آخر الأخبار :

"حامي الدين " ومحاولة لإعادة تمثيل الجريمة

fb_img_1545526168649.jpg

لا يمكن تناول  قضية اغتيال  الشهيد الجيد بنعيسى ، من دون الرجوع الى كل الظروف والملابسات التي أحاطت بالجريمة فــــي حينها ـ أي الى ثمانينات و تسعينات القرن الماضي ــ.
لان القراءة خارج تلك الظروف ، هي ما تجعلنا نختلف ونتصادم كثيرا .
ف  #الحقيقة    يصعب الوصول إليها  من دون  إعادة تمثيل الجريمة . والعودة ـ عبر  فلاش باك ـ الى يوم الاثنين  الأسود 01 مارس 1993  الذي سقط فيه الشهيد بنعيسى ، والى ما قبله .
و " حامي الدين" ، المتهم بالقتل العمد في قضية اغتيال الشهيد .  يجب أن ننظر اليه كشاب متحمس لدين الرحمان وكطالب مندفع للجهاد ضد الكفرة .
أن نستعيد صورته القديمة ، كشاب يلبس اللباس الأفغاني " الشرعي " ، أي موضة المتأسلمين الجدد في ذلك الوقت . ولا ننظر إليه كما هو اليوم ، ببذلة كاملة فيها نسق وبربطة عنق وحــــذاء ووجه ملمعين  .
فمع مطلع ثمانينات القرن الماضي استنفرت #السعودية  شباب العالم الإسلامي، للجهاد ومحاربة الملحدين أينما كانوا . ومولت المجاهدين في افغانستان  . و اطلقت العنان لجمع التبرعات ودعم واستقطاب الشباب لهذه المعركة " المقدسة " . التي كانت في  جوهرها ؛ داعمة  للإمبريالية  ضد المعسكر الاشتراكي . وفي مظهرها ؛ بداية غــزو لبلاد الكفر والالحاد " الاتحاد السوفياتي " ودفاعا عن الله ونصرة لديننا الحنيف . و زرعت #الوهابية   الوهم بقرب استعادة أمجاد المسلمين في الأندلس. وشرَّعت القتال والجهاد  من أجل أن يسود  ــ في كل بقاع العالم ــ دين الحق الوحيـــد  الذي هو " الإسلام "  .
        في هكذا أجواء نشطت بقوة حركات #الإسلام_السياسي  في المغرب وفي كل مكان .  و لبى نداء الجهاد في سبيل الله ، كل الذين أتيحت لهم  فرصة الالتحاق ب"المسلمين الأفغان " . ضد معاقل #الاتحاد_السوفياتي  أو " إمبراطورية الشر '' كما كان يصفه رئيس أمريكا آنذاك  "  رونالد ريغان "   ، و ضد معقل الملحدين  الكفرة المجرمين، كما كان يدعوه    الشيخ  المحرض والمستنفر لهمم المتأسلمين ونجم تلك  المرحلة ؛  " عبدالله عزام " ،  كل ذلك تحت عنوان واحد ، سمي عبثا وتمويها ، ب " الجهاد الأفغاني " .
       وبالموازاة لهذا كانت تنظيمات الإسلام السياسي تتحرك في المغرب عبر المساجد وكل وسائل إعلامها . وتدعوا إلى  دك حصون اليسار الملحد  ، أينما وُجـــدت .
     ونعود هنا الى رسالــــــة 17 مارس 1986 للطرطور " بنكيران '' ، أو كما كان يسمي نفسه ''  الخادم المطيع و الداعي بالصلاح و التوفيق " لوزير الداخلية سيء الذكر" إدريس البصري ". حيث من بين ما جاء فيها  : '"' يسرني أن أرفع إلى جنابكم هذه الرسالة التوضيحية حول جمعية الجماعة الإسلامية وظروف نشأتها وواقعها الحالي وما نرجو اللّه أن ينعم به علينا من خير على يدكـــــم واللّه المستعان..... لقد تصدى الشباب المسلم الملتزم في جمعية الجماعة الإسلامية للشباب اليســــاري في الثانويـــــات والجامعــــــــات ورجعت الثقة بالنفس إلى الشباب المتدين..... قد انتسبتُ إلى الشبيبة الإسلامية سنة 1976 ووجدت أعضاءها والحق يقال على حسن التزام بالإسلام واقتناع بأنه ليس دين المسجد فقط بل يشمل كل مواقف الحياة، وكذا وجوب توقيف مد الإلحاد المؤدي إلى الفساد وخصوصا في صفـــوف الطلبــــــــــــــــة...""
     إذن هي ذي  بعض الملامح و الشروط  الموضوعية التي انتجت " حامي الدين " وإخوانه  المتهمين بالقتل العمد . هذا من دون إغفال المساهمة الكبرى للوضع " الجهادي " المتقدم ل "الجبهة الإسلامية للإنقـــاذ " بالجارة الجزائر ضد " جبهة التحرير الوطني ".  
          فإذا كان رأس اليسار في العالم هو من يستفز العقل الساكن ويقلقه بالأسئلة و يدعوه للمنطق  والتمرد ...فهؤلاء " المجاهدين البررة "  يرون في كل هذا  إلحادا  وزندقة وخروج عن  الملة والطاعة .وكان لا بد من قطع هذا الرأس لقتل أفعى الاشتراكية كلها .
لهذا وضعت  حركة الإســلام السياسي رأس المثقف و المنظر  والمفكر  اليساري هدفا  لها  . فكان  اغتيال المفكر #فرج_فودة   في مصر، و المسرحي #عبدالقادر_علولة بالجزائر . و بلبنان  نذكر شيخ الشهداء ، المفكر والباحث في التراث العربي الاسلامي الدكتور  #حسين_مروة الذي استشهد في اليوم الاسود  17  فبراير 1987 ، عندما اقتحم القتلة منزله و هو ممدد على سرير المرض . لم يشفع له سنه المتقدم وهو شيخ في الواحد والثمانين من عمره . أنهضوه عن سرير المرض وهو منهك  .فوضعوا فوهة مسدس كاتم للصوت في رأسه و اطلقوا رصاص الغدر و الجريمة والجبن عليه ... فتفجر دماغ حسين مروة . متوهمين أن الافكار ستباد بهذه الطريقة .وان كاتم الصوت هو من يضع حدا لبقع الضوء ولكل عقل متنور
.  تبعه مباشرة استشهاد  الفيلسوف والمفكر والمثقف الثوري  #مهدي_عامل يوم الاثنين  18 ماي 1987 .الى غير ذلك من الاغتيالات .
       فإذا كانت حركات الإسلام السياسي قد تقـــوَّت . ووجدت في تربة المجتمع المغربي خصوبة لتطلق جذورها فيها  .فإن الجامعة المغربية كانت لا تزال قلع محصنة تسود فيها المنظمة الطلابية  #الاتحاد_الوطني_لطلبة_المغرب . المشتملة على خمس فصائل طلابية . وهي '' الممثل الشرعي والوحيد'' للطلبـــة.
       وبالحجم الذي تغلغلت فيه  حركات الإسلام السياسي في الشارع المغربي . وغزت بفكرها  المساجد والمدارس  والنقابات والمجالات الثقافية ...سيكون طبيعي جدا أن تفكر في غـــــزو الجامعة  و إيجاد موطئ  قدم  لها داخل  #أوطم . و هي قبل أن تفعل ذلك كان لا بد من  شن  حرب نفسية لرفع معنويات " المجاهدين " وكسب تعاطف العامة من الناس . وذلك عبر  شيطنة منظمة " الاتحاد الوطني لطلبة المغرب " التي  كانت تسميها  "الاتحاد الوثنـــــي لطلبة المغرب" . ورفع شعار : " خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود ". ...وكان  الجديد في   حملات العنف  والزحف نحو " أوطم " التي نظمها نشطاء " الإسلام السياسي" ، أنها  كانت مباركة ومدعمة   من فئات مجتمعية مختلفة ، من غيـــــر الطلبة :  من  فقيه وعالِمِ دين إلى البائع المتجول وحتى المدمن على السكر...
          ورغم كل هذه الحرب  صمدت الجامعة في وجه هذه الحملات المتكررة . بفعل صمود وجلد  الطلبة القاعديين . هذا الفصيل الذي ذاق ولا يزال يذوق الأمرين . هذا الفصيل الذي قدم تضحيات جسام لا مجال لذكرها هنا . هذا الفصيل الذي قدم شهداء وآلاف المعتقلين في سبيل نصرة قضايا الشعب العادلة ....
  فرغم القمع المكثف والمحاكمات الصورية التي طالت أغلب  الطلبة القاعديين  ، نهاية الثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي . بقيت الجامعة محصنة . وصَعُبَ  على طلبة الإسلام السياسي دك أسوار أوطم . فما كان على " تجار الدين "إلا أن يستغلوا " القرآن الكريم والمساجد " كوقود لحربهم هاته .
   حيث من فوق بعض منابر الجمعة  كان  بعض الخطباء  يتباكون   ليحشدوا الدعم لجمعيات الإسلام السياسي . ويقومون  بتجييش وتأليب الرأي العام ضد فصيل #الطلبة_القاعديين  وضد الطلبة عموما ....
ومن جملة ما كانوا يرددونه  : " القاعديون ملحدون  ، أحرقوا القران الكريم ، ويستعملون أوراقه وآياته  الكريمة  كورق صحي في المراحيض ، ويأكلون رمضان علانية  ، ويحرقون المصحف ،ويمنعون الصلاة والعبادة ، ويمارسون المشاعة الجنسية البدائية ....." . 
   وكانوا يختمون الخطب  بالبكاء ، وتبرأة الذمة ، وتحميل مسؤولية الجهاد للجميع  :  "  عجبا ، كيف لا تهتز عروشنا ، وهي ترى وتسمع عن  ديننا الحنيف  كيف  يهان في الجامعة من طرف الزنادقة ... انهم في منظمتهم الوثنية يريدون إطفاء نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره . فهل مت يا أمة الإسلام ... '' ووووو
      بمثل هذا الخطاب : لم تعد الجامعة ومشاكلها فقط شأنا طلابيا . بل عادت شأنا  عاما يهم كل المسلمين الغيورين على الدين الحنيف . وهذا ساعد كثيرا جماعات الإسلام السياسي 
    على اقتحام المنظمة الطلابية " أوطم "  . حيث  استعانت في ذلك بالمجاهدين  من كل الفئات المجتمعية  الأخرى. من الجزار والخضار والمعطل و بائعي البخور والاعشاب ....
وكانت تفتح  ــ تحت  أعين السلطات القمعية ــ اكتتابات و تبرعات مالية وعينية للمجاهدين ضد الطلبة القاعديين .
    وقامت بغزوات كثيييييرة  لا حصر لها . نذكر منها ــ باختصار شديد ــ غزوة جامعة محمد الاول بوجدة  بتاريخ 31 أكتوبر 1991 .لما اختُطف     #الشهيد_المعطي_بوملي ﻣﻦ  ﻗﺎﻋﺔ  ﺍﻷﺷﻐﺎﻝ  ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ TP  وقطعت أوصاله  بشكل خاشقجي ..ورميت أطرافه ورأسه  بشكل موزع  في عدة دروب وأزقة بحي القدس بمدينة وجدة ..
       ثم غزوة جامعة ظهر المهراز بفاس بتاريخ 25 فبراير 1993 . حيث أوقفت ملشيات   حركة الاصلاح والتوحيد ـــــ المتهم بقيادتها '' حامي الدين " ـــــــ  سيارة أجرة كانت تقل طالبن قاعديين . فانهالوا عليهما بالضرب إلى أن فقد الشهيد آيت الجيد بنعيسى ــــ  الذي كان واحد من هذين الطالبين ــــ  روحه . وعُبِث أيضا بجثته .
     هكذا اتمنى ان أكون قد قربت الصورة  من التركيب حول المناخ الذي  ترعرع فيه " حامي الدين " الطالب البارز في صفوف حركة الاسلام السياسي " الاصلاح والتوحيد  ".
و هكذا في رأيي يجب ان ننظر اليه . لنتقرب من مسرح الجريمة .  والعكس  إذا نظرنا إليه بعيون الحاضر،  كقيادي في حزب و كبرلماني  و " زميل " في جمعية قيل عنها " حقوقية " فذاك  لن يوصلنا الى نتيجة .

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.