آخر الأخبار :

مشاهد من قصة اغتيال


 
إهداء:
إلى الشهداء الذين سقطوا سهوا أو عمدا، فسقوا الأرض بدمائهم الزكية الطاهرة ليرحلوا عند اللاءات الأولى التي رفعوها، تاركين فكرة جابت فراغ الطبيعة وملأت قلوبنا المتمردة، لتصبح حوارا نردّده بكل حشدية.
إلى أرواح كل الذين رحلوا عنا قهرا، بدءا بأبتي، مرورا بأستاذي، صديقي ناصر وغيرهم. من ماتوا في سبيل حلمٍ ينتشلهم من ضراوة هذي الحياة القذرة.. لكنهم تركوا عبق ذكرى لا تنسى.
إلى كل من وجدتهم بطريقي المليئة بالأشواك فرفعوها بالورود، بدءا بأول عزيز بالدماء المشتركة حتى آخر عزيز استطعت عبرهم النهوض من وادي الانكسار، إنهم رفاقي في نهر ملئت مياهه بالصدق المرشوش بعطر الصّداقة.
إلى أمي، وعذرا أيتها البدوية لأنني تركت اسمك بأسفل القائمة، لكن القلم لم يطلب الإذن مني حين كتابة أسمائهم، يكفي أن أناديك أمي لتصحو فيَّ الأوجاع فجأة... وأندم أني أجعلك تتعذبين وأنت ترين مشاكستك تحتضر أمامك ولا تدرين بأنها ستغادرك قريبا، ولن تترك إلّا ركلات أهدتك إياها وهي جنين مشاغب ومصمصات بصدرك الملاعبي.
لأجل كل هؤلاء
أكتب مرّة أخرى...
 
 
 
لم يكن يريد منع الأمل من الدخول إلى صربها، وهي لم تمنعه من إغلاق الباب... فذاك الأمل راودها بصمت رهيب، إلّا أنَّه باع ما يغطيها من قماش لجداول النسيان وأصبحت وسط كل ذلك ذكرى جميلة ينهي بها بهاء ليلة سمره.
كانت تنتظر وصول منتصف الليل لمضاجعة السراب علها تجد لأسئلتها الجواب، ثم تتذكر لهنيهة أنه مجرد سراب، لا اسم له ولا صفة. فهي التي اعتادت على دائرة وجودها وضاجعت لوقت طويل سرابها السّرمدي، تتساءل كيف تغير من كل عاداتها وتتخلص من آثار الضجيج بأذنيها ورائحة السجائر بأنفها، ثم صور جيفارا أعلى الجدار. لم تكن لتصدق أنها كانت وسط ذلك وفجأة تنكرت لنفسها وتنكر الوجود لها، تلك كانت رحلة جديدة وتحدٍّ جديد تواجه به عقبات الحياة، وترفض به كل صدقات الآخرين.
الرّحلة كانت شاقة وكل رآها حسب قربه، بعده، كرهه أو حبه لها... فهناك من قال أنّها لم تتغير بل غيرت محيطها فقط. وهناك من رأى فعلها قسوة على ما تبقى منها...
ووسط كل هؤلاء، كان هناك من يقف بجوار الحلم واهما في التشبث بناصيته. فكانت تردِّد بعض الأبيات الشعرية المتلونة على ذاكرتها من مخزون شعري عريق، يقول:
البياض من سلالته
يشدني إليه
وأنا بين ذاته
أرتب ذاتي
لأخرج بالمعنى
من رحم السّؤال!
وكأنّها لم تتأكد بعدُ من حبه لها، كانت الشكوك تنخر جسدها النحيل يوما بعد آخر، وهو لا ينفك ينظر إليها نظرة البريء من التهة، تهمة الريّادة لا الخيانة، التجاهل لا الكره...
فهما رسما سويا طريقا وفي وسطه قررا تغيير وجهته.
لكنها لم تفكر بمنطق نوال السّعداوي وتعتبر الرّجل الشرقي جبانا، ولا بمنطق أحلام مستغانمي وتظن في النسيان أحلى حل للمحلول العاطفي، يفكّه ويفقده خمولته، لم تفقد كل الثقة لكنها عاشت شهرا واهما بالشكوك قبل حلول العام الجديد.
لعل الكلمات التي رسمتها بجدارية ثورية بزنزانتها، الرسّائل المصورة أعلى شاشة هاتفها وصورها في دائرة رفاقها -سابقا- وهوامش نصائح الكثيرين لها خير دليل على أنها قد استسلمت وأخيرا للصدفة. فأخذت بيد نصيبها من الجلل المصاب، ثم حملت نفسها في اتجاه طريق بعيدة... هي تلك الطريق التي أبعدتها عنها، وها هي الآن تكون جنين مأساتها برحم ملوث بالألم...
كل ذلك حدث داخل زنزانة شهدت الانكسارات، حبات الرمّل، قطع الشكولاتة التي أهداها الطويل والسيلفيات العديدة الشاهدة على موتها، حفرت مكوثها الأبدي...
وهو ما حاولت خطه في قصيدة لها، قائلة:
هلوسات فجر
أنا السجينة رقم ۱۱٤
زنزانتي قزحية الألوان
أبحر فيها حتى أرى نهايتي
أنا التي تأويني عمارتي
تحميني أسوارها من حزن البشاعة
وتفتح لي آفاق البؤس والحرمان
تناديني حتى يبح صوتها
تحميني سجينة مطيعة
ما بك أصبحت كالجثمان
لا تحركين ساكنا أمام النسيان
لا تعلمين لوجودك غاية ولا برهان
ما بك أصبحت عجوزا
وأنت لا زلت بالعشرين
تجاعيدك رسمها الزمان
وشيبك بعينيك..!
يروي ألف قصة
أما يديك فصارت ملتوية
لا تحسن لمس شيء، ولا البوح والكتمان...
ما بك صغيرتي
أكثرت الأخطاء
حتى نسيك المكان
وتجاهلك الزمان
حتى صرت نكرة دون عرفان
أين "أل" التي كانت تضع لك ألف حسبان؟
أناديك...
لم لا تجيبين؟؟
بالله عليك أين تذهبين؟
وكيف تخرجين يديك من ذاك العجين!
فأنت لا تحسنين الافتراق
تضاجعين فيه السراب وتقبلين..
قولي شيئا ما..
أين ذهبت ثرثرتك الدائمة؟
حينما كانت الحروف تصارع لأجل البقاء؟
لوجود ملكة سرقت كل الأماكن
وساحرة أبطلت كل المحاسن
تصمتين الآن!!
وتحاسبين شيبك على كل الأخطاء
تحتفلين بعيد حبكما
عيد الشقاء
تداعبين أحاسيسك
لتبقوا أوفياء
لصرخاتك داخل زنزانة ملطخة بالوعود
تحلمين دون قيود
تهاجمين ليلك الموعود
وتصيرين كالفراشات بالوجود
لا تحسن الجلوس دون تذوق حلاوة الورود...
لكنك اختفيت فجأة
احترقت صغيرتي
اختفيت وبقي الرماد، فهل من مزيد؟
أسأل وما من مجيب
هل من مزيد؟؟
أجل، هي كانت نقطة بخط مستقيم، فكيف اعوج فجأة؟
بدأت تحاول لمس مكامن الخطأ، تتذكر أول ذي بدء بداياتها، كيف كانت بكل زيارة للكلية تسقط بفخها ثائرا يرفع إسقاط النظام ولا يكاد يسقط هو سهوا أو عمدا بين عينيها. لم تكون بالجميلة فلون أسنانها كفيل بهروب جيش عرمرم من جيش الجهلاء بأرض قاحلة، لكنها امتلكت من الدّهاء ما يكفي لإطاحة رجل شرقي متحرر شكلا ودعشوش من الداخل. هي لم تكن الأسطورة، بل هم من كانوا الأسطورة المقنَّعة... إلا أن شغفهم لم يزدها إلا شغفا ثوريا تريد به اعتلاء درجات الرُّقي الفكري. فكافحت إلى أن وصلت بر الأمان، إلى آذان تسمع أكثر من فم يتكلم، إلى عينين تريان العمق لا مجرّد الملامح... فوجدت فيها من يصلح فيها أخطائها اللامتناهية. وباستدراج وصدق لا متناهيين وصلت إلى الباب وملكت سكان المنزل كلّا واحدا، و"يا ريتني لم أدخل" ترتدّ بأذناي: "يا ريت ما حصل لم يحصل.."
دقت أجراس سنة أخرى، لم تفكر كيف تبدأ وكيف تنتهي لأن مشارفها سحر ورديٌّ على ضفاف المضيق الرائع، على حافة أكتوبر، شهر ميلادها وموتها، معا.
كان التحول بمثابة ملح بكوب ماء، تحلّل ولم يبق منه إلا المذاق، لكنه كان مرا مرارة قساوتها على نفسها بدأتها بالتهام الكتب الحمراء وتسجيلها بدفتر أحمر، لون الدم الذي أصبحت تعشقه... كيف لا وهو لون الشيوعية ولون دماء شهداء الوطن الذين أصبحت ترتل أسماءهم في كل حشدية، فهي التي آمنت بمقولة جورج أورويل: "لن يثوروا حتى يعوا، ولن يعوا حتى يثوروا". ثم التهمت ما تبقى منها بالكلام الكثير عنهم، كانت ترسم لهم في كل شبر حبات لقاح ليلحقوا بها أكثر، فقد أحبّت خضرة ربيعهم التي لم تظنها ستصبح فيما بعد خريفها الأبدي.
سابقت الأساتذة المتدربين في احتجاجهم ضد المرسومين ومعتقلي كلية العلوم الثمانية في نضالهم ضد الإجحاف والحيف... وأيّام أخرى بالقنيطرة نزفوا فيها لهفة وما كانت -لأسباب- يجهلها الزمكان ويعرفها من يعرف. فكل ما كانت تفكر به هو اقتناء المزيد من الكتب لأنها أحسّت باخضرار الربيع بداخلها.
كانت تريد الاستفادة من دروس من رحلوا فجأة واختفوا تاركين الظلال المتسائلة، من كانوا مشغولين بتقاسم الوليمة، من رفضوا لوقت طويل ديكتاتورية الدولة وكافحوا طويلا لتحرير الوطن من الاستعمار ليسلموا أنفسهم لحضن الحزب الواحد، لم يكن بالثوري طبعا، لكنهم ارتادوه لملء جيوبهم وإفراغ جيوب الكدّاح مثلنا!
رسموا صور حبيباتهم وبجانبها ثورة، لكنهم باعوا القضية واقتنوا بثمنها منصبا سياسيّا. فقد لبسوا ثيابا أخرى وارتدوا نظارات شمسية ونسوا بذلك كل الجوع الذي نخر أجسادهم واختفت أسماؤهم من بدر الثورة فجأة.
كانت ترقب أفول القمر وتتساءل:
كيف اختفى هؤلاء فجأة؟
تتذكر أحدهم: "الرجال الذين عزموا على إنقاذنا أصبحوا نساء محتجبات يرتدين النقاب ولا يتأخرن على نداء الإله للصلاة..." فترددها بين ذاتها وعندما تستيقظ تجد مارتيل كلها بمزاج جاهز للنقاش، أما هي فتجد نفسها جاهزة لكل شيء...
لم تعد تفكر بتلك الطريقة المثالية، ولم تبكِ يوما على خبز أمها الذي جف كجفاف قلبها فجأة!!!
وبين كل تلك الميتات، جاء اغتيالها الأكثر صدمة للكل، كلها هي طبعا، فلا كل بعد كلِّها. فهي التي دخلت الحياة من باب الموت فغادرته فجأة! ربما كانت تحاول الحياة، ومحاولتها تلك كانت، كإنبات وردة فوق أكوام القاذورات، تحاول عبرها اكتشاف حياتها باندهاش متأخر، كأنها عرفت أحدهم أو اسكشاف رائحة عطره عن قرب، كأنها عرفت فأصبحت كآخر غريبة في دائرة الأفول تتصفح الفيسبوك كصرصور جاسوس، متتبعة حراك الريف، محسن فكري وأيام تطوان الثقافية.
تلك الأنثى التي كان لها ذاك الحضور لسّري النّكرة، تلك التي تقاسمت عطرهم، خبزهم الحافي، جوعهم، روائح السجائر الخانقة التي تركوها بالمقصف وجلساتهم العميقة...
هي الآن بعيدة بركام حجارتها المتبقية منزلا صغيرا تأوي فيه أحلامها الوردية، وتصبح فيها وردة تهدي أشواكها لأبيها الذي أخطأ في صورتها وهي ابنة العقد الأول إثر انتشائه روح الحياة بطريقة أخرجته عن صوب العقلاء، ما جعلها والشقراء يكونان قصّة للأسف كانت أقصر من الحبل السري لأنثى الماعز المرتدة عن دين الأطلس.
زارتني يوما... تلك التي أروي قصتها بصمت رهيب. كنا على مشارف نهاية السّنة بآخر الليل الفاني، تعجبت لرؤيتها عندما فتحت باب الزنزانة ووشوشت بأذناي على منوال كافكا: "لا أستطيع تخليص نفسي من ذنب أنّني لست بالمكان المناسب..." وكأنها كانت تتقيأ صحوتها من مرارة تلك القرارات التي أسقطت عليها ظلما.
التزمت الصمت لوهلة لتدعني أفتح مجال دماغي للتفكير في كل ذلك ثم أتمّت بنفس منوال كافكا: "لا يمكنني حمل العالم على كتفي فأنا لا أكاد أحتمل عبء معطفي الشتوي فوقها". أستجيب خوفي عليها بعد هذه المتاهة، فلربّما لن تجد نفسها بعد الآن، فهي التي لم تع حجم خسارتها إلا بعد ما علقت على كآبتها وسام الضحية.
لقد كان لليلتنا بهاء وسمرا مؤنسين، وكان لعدد الدّمعات التي تهاطلت من عينيها وشما على صدرها مكتوب فيه: "إننا في الحب كما في الحرب، ضحايا".
لكن أكثر ما همّها من كل ذلك، أنها لن تستطيع الدفاع عن الجياع والمقهورين، تسليط لسان النظام داخل الحلقية، التعمق في السيّاسة ولا مضاجعة كتب الماركسية، إلا بعد مدة تتنامى فيها كل تلك الأطراف التي انكسرت على حافة أحلامها المتناثرة وتسترجع فيها الأنثى الصهوة التي أضاعوها بين دروب مارتيل...
كل ذلك جعل القطار يرحل دون أن تصل إليه، فهي التي خسرت كل طاقتها استعدادا لركوبه، "حمار الطاحونة" لم يكن يوقف عجلة الدّوران للحظة... لكنها تريد اللّحاق بالركب قُدما، بكل بساطة لأنها لم يسبق أن وجدت أحد المعطيات جاهزا دون أن تبذل فيه جهدا مضاعفا لما تبذله في معركة الكينونة، فدرب الإنسانية لا تنقطع سبله.
جاء عبق سنة أخرى تجاوزت فيها كل الميليشيا التي عفطت على ذاكرتها بأرجلها القذرة التي جرت معها كل أوساخ المدينة. محت من ذاكرتها كل الصور، الرسائل، التسجيلات وكل التفاصيل التي ربطتها بسرابات الماضي وأشعلت شمعة أخرى في ظلام احتواها لوقت طويل، فأشرقت سبيلا آخر لا يعرفه أحد من مَنْ حملوا معها مشقة الحياة سابقا، وعوّضته بشروق أناس جدد وأصدقاء لا تربطهم بالآخر سوى نبرة إنسان يرغب في الانتماء لحضن يملأ عبيره صدق، بدل عضو يفرغ فيه هواجس الأدوار...
تلك كانت محاولة ناجحة حقا، كونت فيه رحما ملوّثا بصيغة ثورة جديدة، لكن رغبتها في إسقاطهم تباعا داخلها كانت أكبر من مجرد هروب ولا حس يختليك لإزاحة غطاء حلوى... ثم يسألها أحدهم: هل أحببت من قبل؟... فتجيب: أحببت أربع مرات والخامسة سقطت سهوا... أما الباقين فكانوا نساءً لا غير!
ذاك العالم الساخر حولها، الذي تمكن منها في أول سلام، وسلب منها ضحكة بنكهة قصيدة. ذاك الطاغي الذي حاولت مرات عديدة خيانته، لكنها لم تخن إلا القرار... فهي لم تكن على قيد الحياة كما خيل للكثير منهم، هي كانت على قيدهم، على قيده (الغائب...)، انكسر الكحل في عينيها وسقط أحمر الشفاه عند الترجي ولم تحتفظ إلا بالفستان الأسود الشاهد على الانكسار الأبدي... فكيف يكفيها صدر وقد طردها أقربهم (صدرا) الذي اغتيل بكل ألم!؟
لم تكن بالعجوز، فهي لازالت عشرينية حديثة العهد، لكن أوجاعها قديمة قدم أطلال الاستعمار أو أكثر... أوجاعها رسمت مع كذبة المسيرة الخضراء التي ضحكوا بها على ذقون الأبرياء وجعلوهم يموتون مبتسمين رغم الإعاقة ظنا منهم أنهم يموتون في سبيل تحرير الوطن. قديمة قدم الكحل وأدوات التجميل التي تحاول بها عاهرات وطني تغطية البؤس المحيط بوجوههن الشاحبة، أصبحن بعدها لعبةً بأيدي كبار اللصوص...
تسألها إحدى صديقاتها: لم أنت متشائمة دائما عزيزتي؟
تبتسم ابتسامة تصاحبها دمعة ثقيلة الحجم، طويلة المدى خزنتها منذ أن وجدت أنهم قد سرقوا حقها في الأكل أيضا حين قطعوا أيديهم عن منحتها، وتجيب بقول محمد شكري: "أنا إنسان عاش التشرد وأكل القمامة، فهل ينتظرون مني أن أكتب لهم عن الفراشات..."
فقط لأنها هي أرادت الإبداع في رقصات الجراح ما دامت كالديك يرقص من ذبحه ألما لا فرحا... فالضحك، الدوران والغناء ليسوا إشارات للفرح بل ضمادات نغطي بها كدمات السّنين.
وقبل أن تغفو وتستسلم للنوم، ترفع نفسها عاليا، ترقب فوقها تلك الكلمات المخطوطة على جدران غرفتها...
تلك "لا" التي يرفعها كادح بأحد الدّواوير النائية حاول أحد الكلاب المسعورة جعله وجبة سريعة. تلك "لا" التي جاءت على لسان أم حاولوا منعها من الموت حينما زفوا لها خبر موت ابنها الجندي أثناء إحدى محاولاته للدفاع عن الوطن بمواجهة بين العسكر والبوليزاريو بكلميم. تلك "لا" التي يرفعها عشريني أو ثلاثيني لم يذق من الحياة حلاوة بعد، أثناء محاولته إنقاذ نفسه في قتال مع أمواج البحر الحقيرة بينما كان يحاول النجاة من مغربه والاتجاه إلى إسبانيا خلسة...
تلك اللاءات كلها، لا تشبه "لا" رفعتها مسكينة تبحث عن الرّغيف لأبنائها السبعة، أربعينية بسن التسعين، تحاول النجاة من كل الوحوش... تعتبر تحرش عشريني بها، كقبلة ابنها المتوسط أثناء السفر، تحاول أن تجد شيئا جميلا بعدما راحت ضحية باب سبتة إبّان دعسها من طرف أحد الرعاة المتنكرين بزي الوطن.
كانت تسعى لمواجهة فخ الزمن، فهي لن تكون أكثر من فدوى طوقان الأنثى الثورة التي أصبحت سنديانة فلسطين. وتلك اللاءات العديدة التي بدأت برفعها وهي جليلة أخيها تصادقه في كتابة الأشعار، ولا أكثر من غادة السمان التي كرهت المبالاة في الحب، ولم تحب له أن يكون متبادلا كي لا ينجب الأطفال والعادات والملل... أرادت فيه القليل من الحب الانفرادي التميزي لينجب العذاب والاشتياق الذي لا توقفه عقارب الساعة ولا تقتله غلبات الزمن...
كانت تقف على شرفة النافذة ترقب سقوط المطر.. تعود لزمن بعيد كانت فيه يتيمة المشاعر، تتذكر كل إفرازات الأحاسيس المنفردة التي خالجتها، لكنها تعاود التفكير فيما يختلجها الآن، هو ربّما نفس الشعور بوجع أثقل.. فلم تدير عجلة الذاكرة للوراء!؟ فكلنا سواسية، ضعفاء أمام الظلام لحد الجنون، لكننا بالنهار نتحول إلى أبطال تهوى السّطوع، ولا مفر غير تبليل الوسادة الشاهدة على الأفول الأبدي.
سألتني يوما:
- لما طعم الدموع مالح؟
تصمت وتنتظرني أن أبرّر لها طعم الآلام، تمتمت:
- كيف عرفت أنه مالح؟
تجيبني بغباوة منكسرة النظير:
- إني دائما ما أجهز نفسي لحملة البكاء، فأبدأ بتذوق طعم الدموع المالح... فأكف فجأة!
أبتسم وأقر أنها فعلا مخبولة بإكسير آخر للحياة، فهذا الوطن أسقط عنا جوازات السفر وحجب عنا بطاقات الانتماء... وبالإضافة إلى كل هذا، منعنا من حقنا في عصر الألم في دموع أيضا، فهو يحق فيه الرثاء بحق.
وطن باسم الوطن، خوذة من اللاشيء المبعثر على جنباتنا وجرعة سم شربناه سكارى.
وفي فصل آخر من القصة، أخذت عطلة تسترجع فيها أنفاسها المختنقة، فسحة لهما يعيدان نفسيهما إلى الزمن الجميل ويمحيان الطاولة من كل الأوساخ والقذارات، ثم يسبحان باسم الحب العظيم الذي أدار بهما دائرة الأفول بعد جزر طويل في عناق واحد يأخذها فيه إلى غياب مستتر عنها. ثم تفرق بينهما آخر محطة على معابر جبال بوعنان، ودّعا فيها بشاعة مارتيل ونكساتها لتؤمن لنفسها مكانا على صوب نافذة الإغاثة بحافلة بوخيار، هذا بعد عناق وداع شهد تكدس الآهات فيه بدر، رجل غريب لكن أمتع ما فيه ابتسامة تراقص النجوم حولها ولا تكاد تفارقه.
كانت رحلة طويلة خيّل لها فيها كل كابوس راود شكوكها واكتسى روعة الحياة في عينيها...
مجرد أربع ساعات كانت كافية لعيش حياة كاملة وتتوّج بطاكسي لا ينفك صاحبه يمجد فيه رعاة الوطن، ويدافع عمن منح للوطن واد متعة وانكسار لا منتهيين، وبعد وقت حسبته سباق المسافات الطويلة، وصلت إلى بلدتها المشؤومة...
قبلت ذاك التراب الذي صنع منها كومة عضلات متمردة، وأهدته قبلتين لعرشها الذي توجت به بطولاتها في ثوار البلدة القديسة الذين لا ينفكون يطيعون شمعة اللاءات...
قامت بدور الأنثى البدوية بكل حرفته، ونزعت عنها غطاء الثورية الزائدة بكون المرأة عظام يكتسي مناعة الحياة بمدى وقوفه شامخا، والتفت بحضن القديسة "الماما" التي زارتها بحب أعظم واستهوت في إخبارها بضرورة معرفة المزيد كانت آخر وصاياها: "لن يحبك أحدهم أكثر مني..."
ثم حملت نفسها ثانية لبئر الأوجاع ثانية، لمدينة الشياطين التي لا تحوم حولها الملائكة، علّها تكتشف جديدا أو تحمل بحضنها فرحا غير الذي دمّره الغاشون، وكساه الشياطين بحبوب الرّمل المنكسرة إيقاعاتها، وبحقيقة أذابتها وصهرتها للمرة الثانية.
تلقتها أول الحافلات المتنقلة على صولات المدينة الحزينة، الحبيب الذي عولت عليه بناء جسر من الأحلام يعول على الطلاق، إنه يبحث عن مخرج وما من مجيب!
كل تلك الشذرات المتقطعة من حوارات أمها، نصوص نوال السّعداوي المتناثرة وحروف صديقاتها المستفزة... لم تكن كافية لجعلها تأخذ قرارا نهائيا ترسم به نفق حياتها الكئيبة، وباسم القديس "الحب المزيف"... لاقته ثانية علّها تكذّب كل الوشوشات التي وصلتها وفي حضنه استشعرت كل الحقائق، لم يعد عناقه صادقا، هو مجرّد لقاء لجسدين لا غير... كل تلك الكلمات التي سقطت، كانت مجرّد أكاذيب لا غير، كانت مجرد لعب ألهى بها فراغ روحه... 
وليست على عادة النساء مشت، لم تكن كذكرى حوّاء التي تحملت آثام الرجال وبقيت ذكرى في تاريخ موحش بالخطيئة. كانت أنثى رجل بقيت واقفة تجرب خيانة ضلوعها في أخرى مؤخرتها أكبر ونهداها أكثر إثارة، كانت أنثى حضرت مذبحتها واستعملت دم الثورة من دمها.
حكت لي بكل جرأة أنها كانت تضاجعه بكل ألم وهي تعرف أنه مع أخرى، تناديه بحبيبي وتعلم أن صلاحيتها في تقفي آثار ملكيته انتهت... وبكل أنواع الانصياع احتفلت معه بعيد الحب وبرأس السنة –بل وأكثر- أهدته عرش حبها الانفرادي بكل مأساة وسلمت ما تبقى من جسدها النحيل لجسمه الميت... كانت تساعده بكل أملها في الحياة على إحياء ما مات فيه، لكنّها للأسف أيقظت عضوه الذكري النّائم ولم تستطع إيقاظ ضميره!
تلك المدّة لم تتعدّ نفسها الطويل ولم تتجاوز رغبتها في الحياة لكل ميالات الجزر على حافة أسرار النجاح، ذاك كان مجرد سراب وقد رحل... وأولئك لم يكونوا غير جيش ماكر لبسوا قناع الثورية وهم لم يثوروا بعد على الجزء المغطّى من أجسادهم والمرحلة الأحرج من حياتهم...
ذاك كان سيفا ذا حدّين قتلها بمنظورهم، لكنهم لا يدرون بأن العنقاء ينبعث من رماده، ولا يمكن أن يحترق مرتين، وإن كانوا قد وسموا بعدها بالنذالة وخيبتها بالعهر... إلا أنَّ الحقيقة لا يعلمها أي منهم، فهذه المعادلة لا يستوعبها إلا إنسان فهم الواقع وقذارته بحق ةاستطاع تجاوز وسخه كفكرة على الأقل.
فالحافلة حقا محتوى، لكنها في الباطن ليست إلا قالبا ينظم الركاب ليستقيهم قواما وعادة. ترتّب الخيوط وتفتح آفاق اجتياز الاختبار، وتلك المومس التي تنافس بكل ضراوة وشرف نظيراتها من المومسات لتصبح ذات ضوء كاشف بالملتقى العام "شارع ميرامار" ليست إلا نتيجة لبئر عميق من الأوساخ.
أما حين تغفو فجأة وتأخذ دقيقتين للبحث عن أحدهم في الماضي القريب تسلل من كونه رجلا وأصبح أنثى وسط صديقاتها وأنقذ رواسب الجهل المتبقية عن نظرة الكلّ فيها، وكان ملهما لها في كتابة ما تيسر من الكلمات المتراصة بشكل رسوبي، فكان لها من الحروف المتراقصة ما يكفي لحب الحياة أكثر.
وبغباوة منقطعة النظير، اعتنقت ديانة جديدة... رأت فيها إلهها المقدس، لقد كان عقلها مبحرا في ما ستنتجه أيادي الصدق الملتوية حول عنقها... وبين كل الأوجه الساطعة المختلفة إشاراتها كان وجهه الأكثر إشعاعا، وكيف لا وهو أثير لصدق يتباهى به ظرف الزمكان.
وفي ضيافة الصمت كانت تتذكر كلماتها التي تلتها على مسامع الصدق النابي عليها، إنه إحساس مميز عن كل الإحساسات، تصفه باللاشيء. لكنها كسرت إيقاع أحكامها السابقة بحكم آخر تقول فيه: "أحب أكثر، تتألم أكثر..." هي لم ترد للحبِّ الموت بل أرادت للصدق الحياة.
ذاك الذي تفتقده حكاياتنا بكل وحشية فارطة، ذاك الذي لم نره يوما إلا في ضحكة القديسة حينما تهب حياة تحت مظلة المشفى، إلا في ابتسامة عجوز عرف كيف داهمتنا الحياة في هذي اللعبة القذرة.
فأخذت طريقا أخرى تخط فيه تفاصيل هذي القصّة المشوقة وتهدي عبرتها لعابري السبيل. وجدت صعوبة لم الأوراق في مجرد بضع صفحات تختزل قصة اغتيالها... فتلك قصة لا تطولها مجلدات ولا زنزانات أحلام!
أوليس اغتيال ولي عهد النمسا بتفاهته أخذ حيّزا من مقالات الشيخ غوغل، كما أخذ حصته من تفاهة البرامج التعليمية، فكانت أغنية تتردّد على لسان كل أساتذة التاريخ.
ذاك الاغتيال المؤنس بشيء من التخطيط يستحق كل هذا، فكيف لا يستحق اغتيال القطّة المتمرّدة ذلك؟
خصوصا وأنه اغتيال موحش بالخطايا ينزف من شدة الذنب، فقد واجه الصدق في معركة: تكوني أو لا تكوني... وفقط لذلك يستحق أن يكون بالمقدمة! أو يُخَطّ بعرض الموج تحت يافطة وجه مفرح، وفرحة حزينة لتتكون هاته الكلمات باسم: "مشاهد من قصة اغتيال". لكنها لم تضع أية نهاية، فالاغتيال باقٍ ولا حدود للموت في حضور الحياة.
الشاعرة المتمردة .......................
 




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.