bouazzar1.jpg

منجم بوازار الملكي : حين يصبح الكوبالت لعنة ع ...

 Jul 10, 2020    0    
الروبورتاج من إنجاز كريمة إيد عبد الله
FB_IMG_1593221989079.jpg

تماسينت الريف غاضبة من لامبالاة الدولة المغربية

 Jun 27, 2020    0    
جيتشهد بلدة تماسينت التابعة بإقليم الحسيمة شمال المغرب احتجاجات قوية منذ أسبوع بسبب الاوضاع الم ...
FB_IMG_1592352949190.jpg

الجشع كسمة أساسية للتعليم الخصوصي بالمغرب

 Jun 17, 2020    0    
بقلم ايوب رضواني 
blacklivesmatter.jpg

مثقفون ومفكرون : من أجل أممية تقدمية فاعلة

 Jun 07, 2020    0    
ترجمه حماد بدوي 
antifa.jpg

ماهي حركة "أنتيفا" التي يريد ترامب تصنيفها من ...

 Jun 02, 2020    0    
بقلم جمال البوزويكي
5a39d6a590811.jpg

التجسس الرقمي، على وسائل التواصل الاجتماعي، و ...

 Jul 12, 2020    0    
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا
omar-erradi.png

عمر الراضي : المغربي الذي لن يتمّ إسكاته

 Jun 26, 2020    1    
منظمة العفو الدولية

قائمة مقاطع الفيديو

الشهيدة سعيدة المنبهي، امرأة بحجم وطن.

26 Jun 2020 : 00:58 تعليقات: 1 مشاهدات: 
FB_IMG_1593133168120.jpg
ينايري
منشور من طرف ينايري

حين علمت خديجة المنبهي باعتقال الشابة سيليا الزياني، فنانة “حراك الريف”، بدأت تبكي بحرقة. «إنها تذكرني بشقيقتي سعيدة بشكل فظيع»، تقول خديجة وعيناها قد اغرورقتا بالدموع. مَن مِن الرفاق ومِن “زوار الفجر” لا يتذكر سعيدة التي غادرت وهي ما تزال تبحث عن “دليل العنفوان”؟

لم تشفع لها أنوثتها الفتية لدى الجلاد، الذي تفنن في تعذيبها، وكلما زاد عذابها زاد تلذذه، ولم يتوقف إلا أن حلقت روحها في السماء، بعد أسابيع مريرة من إضراب “الأمعاء الفارغة”. غير أن سعيدة عرفت كيف تواجه آلام “سنوات الرصاص” تلك، أو “سنوات الرعب”، كما تفضل شقيقتها خديجة تسميتها، عبر كتابة الشعر وعبر ما ضمنته من تعبيرات في رسائل إلى عائلتها من داخل زنزانتها الباردة، حتى تشعر بدفء الأب والأم والإخوة (أربع بنات، وذكَران إثنان).

اعتنقت سعيدة، في وقت مبكر،عقيدة النضال السياسي اليساري، الذي يتغذى أساسا من الأفكار الشيوعية، وبتعبير أكثر دقة، من أفكار الماركسية اللينينية. كما آمنت سعيدة الحالمة بالحرية، بـ”طوباويات” ما أنتجه الاستقلال من أحلام، في عالم أصبح ثنائي القطبية. وأيضا، في مغرب “قاتم واستبدادي وعنيف”.

“طُلاب الحرية”

رأت سعيدة النور وسط عائلة يجري مفهوم الحرية في حمضها النووي. فقد كانت والدتها، فخيتة الهلالي ونجلة أحد زعماء قبائل درقاوة، امرأة متميزة وذات فكر متفتح ومنفتح. بينما كان والدها، سليل إحدى العائلات الارستقراطية التقليدية الكبرى، مفتشا عاما بمستشفى. «كان يجمع بين الأصالة والمعاصرة، قبل أن يميل أكثر، في الأخير، إلى الخيار الثاني»، تقول خديجة. في هذا الوسط، ازدان فراش العائلة، في أحد أيام شتنبر 1952، بسعيدة التي كانت الثالثة بين أخواتها. «غيَّر وجود أربع بنات في البيت من طريقة تفكير والدي. أو لنقل إن أفكاره كبرت معنا. لم يجبرنا أبدا، لا هو ولا الوالدة، على القيام بأي شيء. علمانا على أن نكون حرات. كان الأمر استثنائيا مقارنة بالعائلات الأخرى»، وفق تعبير خديجة. ذات يوم، حدث أن دخل عبد الرحمان، الشقيق البكر، البيت واصطحب معه “السياسة”. كان ذلك في 1965، أي العام الذي عرف احتجاجات تلاميذية وطلابية ضد المذكرة التي أصدرها يوسف بلعباس، وزير التربية الوطنية حينئذ، وتنص على منع من هم فوق 17 سنة من ولوج أسلاك التعليم الإعدادي. تواصلت الاحتجاجات، ولحقت بها فئات مجتمعية أخرى: الآباء، العمال، الطبقات الشعبية، سكان أحياء الهامش والعاطلون. لم يجد النظام من وسيلة لوضع حد لتلك الاحتجاجات سوى الرد بعنف. هنا، أطلق الجنرال أوفقير، وزير الداخلية آنذاك، يده للتدرب على رشاش، من داخل طائرة هيلِكوبتر، لقتل من هم على الأرض في الدار البيضاء. ثم توالت الأحداث: أعلن الحسن الثاني حالة الاستثناء، وافتقد العالم أثر المهدي بن بركة، المعارض والقيادي الاشتراكي، في العاصمة الفرنسية باريس. في تلك الأثناء، بدأ المغرب المستقل يدخل فتراته المظلمة التي دامت أكثر من 25 سنة.

كان من الطبيعي أن ينتج ذلك رد فعل لدى الناس، ويدفعهم لاختيار هذه الجهة أو تلك. عبد الرحمان المنبهي اختار أن ينخرط في الحزب الشيوعي المغربي، وأن ينكب على قراءة الأدبيات الماركسية، التي كان يأتي ببعضها إلى البيت “الكبير”. أصبحت الكتب تمر من يد إلى أخرى، ثم وجد “أولاد المنبهي”، أنفسهم، يغرقون في النقاشات حول “مثالية” الأفكار الشيوعية، ولا يكملونها إلا حول مائدة الطعام. «كنا نحس بضيق وقلق الوالدين شيئا ما. كان الأب يقول: انهوا دراستكم قبل السياسة. وكونوا متأكدين أن النظام لن يرحمكم».

ألف أو باء؟

انخرطت سعيدة، أيضا، في الحزب الشيوعي بمجرد حصولها على شهادة البكالوريا في عام 1971. مع بداية الدخول الجامعي، التحقت بشقيقتها خديجة في الرباط، حيث كانت تدرس الطب، فيما اختارت سعيدة دراسة الأدب الإنجليزي. وبالموازاة مع دروس المدرجات الأولى، انخرطت سعيدة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وأصبحت مناضلة نشِطة داخل فصيل «الطريق الديمقراطي القاعدي». مع ذلك، فإن شخصيتها وسلوكها لا علاقة لهما بما يرسمه البعض، في الغالب، من انطباعات عن “المناضلين المتطرفين”. تقول خديجة: «لقد كانت طالبة جيدة، رائعة، إنسانية، لطيفة للغاية. لا تزعج الناس في النقاشات. كانت عكسي تماما…». بين فصول الجامعة والنضال، اختارت سعيدة، أيضا، تدريس اللغة الإنجليزية في إحدى ثانويات الرباط لضمان عيش مريح. كما التحقت بنقابة الاتحاد المغربي للشغل، في الوقت الذي قررت وضع مسافة عن الحزب الشيوعي المغربي، الذي أصبح يحمل اسم حزب التحرير والاشتراكية. لقد وجدت ضالتها في حركة إلى الأمام. «في الواقع، كانت هناك حركتان هما: ألف وباء. الأولى أصبحت إلى الأمام، والثانية 23 مارس، وهما معا منظمتان سريتان… لم تكونا تختلفان كثيرا من حيث المواقف. مثلا أنا كنت في ألف وزوجي في باء»، تقول خديجة. وحين سئلت حول ما يفرق بينها في العمق، ردت بعد تأمل وابتسامة منزعجة: «أظن قضية الصحراء خاصة».

مع مطلع السبعينات، وغداة المؤتمر الـ15 للاتحاد الوطني لطلاب المغرب، بدأت الأمور تتغير، وأصبح النظام أكثر تشددا. ثم انطلقت حملة أولى لاعتقال المناضلين. كان أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي أول من اكتويا بنار الاعتقال. ثم تواصلت الحملات ابتداء من عام 1972. ووصلت النار إلى عزيز المنبهي، الشقيق الآخر لسعيدة والقيادي في “أوطم”. وأيضا، إلى زوج خديجة أحد منظري الحركة اليسارية: «هكذا، وجدت نفسي وحيدة برضيع في بيتي. في هذه اللحظة، قررت مغادرة المنظمة للاهتمام بطفلي. كنت وما أزال يسارية حتى النخاع. كنت أشارك في كل المظاهرات. لكن كنت في حاجة إلى أن أكون حرة وفي حِل من كل التزام».

من جهتها، لم تتوقف سعيدة عن السير في دروب النضال. كانت تدير خليتين، وتتكفل بالأعضاء السرين في الحركة، بمساعدتهم على إيجاد مأوى لهم وعلى توفير تغذيتهم وحمايتهم من الشرطة. كانت مناضلة متشبعة بإديولوجيتها، تعيش وتتنفس من أجل التغيير، «من أجل نهاية المؤسسة الملكية، ومن أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية».

“التنانين السوداء”

لم يأخذ النضال من حياة سعيدة الخاصة كل شيء. ففي عام 1972، تزوجت رجل تعليم كان يكبرها سنا. غير أن علاقتهما لم تستمر طويلا. ففي بحر عام ونصف تقريبا، طلبت سعيدة الطلاق وحصلت عليه، في زمن كانت النساء لا يسْعَين وراء الطلاق. تحكي خديجة: «كانت أختي غيورة جدا. تغار بشدة على استقلاليتها… لقد اعتدنا جميعا على العيش في سلام والعيش بالطريقة التي أردناها، وأن نكون مسؤولين جدا».

بعد الطلاق، ستكتشف سعيدة حبها الحقيقي، الأول والأخير. اسمه عزيز، ويشترك وإياها همَّ النضال في “إلى الأمام”. كانت تأويه أو تخفيه في شقته الصغيرة، حيث عاشا قصة حب، تقاسما فيها أسرار الحركة والرفاق، كما تقاسما كتب الثورات في العالم وعبر التاريخ.

لكن في يوم ما من أوائل يناير 1976، خرج عزيز في الصباح، ولم يعد. مر يومان ولم يظهر له أثر. قررت سعيدة، حينها، الذهاب عند كاتمة أسرارها، لتخبرها بما تستشعره داخليا: «لقد اعتقلوا صديقي عزيز… من سيحين دوره؟».

كانت سعيدة تحتفظ داخل شقتها الصغيرة بكل وثائق الحركة: هويات الأعضاء، تقارير الاجتماعات… كانت مقتنعة بأن عزيز لن يعترف بشيء تحت التعذيب، وأن رجال الشرطة لن يأتوا لاعتقالها، «لكن الأمر ينطوي على مخاطر في النهاية»، وفق تعبير خديجة، التي أقنعت شقيقتها الصغرى بضرورة أن ترافقها إلى الشقة. هناك جمعتا كل الوثائق، التي يمكن أن تدينها، ووضعتاها داخل حقيبة سوداء، احتفظت بها خديجة داخل بيتها رفقة صاحبتها.

مرت الأيام ولم يظهر عزيز، ولم يأت رجال الشرطة، غير أن سعيدة هي من ذهبت للقائهم، حين قدرت ذات يوم أن تلقي نظرة على شقتها، ومعرفة «إن كان أحد ما قد زارها أثناء غيابها»، خاصة في تلك الفترة التي كان فيها يتداول الناس حكايات عن غرباء يزرون بيوتهم في الفجر. لم يكذب حدس سعيدة، إذ بمجرد فتحها الباب وإشعالها الضوء، وجدت شرطيين جالسين على السرير ينتظرانها، في مشهد وصفته بدقة في إحدى قصائدها الـ26 التي كتبتها وراء جدران السجن: «كانت الساعة تشير، بالضبط، إلى السادسة مساء. كان هناك رجلان من البوليس السري. لوثا مياه محيطي الهادئ في بيتي. أصبحت الجدران شاحبة بالكراهية، كراهية الفاشيين».

درب مولاي الشريف

هكذا، اختفت سعيدة كما اختفى عزيز والمهدي وفاطنة والآخرون… لم يعرف أحد من أفراد عائلتها أين هي، وإن كانت بخير وعلى خير. لم يعرف أحد أنها اقتيدت، بعيون مغمضة، من الرباط إلى درب مولاي الشريف في الدار البيضاء. هناك، وطيلة ثلاثة أشهر وعشرة أيام، ذاقت كل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. تناوب “الحجاج” على التنكيل بـ”امرأة حرة”، وكأنهم كانوا يمارسوا القصاص من سيدة طلبت الطلاق، وعاشت قصة حب خارج مؤسسة الزواج. لن يستطيع أحد تقدير سيل الشتائم والإهانات الذي تعرضت له على يد من خُوِل لهم تعذيبها. مع ذلك، ظلت سعيد “الرقيقة” قوية ومتماسكة، ولم تستسلم. لم تتحدث، أبدا، عن الحقيبة السوداء. «أدين لها بإنقاذ حياتي»، تؤكد خديجة.

تعب “حجاج” درب مولاي الشريف، وأحالوا سعيدة على السجن في انتظار محاكمتها، التي لم تبدأ إلا في يناير 1977، أي بعد سنة من اعتقالها. مثلت سعيدة أمام المحكمة رفقة 138 متهما آخر. وهناك، أيضا، سمعت كلاما جارحا في حقها وفي حق حياتها الخاصة. نفس الكلام الذي كان يردده “الحجاج”، غير أنها انتفضت في وجه هيئة المحكمة، ووقفت لتقول، أمام الملأ، إنها حرة في أن تحب من يستحق حبها، وأن تتمرد ضد كل أشكال القمع والعنف التي تتعرض لها نساء المغرب.

نالت مرافعتها إعجاب الرفاق الذين عبروا لها عن ذلك عبر التصفيق، غير أن القضاء الجالس رأى فيها إهانة له. وحكم عليها بخمس سنوات حبسا نافذة بـ«تهمة الضلوع في أنشطة معادية للدولة»، لكن لم ينس “إهانته”، فاضاف سنتين بـ«تهمة الإساءة لهيئة المحكمة».

قضى الحكم أيضا، وإلى الأبد، على حب سعيدة وعزيز الذي أدين، في نفس القضية، بثلاثين سجنا نافذة. نُقِل هو، بمعية الرفاق، إلى السجن المركزي بالقنيطرة، فيما نقلت سعيدة إلى السجن المدني بالدار البيضاء.

الكتابة للتحمل

لأن سعيدة “الحرة” لم تُخلق للسجن، اختارت الكتابة كتعبير عن استمرار المقاومة. كانت تكتب الشعر والرسائل الرقيقة إلى العائلة والحبيب، وكانت تهرب، عبر الكلمات، من زنزانتها الرمادية والباردة، لتحلق بعيدا. «بدأت سعيدة تكتب الشعر بأظافرها على حائط الزنزانة… كانت تكتب ولا تنقح، لأنها لم تكن تفكر في أضواء الشهرة، ولا في المخبرين وجواسيس اللغة»، يذكر عبد اللطيف اللعبي الذي ترجم قصائد المنبهي إلى العربية. إذ كانت أستاذة الإنجليزية، التي تعيش نضالها بالعربية، تكتب قصائدها بالفرنسية. ذلك تحدي آخر رفعته للسخرية من السجان بكل اللغات. هذا ما بين ما كتبت:

«سبق لي أن شرحت لك يا صغيرتي

ليس كما شرحت لك ذلك المعلمة

إنهم لا يضعون في السجن اللصوص فقط

إنهم يسجنون أيضا الذين يرفضون الرشوة

السرقة والعهارة

أولئك الذين يصرخون كي تصبح الأرض لمن يحرثونها».

رسائلها حملت، أيضا، إلى ذوي القربى تعابير رقيقة، مليئة بالحب. مثلا، كتبت إلى أختها مليكة، التي كانت حاملا للمرة الثالثة، تنصحها بقراءة كتاب فرانسواز دولتو الأخصائية الفرنسية في الطب النفسي للأطفال: «اقرئي فقط ما يهمك وما يمكن أن تفهميه، واتركي الباقي». كما كتبت إلى أختها الصغرى بهية، ذات الـ19 ربيعا، لتقول لها: «لا تمر دقيقة، في الليل أو النهار، دون أن أفكر فيه، دون أن أشتاق إلى عينيك الكبيرتين اللتين تشبهان محيطا أنهل منه قوتي وشجاعتي». وإلى خديجة: «أخذت الكثير من الأشياء منك. علمتني الصبر والشجاعة، وشخصيتي مطبوعة بكل بصماتك… أختي خديجة، نحن لا نعيش، فقط، على الماضي، سواء كان أليما أم سعيدا، وإلا فإننا سنشيخ قبل الأوان. لأن الشيخوخة، في نظري، تبدأ عندما لا نستطيع أن نتجاوز وننسى الماضي الذي نعزه أو نكرهه».

كانت سعيدة تحاول، جاهدة، أن تبقى إيجابية، وتعد عائلتها بمستقبل مشرق، لكن وفق قناعاتها هي، ووفق نماذجها: عبد الكريم الخطابي «ذو القلب الذي لم يعرف أبدا الخوف»، وزروال «الذي قتلوه، لكنه لم يمت أبدا». أقسمت سعيدة إنها إن كانت ستموت، فإنها لن تموت إلا “ماركسية-لينينية”.

كانت قد بدأت تتعود على حياة السجن، وكونت صداقات مع نماذج نسائية أخرى من المجتمع، قاتلات ولصات وأيضا عاهرات… مالت إلى الصنف الأخير، وبدأت تجمع شهادات منهن لموضوع ارتأت أنه جدير بالنشر والقراءة، غير أن قدرها لم يمهلها في إكماله. لم تنس سعيدة، أبدا، عزيز، كما لم ينخرط هو في “لعبة النسيان”. كانا يتبادلان الرسائل للحنين والتذكر. «في رسالتك الأخيرة، أحسست أن حبنا قوي جدا. أقوى من القمع ومن ظلمة السجن الحالكة. حفزت كلماتك تلك دمي، وروت جسدي العطشان، وملأتني بقوة لا تقهر»، تكتب سعيدة إلى عزيز.

هكذا، كانت تريد، عمدا، أن لا تمر أيامها في السجن دون شاهد، أو أنها، كما يقول اللعبي في تقديمه لأشعار سعيدة: «كانت تؤرخ المحنة العادية وتفتح قلبها على مصراعيه للطيور المطاردة، للأطفال الموشومين بالفاجعة، للنساء الثكالى اللواتي جردهن الاستغلال والقهر من أثداء العطاء، لرفيق العمر المفصول عنها بكيلومترات الأسوار والعسس، للأنجم المسافرة من قلعة منفى على طول وعرض الوطن الكبير».

“قاومي عزيزتي، قاومي”

استمرت سعيدة في المقاومة، وفي نضالها السياسي من داخل السجن، وفي تضامنها مع الرفاق، الذين كانوا يدخلون، بين الحين والآخر، في إضرابات عن الطعام. لم يحد بعد المسافة من التواصل، وكانت سعيدة تعلن دائما حضورها في كل مبادرة احتجاجية أخرى.

يوم 8 نونبر 1977، دخلت في إضرابها الثالث عن الطعام. حاول أفراد عائلتها، الذين كانوا يُسمح لهم بزيارة واحدة في الأسبوع، ثنيها عن إضراب “الأمعاء الفارغة”، لكن دون جدوى. بعد أربعة وثلاثين يوما من الجوع، بدأت سعيدة تراقص الموت فعلا. لم تعد كليتاها تستجيب، ودخلت في غيبوبة. قررت إدارة السجن نقلها إلى مستشفى ابن رشد. هل نقلوها فعلا للعلاج وإنقاذ حياتها؟ لم يبد الأمر كذلك، إذ جعلوها طريحة الأرض، داخل مستشفى لم يكن يتوفر، أصلا، على جهاز إنعاش. كان الشخص الوحيد، الذي يفحص حالتها، طبيبا فرنسيا جاء إلى المغرب ليقضي فترته من الخدمة المدنية، فيما كان 15 شرطيا مسلحا يرابطون أمام غرفتها.

يوم 11 دجنبر 1977، رُخِص لأختها خديجة، استثنائيا، لرؤيتها، بل لإلقاء النظرة الأخيرة. «همست في أذنها: قاومي عزيزتي، قاومي أرجوك»، تذكر خديجة. لكن سعيدة لم تعد تملك القوة للاستمرار والمقاومة، ولن تكتب مزيدا من الشعر. في اليوم نفسه، زهقت روحها، وحمل جثمانها إلى مراكش، إلى مسقط رأسها ومثواها الأخير.

لم ينه رحيل سعيد القضية، بل فتح موتها جبهة أخرى من الاحتجاجات ضد الخدمات المتردية داخل المستشفيات المغربية، وضد ظروف اعتقال السجناء السياسيين. في فرنسا، فتح الحقوقيون عريضة، التي كان جون-بول سارتر وسيمون دو بوفوار من أبرز الموقعين عليها، جعلت من الشهيدة رمزا، «لكن الشعب المغربي لن يربح حريته بالرموز»، كما جاء في الجملة الأولى في ديوان الرسائل والقصائد التي كتبتها سعيدة بغير قليل من الألم والمعاناة. «لماذا سميتني سعيدة. كان عليك أن تختاري أي اسم آخر. السعادة لا توجد هنا»، تقول سعيدة لأمها حين زارتها في السجن.

غير أن سعيدة، الحيوية والمرحة، لم ترد لأحبائها أن يحزنوا، موصية إياهم بالفرح والمحبة. «تذكروني بفرح، فأنا وإن كان جسدي بين القضبان الموحشة، فإن روحي العاتية مخترقة لأسوار السجن العالية وبواباته الموصدة وأصفاده، وسياط الجلادين الذين أهدوني إلى الموت. أما جراحي، فباسمة، محلقة بحرية، بحب متناه، تضحية فريدة، وبذل مستميت»، هكذا تحدثت أيقونة النضال  السبعيني .

Tags: None

العلامات

ينايري

1 تعليقات

FB_IMG_1596049409526.jpg

بعض معتقلي حراك الريف بسجن طنجة يعانقون الحرية

 Jul 29, 2020    0    
أعلنت السلطات المغربية عن إطلاق سراح مجموعة من معتقلي حراك الريف بمناسبة الذكرى الواحدة والعشرو ...
mohamedsixcarlos.jpg

ملك المغرب يبرع ملك اسبانيا السابق بقطعة ارضي ...

 Jul 17, 2020    0    
كشفت موقع “أوكي دياريو” الإسباني أن الملك الفخر لإسبانيا، خوان كارلوس الأول، قد حصل على أراض با ...
5023.jpg

هل حان وقت حذف وزارة العدل من المشهد السياسي ...

 Jul 11, 2020    0    
بتنظيم من المكتب الوطني للنقابة الوطنية للعدل المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل،
FB_IMG_1593876489946.jpg

بيان عمر الراضي إلى الرأي العام

 Jul 04, 2020    0    
بيان عمر الراضي إلى الرأي العام
palaisroyal.jpg

بلومبيرغ : بسبب كوفيد 19 المغرب يغلق الهامش ا ...

 Jul 28, 2020    0    
المغرب ينقلب على الديمقراطية بسبب جائحة كورونا ، هكذا عنونت أحد اشهر الصحف الاقتصادية بأمريكا ب ...
managem-bmw.jpg

BMW توقع على صفقة مائة مليون أورو مع مناجم ال ...

 Jul 11, 2020    0    
أعلنت إدارة شركة BMW عن توقيعه اتفاقية مع "مناجم" التابع للهولدينغ "المدى" الذي تسيطر الأسرة ال ...
benkiranecredits_690835021.jpg

بلومبورغ : الديون الخارجية ستضر باقتصاد المغرب

 Jul 24, 2019    0    
ترجمة سعيد السالمي
fb_img_1559681431895.jpg

وفاة الرايسة "خدوج تاحلوشت" : صوت الاباء والابداع

 Jun 04, 2019    0    
وفاة الرايسة "خدّوج تاحلوشت": صوت الإباء اللاذع
bunjorno.jpg

”صباح الخير ايها المهندسون“

 Mar 09, 2019    0    
زينب سعيد
fb_img_1547231251786.jpg

اصوات العدم

 Jan 12, 2019    0    
يونس شبري
51982018129507.jpg

أمريكانا" مايكل مور أو التاريخ الشخصي لتصدّع ...

 Dec 12, 2018    0    
عبد اللطيف عدنان
7101.jpg

"سراق الله" الكتاب الذي اختفى من المكتبات في ...

 Nov 21, 2018    0    
الزاهيد مصطفى
aminacharki.jpg

"سورة كورونا" تلقي بشابة تونسية في السجن

 Jul 16, 2020    0    
 قضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بسجن المدونة التونسية آمنة الشرقي لستة اشهر واداء غرامة قدرها الفي دينار بتهمة الدعوة والتحريض على الكراهية بين الاديان والاجناس والسكان ولذلك على خلفية اعاد ...
covidmaroc.jpg

السلطات المغربية تلوح بعودة الاجراءات الصارمة ...

 Jul 13, 2020    0    
أعلنت وزارة الداخلية المغربية، اليوم الاثنين، أنه على إثر تسجيل عدم التزام البعض بالتوجيهات الو ...
WhatsApp-Image-2020-03-18-at-10.06.32-750x430-1-6uq32cp056jjrft3kq44jc47wz1gtvoz8t4n0i8mi3b.jpg

علاش عتاقلو مي نعيمة وخلاو المحامي زيان حر

 Jun 21, 2020    0    
علاش إعتاقلات الدولة صاحبة قناة مّي نعيمة فاش قالت كورونا ما كايناش، و ما إعتاقلاتش الموحامي و ...
orient-occident.png

ملامح الثقافة العربية في ايطاليا

 Jun 22, 2020    0    
بقلم عز الدين عناية
ecole-maroc-300x208.jpg

صرخة من أجل المدرسة العمومية

 Mar 09, 2019    0    
منصور عبد الرزاق
azdinannaya.jpg

مآلات الثقافة والمثقّفين , نحو سوسيولوجيا للخ ...

 Feb 27, 2019    0    
عز الدين عناية
 
nassermoha.jpg

الجريمة بين القاتل والكلاب

 Sep 19, 2020    0    
الجريمة بين القاتل والكلاب ...
royalairmaroc_630596717.jpg

من يستنزف أموال "لارام"

 Jul 16, 2020    0    
بقلم سعيد السالمي
Khalidbekkari.jpg

و به وجب الإعدام..

 Sep 16, 2020    0    
 خالد البكاري