آخر الأخبار :

رسالة الشيخ الأكبر محى الدين بن عربى، إلى فخر الدين الرازى

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله وسلام على عباده الذين إصطفى وعلى ولي في الله تعالى فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي أعلى الله همته وأفاض رحمته وبركاته أما بعد فأحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احب أحدكم أخاه فليعلمه إياه وأنا احبك ويقول الله تعالى وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وقد وقفت على بعض تآليفك وما رزقك الله من القوة المتخيلة وما تتخيله من الفكر الجيد ومتى ما تغذت النفس كسب يدها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب وتكون ممن أكل من تحت رجله والرجل من أكل من فوقه كما قال تعالى ولو انهم اقاموا التوراة والإنجيل وما انزل أليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم وليعلم ولي الله وفقه الله تعالى ان الوراثة الكاملة هي التي تكون من جميع الوجوه لا من بعضها والعلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثاً من جميع الوجوه ولا يكون ناقص الهمة وقد علم ولى الله وفقه الله تعالى ان حسن اللطيفة الإنسانية إنما تكون بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضدد ذلك وينبغي للعالى الهمة ان لا يقطع ( )في معرفة المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه وينبغي له أيضاً أن يسرح نفسه من سلطان فكره فإن الفكر يعلم مأخذه والحق المطلوب ليس ذلك وأن العلم بالله سبحانه وتعالى خلاف العلم بوجود الله تعالى سبحانه فالعقول تعرف الله تعالى من حيث كونه موجوداً أو من حيث السلب لا من حيث الإثبات وهذا خلاف لجماعة من العقلاء والمتكلمين إلا سيدنا أبا حامد فإنه معنا في هذه القضية ويجل الله سبحانه وتعالى أن يعرفه العقل بفكره ونظره فينبغي للعاقل أن يخلي عن الفكر إذا أراد معرفة الله تعالى من حيث المشاهدة وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقنه عند هذا من عالم الخيال وهي الأنوار المتحدة الدالة على معان ورائها فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والقرآن في صورة الحبل والدين في صورة القيد وينبغي أن لا يكون معلمه مؤنثاً فيتعلق بالآخذ من النفس الكلية كما لا ينبغي له أن يتعلق بالأخذ من فقير أصلاً وكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير وهذا حال كل ما سوى الله تعالى فارفع الهمة في أن لا تأخذ علماً إلا منه سبحانه على الكشف فعند المحققين ان لا فاعل إلا الله تعالى فإن لا يأخذون إلا من الله تعالى لكن عقداً لا كشفاً وما فاز أهل الهمة إلا بالوصول إلى عين اليقين نفسه مع البقاء مع علم اليقين واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم فإن الأمر أعظم أن يقف فيه الفكر فما دام الفكر متوجهاً فمن المحال أن يطمأن العقل ويسكن وللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبها الله تعالى فإذا للعقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقى مأسوراً في قيد نظره وكسبه فإنه على شبهة في ذلك ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك وممن له فيك نية حسنة جميلة أنه رآك وأنت تبكي فسألك هو ومن حضرك عن بكائك فقلت مسألة إعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي فبكيت وقلت لعل هذا الذي لاح أيضا يكون مثل الأول فهذا قولك ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح ولا سياما في معرفة الله تعالى إذ من المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر فما بالك يا أخي تبقى في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضات والمجهادات والخلوات التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنال مانال ( )سبحانه وتعالى عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة وليعلم ولي الله وفقه الله تعالى أن كل موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله فإن له وجهين وجه ينظر إلى سببه وبه ينظر إلى موجده وهو الله سبحانه وتعالى فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم والحكماء من الفلاسفة وأهلهم إلا المحققين من أهل الله تعالى كالأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم سلامه والملائكة عليهم السلام فإنه مع معرفتهم السبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم ومنهم من نظر إلى ربه من وجه سببه لا من وجهه فقال حدثني قلبي عن ربي وقال الآخر وهو الكامل حدثني ربي وإليه أشار صاحبنا العارف بقوله أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت ومن كان وجوده مستفاداً من غيره فحكمه عندنا حكم لا شئ فليس العارف معول على غير الله سبحانه وتعالى البتة ثم ليعلم ولي الله أن الحق وإن كان واحداً وأن له إلينا وجوهاً كثيراً مختلفة فاحذر عند الموارد الإلهية وتجلياتها من هذا الفصل فليس للحق من كونه رباً عندك حكمه كحكمه من كونه مهيمناً ولا حكمه من كونه رحيماً حكمه من كونه منتقماً وكذلك جميع الأسماء واعلم أن الوجه الإلهي الذي هو اسم الله بجميع الأسماء مثل الرب والقدير والشكور وجميعها كالذات الجامعة لما فيها من الصفات فإسم الله مستغرق جميع الأسماء فتحفظ عند المشاهدة( )لا تشاهده مطلقاً فإذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة وانظر أي إسم من الأسماء الإلهية ينظر إليها فذلك الإسم هو الذي يخاطبك وشهادته وهو المعبر عنه بالتحول في الصور كالغريق إذا قال يا الله فمعناه يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ وصاحب الألم إذا قال يا الله فمعناه يا شافي أو يا معافي وما أشبه ذلك وقولي التحول في الصورة ما ذكره مسلم في صحيحه أن الباري سبحانه يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيقرون بعد الإنكار وهذا هو معنى المشاهدة هنا والمناجاة والمخاطبات الربانية وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما تكمل به ذاته فينتقل معه حيث إنتقل وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى من حيث الوهب والمشاهدة فإن علمك بالطب مثلاً فإنما يحتاج إليه في عالم الأسقام والأمراض فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه مرض ولا سقم من تداوي لذلك العالم فالعاقل لا يسعى فيه من حيث أن لا يكون لخيره وأن( )من طريق الوهب كطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يقف معه وليطلب العلم بالله وكذلك العلم بالهندسة إنما تحتاج إليه في عالم المساحة فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساجدة ليس عندها شئ وكذلك الإشتغال بكل علم تتركه النفس عند الإنتقال إلى الآخرة فينغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست الحاجة الضرورية إليه وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث إنتقل وليس ذلك إلا علمين خاصة العلم بالله والعلم بمواطن الآخرة وما يقتضيه ( ) حتى يمشي فيها كمشيه في منزله فلا ينكر شيئاً أصلاً فإنه من أهل العرفان لا من أهل النكران وتلك المواطن مواطن التمييز لا مواطن الإمتزاج التي تعطي الغلط ويخلص في هذا المقام أنه يتميز من حزب بالطائفة التي قالت ( )ربها تعوذ بالله منك ولست ربنا حتى تأتينا فما جائهم في الصورة( ) فينبغي للعاقل الكشف من هذين بطريق الرياضة والمجاهدة والخلوة على الطريقة المشروطة وكنت اريد أن أذكر الخلوة وشروطها وما تجلي فيها على الترتيب شيئاً بعد شئ ولكن منع من ذلك الوقت وأعني بالوقت علماء السوء الذي أن أنكروا ما جهلوا وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الإذعام للحق والتسليم إن لم يكن الإيمان به وهذا تمام الرسالة والحمد لله وحده وصلى علي سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً تمت هذه الرسالة المباركة على يد المذنب المقصر الراجي عفو ربه عارف بن المرحوم خالد الحمصي ختم الله له بالحسنى وفتح الله عليهم وعلى من دعى له بخير وسلام على كل عبد مصطفى من العالمين والحمد لله رب العالمين وكان الفراغ من نسخها يوم الإثنين الواقع في ثلاثة عشر من جمادى الأول سنة اثنين وعشرين وثلثماية وألف من هجرة من حاز العز والشرف صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا والحمد لله رب العالمين ..




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.