأن بأرواح الناس وأرزاقهم.!!  
 
 إنّ الحيف الذي ينالُ الهوامش/ المُواطنين واضحٌ وبيّن وأضْحى حديث المُثقف والأمّي على حدّ سَواء، بل إن الدولة نفسها تعترف اليوم - في الخطابات الرسمية ووراء الكواليس- أنها عاقدة العزم على استدراك النواقص والعمل على تصْحيح الوضعيات المُعتلة. ولعلّ ما يحدثُ اليومَ من احتقان مُجتمعي أفاض كأسَه اشكال السّاعة الرّسمية المُضافة، التي أخرجت بعض المطالب القديمة من جُحورها البعيدة  وبعض الأصْوات الصّغيرة التي من المفروض أن ترفع عقيرتها بالأناشيد الوطنية بدل سبّ الحكومة و نعتها بكلام نابي، لعل ذلك خير نتيجة تنبّه الآخر أن السّياسة القديمة المُتبعة في هذه الهوامش لم تعدْ تؤتي أكلها وأن الوعْي الاجتماعي مَا فتئ يمتدُّ نحو مَا تبقى من الظل الاسْتبدادي ليُدحِضه.
 
في خلاصة هذه الورقة لا يسعُنا إلا أن نؤكد مِقدار اللبْسِ الحَاصل عند المُواطن المغربي بخصُوص مفهوم المُواطنة، لبسٌ عويصٌ يتداخل في تركيبته ما هُو ذاتي وما هو غيْري وبشكل جَدلي ، فإذا اتفقنا جميعا أن الايمَان بالمُواطنة والتصْديق بها لا يُدرك بالواقع المَحْض - كما قال كانط- ، لأن ما نعيشهُ من ظلم يُنافي الحقيقة المُطلقة لذلك، وأن الوصُول إلى ما لا يدرك بالواقع ولا بالتجربة يجب أن يكون  بطرق أخرى غير مَا نعْرفه ونسْتعمله جَميعا مِن أدواتٍ وأفكار ومَناهج، إذاك يُمكننا أن نفهم فِعْلا لماذا يُهمّش مُواطن الهامش نفسَه أولا، ثم لِماذا تُهمّشه الدولة ثانية. وبكل تأكيد سَنقِر حِينها أن مُعْضلات تمثل المُواطنة الحقة تبدأ بالضّرورة مِن أثرِ مَا نراهُ أمَامنا من تجَارب المُنتخبين المُفسدين ومناهج أشباه المُثقفين والمُتدينين بدُون علم، وصُولا إلى اسْتبداد السّلطة التي نحْنُ في الأخير والأول يدَها التي تبطش بِها وتتجبَّر.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.