آخر الأخبار :

في الذكرى 48 لاختطافه واغتياله: ذكريات مع (وعن) المهدي بنبركة.. القائد الذي عاش مناضلا وقضى مناضلا

محمد حرفي
أول عهدي بلقاء المهدي شخصيا كان عام 1951 حين كنت أتابع دراستي في جامعة القرويين، وذلك بمنزل الوطني الغيور السيد محمد مكوار بحي البطحاء كنا مجموعة من الطلبة قد استدعينا لحضور اجتماع نلتقي فيه بشخصية من قيادة حزب الاستقلال لم يكشف لنا عن اسمه إلا بعد أن قدمه أحد مسؤولي فرع الحزب ليتحدث إلينا.. والحقيقة أن ما بقي عالقا في ذهني من كل ما جرى في هذا الاجتماع، هو اختلاف صورة المهدي عن تلك التي كنت أتخيلها عندما أخبرت بأن قائدا من الحزب سيحضر الاجتماع، ذلك أني تخيلته شخصا بدينا طويل على الأقل مثل قادة الحزب المحليين الذين كنت أشاهدهم في بعض المناسبات التي كان ينظمها فرع وجدة… وإذا بي أفاجأ أنني بحضرة شخص لم يكن يتمز عن أصغرنا من حيث البنية علما بأن عمر أكبرنا كان إذاك لا يتجاوز 20 عاما، ولازلت أتذكر أن أحد الحاضرين همس في أذني قائلا: »أهذا هو المهدي بنبركة؟(…) ما سأرويه لا يشكل سوى حيزا محدودا زمنا ومكانا وأداء، ولايمثل إلا مقتطفات لاتزال الذاكرة تستحضرها، وإلا فأين هي مما زخرت به حياة المهدي من جليل الأعمال والانجازات وما امتلأت به من حيوية ونضالات.
أول عهدي بلقاء المهدي شخصيا كان عام 1951 حين كنت أتابع دراستي في جامعة القرويين، وذلك بمنزل الوطني الغيور السيد محمد مكوار بحي البطحاء كنا مجموعة من الطلبة قد استدعينا لحضور اجتماع نلتقي فيه بشخصية من قيادة حزب الاستقلال لم يكشف لنا عن اسمه إلا بعد أن قدمه أحد مسؤولي فرع الحزب ليتحدث إلينا.. والحقيقة أن ما بقي عالقا في ذهني من كل ما جرى في هذا الاجتماع، هو اختلاف صورة المهدي عن تلك التي كنت أتخيلها عندما أخبرت بأن قائدا من الحزب سيحضر الاجتماع، ذلك أني تخيلته شخصا بدينا طويل على الأقل مثل قادة الحزب المحليين الذين كنت أشاهدهم في بعض المناسبات التي كان ينظمها فرع وجدة… وإذا بي أفاجأ أنني بحضرة شخص لم يكن يتمز عن أصغرنا من حيث البنية علما بأن عمر أكبرنا كان إذاك لا يتجاوز 20 عاما، ولازلت أتذكر أن أحد الحاضرين همس في أذني قائلا: »أهذا هو المهدي بنبركة؟« ولم يدع لن المهدي الفرصة للحوار إذ شرع في الحديث مبتدئا هكذا: »بسم الله الرحم الرحيم« وبعد ذلك، استرسل في حديث ارتجالي بأسلوب شيق وبلغة عربية دراجة، ما ميزها أنها في متناول كل الحضور الذين كانوا منحدرين من مختلف المناطق المغربية على اختلاف لهجاتهم.
لم أكن أتجاوز الخامسة عشر عاما وهو العمر الذي استعصى علي فيه استيعاب كل القضايا التي تناولها المتحدث، خاصة وقد رتب حديثه وفق منهجية راعى فيها مستويات الحاضرين العمري والدراسي، فقد ضم الاجتماع طلبة من مختلف المستويات الدراسية، من الابتدائي حتى الأقسام النهائية، مما أملى على المهدي تنويع حديثه وتكييفه ليكون تارة في متناول كبارنا وتارة لأوسطنا، وأخرى لأصغرنا سنا ومستوى، وهكذا قضى معنا وقتا لم أقدر مدته لأني لبثت خلاله مشدودا إلى الرجل استمع إليه بكل جوارحي متمنيا ألا تكون لهذه الجلسة نهاية، وهذا مالاحظته بالنسبة للحاضرين الذين كانوا مثلي مشدودين منصتين إليه وكأن على رؤوسهم الطير…
وأذكر أن المهدي تناول في حديثه كثيرا من القضايا ذات الصلة بالحماية الفرنسية للمغرب وبنشاط الوطنيين، وتحركاتهم من أجل فضح ممارسة الفرنسيين المنافية لعقد الحماية داخل المغرب والمحافل الدولية، كما لم يفته التنويه بموقف جامعة الدول العربية في شخص أمينها العام عبد الرحمان عزام باشا الذي كان إسمه يتردد على ألسنة نشطاء الحركة الوطنية في تلك الحقبة. ما أكثر القضايا التي تطرق لها المهدي، ولكن الذي ألح عليه كخلاصة هو حثنا على الدراسة وتحصيل العلم باعتبارنا جيل المستقبل الذي سيساهم في بنا استقلال البلاد. ولازلت أستحضر كم كان مصرا على أن أخطر مواجهة للاستعمار هو تحصيل العلم، وأن أخطر شيء على الوطن أن يستقل والجهل لايزال منتشرا بين أهله.انتهى الاجتماع ونحن أشد توقا ألا ينتهي وأشد اشتياقا للمزيد من حديثه.
كان هذا أول لقائي بالمهدي، وهو مجرد حضور في اجتماع عام ولم أتمكن من الاتصال به أو الحديث إليه مباشرة، ومنذ هذا اللقاء لم تتح لي فرصة اللقاء به ومع ذلك كنت من المعجبين به كقائد مناضل حيوي، لما كنت أسمع عن نشاطه وأقرأه عن آرائه وتوجيهاته عبر وسائل الاعلام وخاصة النشرات.. التي كانت توزع علينا في خلايا الحزب والشبيبة الاستقلالية وما أزال أتذكر ما كان يروج في الأوساط الحزبية عن كون المهدي بنبركة هو محرك الحزب أو دينامو الحزب والأشد حرصا على هياكله، وتطعيمه بعنصر الشباب والمتعلمين بهدفي تطوريه وتجديد أساليب عمله، وكنا نحن الشباب إذاك من أكثر المتحمسين لهذا التوجه، ولطالما كنا نتجادل مع بعض الاعضاء في الحزب وخاصة المسيرين الذين كانوا لا يشاطرون المهدي توجهه رغم أنهم من المعجبين بشخصيته، وفي هذا الاطار كان المهدي يراهن على المجتمع الأهلي «المدني» كرافد من روافد العمل الحزبي.
أشرت إلى أن معرفتي بشخصية المهدي قبيل الاستقلال وبعيده لم تكن إلا عن طريق السماع والقراءة وأن لقائي به لم يحدث إلا مرة واحدة بفاس عام 1951، وهكذا إلى صيف 1958، حين شاركت في دورة تدريبية للمسرح كانت تنظمها إدارة الشبيبة والرياضة كل سنة لفائدة ممثلي مسرح الهواة، وكنت إذاك رئيسا لفرقة النجم الوجدي للمسرح، مما عرفني بالمسرحي محمد الدغمي الذي كان وقتها منسقا للفرق المسرحية التابعة للشبيبة الاستقلالية.
والأمر له صلة بالموضوع، قمت بزيارته في مركز حزب الاستقلال وصادف أن كان المهدي بنبركة على موعد مع مناضلي الحزب لإلقاء محاضرة، حسب ما أذكر كان ذلك مساء يوم من أيام يوليو 1958 كانت القاعة غاصة بالحاضرين وأغلبهم شباب، وما أن قدم المهدي لإلقاء محاضرته حتى وقفنا وأغرقنا القاعة بالتصفيق وترديد شعارات كانت متداولة في ذلك الوقت من مثل: عاش الملك، يحى علال، عاش حزب الاستقلال، ولم يعدنا إلى هدوئنا إلا إشارة صدرت من المهدي بعدها شرع في إلقاء محاضرته مستهلا بالبسملة كعادته (حسب ما أذكر، فما من اجتماع كيفما كان حجمه أو طبيعته أو من حديث أو محاضرة إلا وكانت البسلمة هي ما يبدأ به المهدي) لا أتذكر عنوان المحاضرة ولكن ما علق بذاكرتي هو أنها كانت عن الوضعية العامة بالمغرب.إن الحيز لا يسمح باستعراض المحاور التي تضمنتها المحاضرة… وهي مرتجلة فاستثناء البيانات والبلاغات لم يكن المهدي يعتمد في أحاديثه أو عروضه ومحاضراته على ما هو مكتوب، ومع ذلك وكأنه مكتوب أو أتقن.. وحسب ما وقر في ذهني كانت هذه المحاضرة تشخيصا للحالة التي كانت يجتازها المغرب إذاك بدءا بضعف الأداء الحكومي مرورا بوضعية الحزب وصولا إلى ضرورة تشكيل حكومة منسجمة وبموازاة هذا تحدث عن ضرورة إعادة النظر في وضعية الحزب وإخراجه من الأسلوب التقليدي الذي كان معتمدا إبان عهد الكفاح الوطني وذلك بالاعتماد على عنصر الشباب والمتعلمين بصفة خاصة.
ولما انتهت المحاضرة والمناقشة التي أعقبتها تقدم بعض الحاضرين للسلام على المهدي وتهنئته، وكنت من بينهم برفقة الأخ محمد الدغمي الذي قدمني إليه مخبرا إياه بإسمي وبأنني من وجدة وأنني من أعضاء الشبيبة الاستقلالية ورئيس فرقة مسرحية وبسبب وجودي في الرباط، فما كان من المهدي إلا أن ابتسم وربت على كتفي قائلا: »أيها الوجدي لقد آن الأوان لتضيف لنضالك المسرحي نضالا آخر، حيث ستنزل من الخشبة إلى أرض الواقع، إن الشعب في حاجة إلى الاتصال المباشر لخدمته، سيحتاج الحزب إلى نشطين على أرض الواقع، استعد لما هو أهم من الوقوف على الخشبة« وأردت أن أعقب على كلامه لكنه قاطعني قائلا: »أعلم ماذا تريد أن تقول، لهذا أنصحك بالجمع بين العمل في المسرح، والنضال الحزبي« ثم ودعني… استفسرت الأخ محمد الدغمي عن قصد المهدي فأجابني بأن تحولا ما سيحدث في الحزب.. وأضاف ألم تستوعب ما جاء في محاضرته ورده على المناقشين؟ فقلت: لكن ألا يعرف المهدي أن نشاطي في المسرح وفي الشبيبة الاستقلالية هو جزء من النضال الحزبي؟ أجابني: إن المهدي يفهم ذلك، ولكن الحزب يحتاج إلى مساهمة الشباب لأنه قد شاخ يا سي حرفي، أفهمت؟
كان لمحاضرة المهدي تأثير كبير على نفسي لما حوته من أفكار مستجدة وقضايا كانت تشغل الرأي العام ولاسيما الحزب والشباب على الأخص، من جهة، ولطريقة الاقناع التي سلكها المحاضر من جهة أخر، سواء وهو يحاضر أو وهو يجيب على الأسئلة التي لم تكن تخلو من انتقاد أو استفزاز.
كانت المدة التي قضيتها بالعاصمة، ثم بعدها بالبيضاء سواء بين الأوساط الحزبية أو النقابية كافية لأخذ فكرة عما تحبل به المرحلة بشأن مصير الحزب، كان إسم المهدي بنبركة يتردد على ألسنة كثير من المناضلين الذين التقيت بهم، يتحدثون عن اللجنة المكلفة بالتحضير لعقد مؤتمر الحزب، وعن أثر المحاضرة التي ألقاها بتطوان يوم 31 يوليو 1958 أي بعد أسبوع من إلقاء محاضرته بالرباط، فقد صار المناضلون الحزبيون لا يتحدثون إلا عن تحركات المهدي وجولاته في مختلف مناطق المغرب بهدف إجراء اصلاحات هيكلية وعضوية على حزب الاستقلال ومنظماته الموازية.. ولعلها المرة الأولى التي تم التحدث جهارة في اجتماعات الحزب عن »مجتمع متفتح« وعن رفض »مجتمع رجعي جامد،« وهذا ما جاء على لسان المهدي في محاضرته بتطوان إذ أشار إلى أنه »يجب أن نقضي في عهد الاستقلال على روح الانعزال التي فرضها علينا الاستعمار في الماضي، وأن نؤمن بضرورة «بناء »مجتمع متطور تقدمي متفتح»« للتيارات المغذية، لا مجتمع رجعي جامد (1) هذا ولأول مرة تطرح على بساط النظر قضايا لم تكن تثار من لدن الحزب إلا باحتشام رغم أنها من شروط الخروج من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري والتي وأردها المهدي في محاضرته (…).
هذا وقد أتيحت لي فرصة عديدة تمكنت خلالها من الوقوف أكثر وعن قرب، على عبقرية المهدي وذكائه وحنكته ومهارته في قيادة العمل الحزبي، رغم ما انتباه من مصاعب لاسيما في ظرفية اتسمت بالمؤامرات والمناورات ونصب الفخاخ والمكائد، كالتي شهدها المغرب منذ تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال 25 يناير 1959) وتحولها إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (6 شتنبر 1959) إلى 29 أكتوبر يوم اغتياله.
إلى حدود أواخر دجنبر 1958 لم يكن يخطر ببال أحد من المنخرطين في حزب الاستقلال أن الأزمة التي كانت يتخبط فيها سياسيا وتنظيميا ستفضي إلى انقسام رغم فشل لجنة تحضير المؤتمر، إلا أن إسناد رئاسة الحكومة لمولاي عبد الله ابراهيم بلغ بالأزمة إلى مداها، حيث ما أن نصبت حتى تصدى لها الجناح الرجعي بالانتقاد، وبدا واضحا للجناح المؤيد لهذه الحكومة الأمل بإنشاء حزب للدفاع عنها والتصدي لهجومات من نعتوا إذاك بالرجعيين وخصوم التقدم وعملاء الاستعمار…
وفي مطلع عام 1959 ألقي المهدي محاضرة بقصر بلدية مدينة وجدة أثارت ضجة في أوساط حزب الاستقلال لما ورد فيها من إشادة بحكومة مولاي عبد الله ابراهيم ونقد شديد للجهات المعارضة لها، وقد استغل بعض الحاضرين ما ورد في حديث المهدي حول أحداث 16 غشت 1953، إذ أشار إلى أن عددا من المناضلين اعتقلوا، وكان بالإمكان أن تستفيد منهم حركة المقاومة وجيش التحرير، ورغم إشارته بأن يوم 16 غشت يعتبر من الأيام المجيدة التي ستبقى مفخرة من مفاخر وجدة والجهة الشرقية بصفة عامة، إلا أن هذا لم يمنع المغرضين من اعتبار مافاه به المهدي إهانة في حق وطنيي مدينة وجدة، وسيتضح فيما بعد أن رأيه هو ما ذهب إليه باحثون في الموضوع، خاصة وأن هذه المدينة وحدها التي قامت بمظاهرة للاحتجاج ضد تنصيب ابن عرفة على عرش البلاد مكان الملك الشرعي محمد الخامس، علاوة على أنها مبادرة محلية لم تقررها اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.
ومنذ 25 يناير 1959 تاريخ تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 6 شتنبر من نفس العام، أتيحت لي عدة فرص للقاء بالمهدي سواء في إطار الاجتماعات المركزية أو المحلية التي عقدتها الجامعات المتحدة أو الاتحاد الوطني بعدها. ففي هذا الاطار أصبحت لي علاقة شخصية بالمهدي تمكنت بفضلها من الوقوف على ما يتمتع بل يتفرد به من مزايا فكرية وسلوكية، وما يمتاز به من ثاقب رأي وبعد نظر وسرعة بديهة جعلت منذ قائدا يحسب له حسابه لا في وطنه وحسب، بل وفي خارجه أيضا، كان رجل المهمات دون رغبته في أن تسند إليه مهمة، رجل دولة دون تهافته على تبؤ موقع في الدولة. فليكن من شاء أمينا عاما لحزب أو وزيرا أو رئيس حكومة، أما هو فيكفيه أن يشتغل وينظم ويتفقد ويتابع ما اتخذ من قرار، ويذكر من يحتاج إلى تذكير، كثير الحركة والتنقل حتى ليمكن القول: إذا عرف عن الحسن الأول أنه كان لاينزل عن صهوة جواده، فإن المهدي عرف بأنه لاينزل من سيارته إلا للقاء أو اجتماع… كان متحركا ومحركا، متحركا من اجتماع لآخر،ومن منطقة لأخرى ومحركا للمسؤولين في جميع المستويات وكان فاعلا ومفعلا لا يكتفي بالتنظير، بل يجسد النظرية بالممارسة وبقدر ما كان ساهرا على استمرارية ماهو متحرك، أي الجاهز من تنظيمات حزبية وجمعوية كان يعمل على تفعيل ماهو ساكن أي الدفع إلى إنشاء فروع الحزب والجمعيات الموازية في المناطق التي بها فراغ حزبي أو جمعوي. وقد ساعده على ذلك إلمامه الواسع بمناطق البلاد وبعادات أهلها وعقليتهم ومعرفة الشخصيات النافذة المؤثرة فيهم.
وكان رحمه الله مدركا تمام الإدراك وبعد تجربة طويلة في الحقل الحزبي أن أي حزب يعتمد على جماهير عائمة غير مؤطرة مآله التسيب والميوعة ثم الاضمحلال.
وإلى جانت هذه الاهتمامات كان حريصا على توسيع نشاط الحزب والعمل الجمعوي ليغطي كل أرجاء البلاد، وكان علاوة على الاعتماد على مسوؤلي الفروع، كثيرا ما يقوم بزيارات تفقدية إلى فروع الحزب إما بطلب من مسؤوليها أو بمبادرة منه ولا فرق لديه بين القريب منها والنائي. كان هذا ديدنه منذ صار مسؤولا قياديا في حزب الاستقلال وحتى في عهد الحماية. من ذلك ما حدثني به أحد الذين رافقوه في زيارة قام بها إلى بلد فجيج عام 1951، حدثني هذا المرافق رحمه الله وهو الذي ساق السيارة التي استعملها للزيارة، قال: »لما وصلنا إلى فجيج فوجئنا بالمهدي يأمره بالتوجه إلى مقر »المراقب« فاستغربنا وسألناه عن السبب فرد: هذا أحسن من أن يصله الخبر عن طريقة أخرى، وبهذا يصبح وجودنا تحت مسؤؤليته… لم يسعني إلا تنفيذ رغبته، وكانت مفاجأتنا أكثر عندما استقبلنا »المراقب«، ذلك أن المهدي قدم له نفسه كصحفي يريد إنجاز عمل صحفي عن البلدة.. وقد مرت الزيارة كما خطط لها المهدي دون أن يلحقنا أي أذى من المراقب وأعوانه« وهذا ما أكده لي المهدي نفسه بعد انتفاضة 25 يناير 1959 . ولما استفسرته عن جلية ما أقدم عليه ابتسم وقال لقد جربت هذه الطريقة في كثير من المناطق ولم اصب بأذى واقصى ما ووجهت به في بعضها هو منعي من البقاء، هذا بالنسبة للمناطق التي يكون فيها المراقبون من غلاة الاستعمار، أو ليس بها من يحتج على منعنا. أما فجيج فكل سكانها كانوا وطنيين، لهذا خشي المراقب من إثارة غضب اهلها فسمح بالزيارة و مرت بسلام..
ولم يفته أن يسألني عن مرافقه السائق وهل لازال حيا وكيف حاله، فأخبرته بأنه بخير ثم رجاني أن يتصل به عند زيارته لمدينة و جدة، وهذا ما لم يحصل، فعندما زار المهدي مدينة وجدة في إطار الحملة الانتخابية البرلمانية لعام 1963 كان هذا المرافق منتسبا لوزارة الداخلية كشيخ بمقاطعة حضرية. ولهذا وتلافيا لكل إحراج او إلحاق أذى به، عدل عن ترتيب الاتصال بينهما.
كان الشغل الشاغل للمهدي والذي ظل مهووسا به، هو عنصر التنظيم في العمل الحزبي، هذا ما لمسته ولاحظته عن قرب خاصة بعد انتفاضة 25 يناير 1959. فمنذ هذا التاريخ لم يعرف المناضلون المهدويون أو الانفصاليون كما كان ينعتهم الاستقلاليون لذة الراحة، فعلاوة على أنشطة فروعهم كان عليهم ان يحضروا الاجتماعات الدورية على الصعيد الوطني وما اكثرها، وحسب ما أذكر كانت تعقد مرة كل شهر لا سيما في المرحلة الاولى للتأسيس، هذا اضافة الى اللقاءات المحلية التي كان يحضرها اعضاء من الكتابة العامة الوطنية للاتحاد والتي غالبا ما يكون على رأسهم المهدي بنبركة.
زار المهدي مدينة وجدة عدة مرات، إما في نطاق اجتماعات مبرمجة للاطر، و إما للاشراف على مهرجانات شعبية عامة، ومنها المهرجان الذي أقيم بسينما فوكس مباشرة بعد تأسيس فرع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بوجدة، واذ أخص هذا المهرجان بالذكر، فلأن الخطاب الذي ألقاه المهدي، وكذا إجاباته على ما طرح عليه من اسئلة كانت في أغلبها محرجة، ترك أثرا بليغا في نفوس الحاضرين بما تضمنه الخطاب من قضايا ذات الصلة باهتمامات المواطنين آنذاك، وما احتوته الأجوبة من ردود مقنعة وصريحة، وأيضا بطريقته المشوقة، وقدرته على الإقناع والتفنيد والافحام، و مما لازلت أتذكره في هذا السياق، وهو يتناول في حديثه بعض الاتهامات التي كان يروجها خصوم الاتحاد بما معناه… ان خصومنا يتهموننا بأننا نتوفر على السلاح، وهذه ليست إشاعة بل إنها حقيقة، لأننا فعلا نتوفر على السلاح من كل الانواع، وبهذا السلاح سندافع عن أنفسنا وبه سننتصر في معركتنا ضد خصومنا.. وليكن في علم هؤلاء الخصوم انهم مهما حاولوا أو فتشوا أو عذبوا لن يفلحوا في العثور عليه، لأنه سلاح حاربنا به الاستعمار ولازلنا نحتفظ به لحد اليوم.
وكان وهو يتناول هذا الجانب يتكلم وبحماس وانفعال حتى ذهبت ببعض الحاضرين الظنون بشأن السلاح المتحدث عنه، ولم يتخلصوا من هذه الظنون الا بعد أن قال: أتعرفون ماهو هذا السلاح؟ ويجيب: إنه انتم أيها الحاضرون، وانه إيمانكم وصمودكم وتضحيتكم.. وما إن فاه بهذه العبارة حتى اهتزت القاعة بالتصفيق والهتاف.. ومما لازلت اذكره أيضا، إجابته على سؤال يتعلق بموقف الاتحاد من الملكية، فقد جاء فيها لقد كافحنا في وقت الاستعمار الى جانب الملك محمد الخامس من أجل الاستقلال، وكافحنا بعد نفيه من أجل إرجاعه من منفاه، وتعاونا معه لاستعادة حريتنا ثم على بناء البلاد ونهضتها، اما اليوم، فان موقفنا ليس من الملكية بحد ذاتها، و إنما من السياسة المتبعة، وها أنتم تلاحظون أننا حاليا نؤيد حكومة الاخ عبد الله ابراهيم، لأنها تطبق كثيرا مما نطمح اليه. وعلى العموم، فإن موقفنا سيكون مؤيدا لكل حكومة شعبية تتبنى برنامجا يحقق للبلاد التقدم والازدهار، وتقوم علي مبادئ العدالة الاجتماعية.
وعن سؤال حول الموقف من الاسلام أجاب، ان الاسلام يهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية ونحن أيضا نتبنى هذا الهدف. كان المهدي هو المرجع الذي يلجأ اليه كل من يريد التأكد من هوية التنظيم السياسي الجديد، وسواء في التجمعات العمومية أو في الندوات الصحفية فإن ما يشفي الغليل هو ما يصدر عنه من أجوبة او تصريحات، خاصة عندما كان مولاي عبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد لايزالان مسؤولين في الحكومة من دجنبر 1958 الى ماي 1960 وحتى بالنسبة للمناضلين الاتحاديين، فان المهدي هو الذي كان يلجأ اليه خاصة في المسائل التنظيمية، وفي حل المشاكل التي كانت تطرأ احيانا وهي من طبيعة العمل الحزبي، اذ كثيرا ما يتنقل من الرباط الى منطقة ما، مهما كان بعدها ليحل ما كان يحدث بها من منازعات او خلافات بين الاعضاء المسؤولين في مكاتب الاقاليم او الفروع.
كانت للمهدي وقفات تنم عما يتميز به من ذكاء ونباهة وقدرة على الاقناع، وهي مواصفات قلما اجتمعت في زعيم من زعماء العالم الثالث، والتي بدونها لم يكن ليتوفق في استقطاب عناصر من مختلف الاعمار والتوجهات والخلفيات والقطاعات للانضمام الى انتفاضة 25 يناير 1959 وبعدها للالتفاف حول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والا فمن بمقدوره الجمع بين قادة من أحزاب كانوا من قبل متنافرين لحد العداء من امثال عبد الهادي بوطالب واحمد بنسودة من حزب الشورى والاستقلال وعبد الله الصنهاجي من الحركة الشعبية، والمحجوب بن الصديق ومحمد البصري من الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، ومن كان باستطاعته أن يوفق بين عناصر من مختلف القناعات التي انضوى ذووها في الاتحاد؟ اذ فيه التقى الوطنيون التقليديون بالشبان الدارسين في الشرق من ذوي الميول الناصرية أو البعثية، وهؤلاء جميعا بالمتخرجين من الكليات الغربية المتأثرين بثقافات منها ما هو فرنكفوني و منها ماهو انجلوفوني او اسباني؟
ثم من له القدرة على خلق اطار التأمت فيه عناصر من مختلف الايديولوجيات؟ الم يتواجد في الاتحاد أشخاص ذوو توجهات اسلامية بآخرين ذوي نزوع ليبيرالي، أو اشتراكي، أو شيوعي؟ الم ينضم اليه افراد تقدميون وآخرون يمينيون؟ وهل خلا الاتحاد في بداية تأسيسه من اشخاص ينتمون الى فئات اجتماعية مختلفة فيها فئة الاثرياء ومتوسطي الحال والكادحين ضحايا الفقر المذقع، دون إغفال احتواء الاتحاد على صنفين من المنتمين، أحدهما اعتاد ممارسة النشاط الحزبي بأسلوبه القديم، والآخر يريد التخلص من هذا الأسلوب، ودعنا مما احتواه من عناصر معتدلة تفضل العمل السياسي السلمي لمواجهة النظام ، يقابلها افراد من قدماء المقاومين والثوريين ممن تكونت لديهم قناعة بسبب تعنت الحكم الفردي ألا سبيل الى اخراج البلاد من وضعها المتردي إلا بالعمل المسلح. وكل هذه معطيات إن أضفنا اليها ما كانت تحيكه الدولة ضد الاتحاد كما اعترف بذلك احمد البخاري في مذكراته، تسببت في مرور الحزب بأزمات كان من شأنها ان تتسبب في وقوع انقسامات لا يستفيد منها الا النظام لولا حنكة المهدي ويقظته.
ومن المعروف عن المهدي انه كان يراهن على دعم العمل الحزبي بالعمل الجمعوي كما سبقت الاشارة اليه اعلاه، وانه كان يعمل على استقطاب الشخصيات الوازنة لا سيما ذات المواقع النافذة في اجهزة الدولة، واذكر في هذا الصدد ان هؤلاء المستقطبين كانوا اصنافا، صنف يحتفظ باسمائهم لنفسه، وصنف لا يطلع عليهم الا ذوو مسؤوليات حزبية مركزية أو محليين، وصنف كان يدفعهم الى تحمل مسؤوليات في الاجهزة الحزبية او يكلفون بإنجاز مهام داخل اللجان التقنية للحزب، وهناك صنف كان يكتفي بتكليفهم بدراسات، كل في مجالات تخصصه.
وبالاضافة الى المواصفات السالفة، كان المهدي ذا قدرة فائقة علي البت والحسم، خاصة في المواقف الحرجة، أذكر من ذلك نموذجين في مناسبتين حضرتهما بنفسي. ففي عام 1959 انعقد المجلس الوطني الاستشاري وكان من بين القضايا المطروحة البت في مسألة تأميم استيراد السكر والشاي، و كانت أغلبية هذا المجلس تعارض التأميم، فما كان من المهدي وفريقه الا ان اقترح ان يكون التصويت على المشروع علنا حتى ينكشف الرأي العام من هم ضد أو مع التأميم. وأمام هذا الحرج حاز المشروع على الاغلبية.
وفي عام 1963 عقدت اللجنة المركزية للاتحاد اجتماعا خصص للتداول بشأن الانتخابات التشريعية الاولى في المغرب، فكما هو معروف فان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قاطع الاستفتاء على أول مشروع للدستور الذي جرى في شهر دجنبر عام 1962 باعتباره دستورا ممنوحا يكرس الحكم الفردي ويفرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي. وكان من الطبيعي ان يكون موقف الاتحاد من الانتخابات التشريعية هو نفس موقفه من الاستفتاء على الدستور خاصة وانه الموقف الذي اقتنع به اغلب المناضلين ان لم يكونوا كلهم، وهو الذي كان المتتبعون يتوقعونه، بل وان الحكم كان يخشاه لعلمه ان عدم مشاركة الاتحاد، وهو اقوى معارضة في البلاد، سيفضح النظام امام المحافل الدولية علاوة على ما سينجم عنه من انعكاسات سلبية في الداخل.
لازلت اذكر في هذا السياق ان عبد الرحيم بوعبيد، هو الذي افتتح الاجتماع، وانه قام بعرض تحدث فيه عن الوضعية السياسية بعد الاستفتاء، معرجا على ما اتخذ من قرارات في المجلس الوطني المنعقد مباشرة بعد نتائج الاستفتاء على مشروع الدستور ومذكرا بما ينبغي القيام به من جهد في سبيل احباط مناورات الخصوم الذين سيبذلون قصارى جهودهم لاقصاء الاتحاد من الساحة، وسيعملون بدون هوادة لإخراجه من المنافسة ليتأتى لهم الاستحواذ على مجلس نواب لتمرير قرارات ومشاريع لا يستفيد منها الا خصوم الجماهير الشعبية، دون ان يجدوا معارضة داخل قبة البرلمان كما تطرق فيه للوضع في البلاد خاصة بعد إقرار الدستور.
وما طرأ من متغيرات كلها تصب في اتجاه تثبيت دعائم الحكم الفردي، والدفع بالمغرب الى تكريس عوامل التخلف وخدمة المصالح الاجنبية، ثم حذر من ترك البرلمان لهيمنة أحزاب الادارة، ليخلص الى قرار الكتابة العامة القاضي بالمشاركة من أجل اتخاذ البرلمان منبرا من خلاله يمكن فضح سياسة النظام اللاشعبية. ودون التطرق لما حدث في الاجتماع عقب انتهاء عبد الرحيم من عرضه الذي خلص فيه الى اقتراح الكتابة العامة القاضي بالمشاركة.. اكتفى بالاشارة الى أن الاقتراح اثار نقاشا حادا كاد يعصف بالاجتماع لولا تدخل المهدي الذي تناول الكلمة ليوضح بعض النقط التي وردت في عرض بوعبيد بطريقة أكثر دقة وجرأة، مبرزا ما اعتبره آراء صادرة عن عدم استيعاب طبيعة المرحلة وعدم تمثل خلفيات وأبعاد قرار الكتابة العامة التي عمد الى إبرازها باسلوب جعل كل من في القاعة، وكأن على رؤوسهم الطير، وبذكائه، وفطنته وقدرته على الإقناع، وقبل هذا وذاك ثقة المناضلين في وجاهة رأيه، استطاع ان يعيد للقاعة هدوءها فيسأل هل من متدخل؟ الا ان الحاضرين اكتفوا بتبادل النظرات.. وبعد ذلك أعلن عن اختتام الجلسة طالبا من كتاب الاقاليم موافاته في مكتبه ليستلموا الوثائق.. ومباشرة بعد هذا الاجتماع صدر عن الكتابة العامة بلاغ من أشد البلاغات حدة، وأدقها وضوحا لموقف الاتحاد من النظام.
و جرت الحملة الانتخابية واعلنت النتائج كما أرادها الحكم، وبعدها غادر المهدي وطنه ثم صدرت في حقه أحكام عدة بالاعدام ويغيب عنه ليبقى في ذاكرة الشعب المغربي قائدا مخلدا، وفي اعتبار علم السياسة رجل دولة وان لم يتقلد مناصب حكومية رسمية.
وبعكس ما كان يشاع عن المهدي من شدة وقسوة، كان لبقا ولكن في غير ضعف، وذا لياقة ولكن من دون نفاق، ومتجاوزا ولكن من دون بلوغ المتجاوز عنه حد التسيب. والى جانب هذه الصفات كان يحترم الوطنيين الذين شاطرهم الوطنية إبان الحماية وان اقتضت الظروف بعدها ان يصبحوا من خصومه، ولا سيما رموز الوطنية كعلال الفاسي وعبد العزيز بن ادريس، الذين اكتفى بذكرهما لأنهما معنيان بما سأستشهد به في الموضوع.
في استجواب أجراه معه احد الصحفيين بمقر الكتابة العامة للجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، وكنت حاضرا بالصدفة عقب انتهاء اجتماع لكتاب الاقاليم، كان المقر لازال بشارع محمد الخامس فوق مقهى فرنسا بالبيضاء. ومن جملة الاسئلة التي اذكرها سؤال عن موقف علال الفاسي من انتفاضة 25 يناير، والذي أجاب عليه بقولة السي علال الفاسي استاذنا وزعيم الحركة الوطنية لكن له الاحترام والتقدير، ولازال لم يتخذ موقفا، وكل ما اتمناه هو ان يلتحق بنا وسنكون سعداء بذلك. وفي اجتماع آخر تلفظ أحد الحاضرين بأوصاف غير لائقة في حق علال الفاسي، فما كان من المهدي الا ان وقف وضرب الطاولة بقبضة يده وصرخ حسن ألفاظك فلسنا في السوق، فنحن إن اختلفنا مع علال أو غيره لا يليق بنا نعتهم بألفاظ سوقية ولم يهدئ من حدة غضبه الا تدخل محمد البصري الذي عقب على الواقعة بعبارات أكدت ما جاء على لسان المهدي، وفي نفس الوقت خففت من انزعاج المتدخل.
أما فيما يتعلق بعبد العزيز بن ادريس فأذكر انني حضرت اجتماعا لكتاب الاقاليم، وخلاله دخل أحد الاشخاص الى قاعة الاجتماع و همس في اذن المهدي بما لم نعرف فحواه إلا بعد ان وقف وعلى وجهه علامة تأثر، وأخبرنا أن عبد العزيز بن ادريس قد قتل في تحناوت وطلب منا الوقوف دقيقة صمت، ثم عبر عن أسفه لما وقع وكما تمنى ان تكون مجرد حادثة طارئة غير مقصودة.
30 اكتوبر 2013 يتيع



نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.