آخر الأخبار :

العَلمنة سبيلا لِنزع القداسة عن الفاعل السياسي ومحاسبته؛

medzwitnat.jpg

أمام الظواهر الطبيعية التي استطاع العِلم المعاصر مُتسلحا بالتقنية فهم وتفكيك عِللها المُسببة بل والتنبؤ والتحكم في ميكانيزماتها الحتميّة وتطويع سيروراتها لأغراض ونزوعات بشرية (مع ضرورة التحفظ على دلالة تلك الأغراض)، وأمام اكتساح التفسيرات المادية،التقناوية موضوعات وأشياء العالم لدرجة أضحى الإنسان متحررا من مخاوفه وخرافاته القروسطوية فنزع بالتالي "السحر والأسطرة عن العالم" بتعبير ماكس فيبر،واقترب من تحقيق الحلم/الخَلْق البروميثيوسي (نسبة إلى أسطورة برمثيوس الإغريقية)، أمام كل ذلك؛ لم يَعد من المقبول لا ابستمولوجيا ولا سياسيا بحديث ما يبتغي دعاته شرعنة أودعاية أي تسويغات سياسية تنهل من التوظيف الأيديولوجي للدين لتبرئة ذمة الفاعل السياسي أي كان شأنه وموقعه في مسؤولية التقصير وعدم نهج المقاربة الإستباقية إزاء الكوارث والمصائب، خصوصا حين تخلف أرواحا بريئة كهاته التي حدثت بملعب تزيرت بمدينةتارودانت الأربعاء المنصرم مُخلفة سبعة ضحايا، ليخرج بعدها السياسي المغربي (رئيس الحكومة) عن صمته مكتفيا بتدوين عبارات العزاء لأهالي الضحايا وحثهم على الصبر عبر صفحته بمواقع التواصل الإجتماعي(فايس بوك)، أو مخاطبا إياهم مباشرة بعبارات من قبيل؛قدر الله ومشيئته،لله ما أخد ولله ما أعطى،الإرادة الإلهية أكبر من طاقتنا!!!....إلخ،من مثل ما شاهده المغاربة على شريط مصور لعامل الإقليم (أعلى سلطة سياسية وإدارية بالإقليم) وهو يخاطب أهالي الضحايا قائلا:(هادوك ثلاثة لي ماتوا عندكم الله يرحمهم وغادي نبقى ندفنهم معاكم بقاوا متحدين وهنا فين كتبان الرجلة.. !!!)، ولنتأمل هنا دلالة كلمتي " هادوك،عندكم .. !"،لِنفهم ونستقرء منها ذهنية المسئول المغربي الذي يرى في حياة المواطنين وأمنهم وحتى موتهم شأنا يعنيه ويسائله وبالأحرى أن يجرمه، وهو المُنعَم بالراتب السمين والتعويضات الخيالية..،فأي خطاب هذا ومجمل ألفاظه المُنوِّمة "أي المسئول المغربي" تروم الإفلات من المسؤولية والمحاسبة وتضليل المواطن، بل استغباء ذكاءه بقصد واعٍ أو غير واعٍ، ولإن تأملناه بعمق سيعـود بنا ذهنية القرون الوسطى والعصور الغابرة زمن سيادة أباطرة وملوك الثيوقراط في الشرق القديم وهرطقات حِقبة ما قبل انبثاق مفهوم الدولة الحديثة القائمة على فكرة التعاقد السياسي وما يسستبعها من مفاهيم الواجب والمسؤولية والمحاسبة الفعلية؛                                                                                     كلها اذن مسوغات قروسطوية سخيفة لم يتحرر منها لا المسئول المغربي،ولا الدولة نفسها في خطابها الرسمي حين تُجيِّـش أيديولوجّيها من خبراء في الإعلام وأئمة مساجد لترويج أسطوانة "التأمر على البلد وتهديد أمن ووحدة المملكة الشريفة .. !!"، وهي تُهَمٌ ساذجة وجوفاء رُمي بها كل الأبرياء من معتقلي حراك الريف وجرادة وكثير من الصحفيين في غياهب السجن،واقع لم تعد معه بمقدورها تغليط وتضليل فهم المغاربة أو تشويه رؤيتهم وتحليلهم للفواجع المتتالية التي تقع لأبنائهم من كل صوب وحدب،ولعل ما خرج به الناطق الرسمي أمس الخميس من ترديد نفس الأسطوانة القديمة التي ألفناها عند وقوع كل كارثة طبيعية كانت أو اجتماعية،مصرحا بضرورة انتظار نتائج التحقيق لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين والمقصرين.. !!، وكأن التحقيق في الكوارث السابقة التي مازلت تؤلم الذاكرة الجماعية للمغاربة؛ (فيضانات كلميم،حادثة طنطان،مقتل مي فتيحة ومحسن فكري وعماد العتابي وشهداء حراك الريف وجرادة،مقتل نساء الصويرة،نهب أموال المخطط الإستعالجي والصناديق العمومية..إلخ) قد كُشفت نتائجها أمام الرأي العام  وحُسِب وسُجِن مُرتكبيها.. !! فألا تخجل الدولة بهاته الهراءات والأوهام التي يئس الشعب المغربي منها، ومن شيء اسمه "التحقيق" وأضحى مرادفه لديهم مجرد أفيونا تذيعه وأجهزتها الأيديولوجية لتهدئة منسوب السخط الإجتماعي المتزايد جراء سياساتها الكارثية ونهجها في تكريس الفوارق الطبقية؛
من هنا تجد القوى الحرة والمناضلة في المجتمع المدني نفسها أمام ضرورة لا محيد عنها لممارسة عمليات النقد والتفكيك والتعرية اتجاه أسس وخطاب هذه الأيديولوجية المحايثة للفعل السياسي المغربي وكشف أبعادها الهجينة والباتولوجية- بالمعنى السياسي- الممتدة سياسيا،اجتماعيا وثقافيا على باقي الفاعلين المستفيدة من الوضع الطبقي القائم،مادامت تروم في عمقها وأد وإجهاض كل حلم أو يوطوبيا تطلعية جماهيرية نحو إرساء دولة ديمقراطية مدنية بتعاقدات سياسية حقيقية مصدرها الشعب، وبفصل واضح لكافة السلطات، يُفصَل فيها الديني عن السياسي وتسود عبرها علمنة تدبير الشأن العام ذرءا لما ينتج عن دمجهما من استغلال وانتهاك واستبداد،وفي ذلك تقويض لأحد جذور الشر التي أنتجت كل ويلاتنا وأعطابنا الكبرى عبر التاريخ الممتد من القرن السابع ميلادي.

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.