الخبر:رأي في الجدال العنيف بين دعاة الدارجة واللغة العربية
(الأقسام: فكر و ادب)
أرسلت بواسطة موقع ينايري
الأحد 09 سبتمبر 2018 - 10:46:26


تعيش مواقع التواصل الاجتماعي على وقع جدال عنيف بين دعاة الدارجة واللغة العربية، بعد دخول مفردات اللغة العامية إلى الكتب المدرسية. والجدال أكبر من مسألة البرغير والملاوي. فهذه الأسماء لا تنتمي في الواقع إلى اللهجة العامية ولا إلى اللغة العربية؛ فهي أسماء تدخل في خانة أسماء من قبيل "بوشتى" و"لحكيم" و"خاليد"، فهي من قبيل أسماء العلم التي تُكتَبُ كما تُنطَق، ولا يُعقل أن نقول إنَّ رسمها خاطئ لأنها ليست من قبيل الأسماء العامة ولا من الصفات، فهي تقع خارج اللعة ولا تنتمي إلى البنية اللغوية، سواء بنية العربية أو الدارجة. من هذه الزاوية لا معنى لأن نقول إن مفردات اللغة الدارجة قد انتقلت إلى اللغة العربية، لأنها ليست لا عربية ولا دارجة، بل هي أسماء أعلام تستعمل كما هي في كل الأنساق اللغوية. 
أنا في الحقيقة لم أطلع على الكتب المدرسية لأنني موجود خارج المغرب، ولا أدري هل اقتصر إقحام الأسماء الأعلام التي ترمز إلى أصناف الطعام والشراب كمقدمة لإقحام الأسماء الدارجة نفسها في معجم العربية الخاص بالأطفال، وهل كل هذا مقدمة لاندلاع حرب لغوية بين أرباب العربية والمدافعين غن الدارجة. يوجد وهم كبير يفترض وجود حرب حضارية بين أهل التقليد الذين يدافعون عن العربية ودعاة التحديث الذين يسعون إلى ترسيم الدارجة في المناهج اللغوية. والحديث عن التحديث يقودنا هنا إلى الربط بين التحديث واقتباس الحداثة اللغوية هذه المرة. وتعني الحداثة اللغوية الارتقاء بالتداول اليومي باللغة العامية إلى مستوى اللغة العالمة؛ ويعتبر دعاة الدارجة أن العالم العربي يعيش اليوم في مرحلة نهاية العصور الوسطى قبل انبثاق الحداثة الأوروبية حينما كانت الدوارج (الإسبانية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية) مقتصرة على التداول اليومي، بينما ظلت اللاتينية هي اللغة العالمة التي كتب بها ديكارت وليبنتز ذاته وغيرهما مؤلفاتهم الكبرى. وظهرت الحداثة في وجهها اللغوي حينما تجرأ كانط على الكتابة باللغة الألمانية وتخلى عن الكتابة باللاتينية. فالحداثة اللغوية ظهرت من خلال قدرة الألمانية والفرنسية والإيطالية على التعبير عن معطيات فكرية مجردة في الفلسفة والأدب ولم تنحصر قيمتها في القدرة على حشر البغرير والبطبوط أو مفردات معزولة لا تنتمي أصلا إلى اللغة الطبيعية داخل الكتاب المدرسي. ربما لا زلنا نعيش في العالم العربي إلى اليوم في القرن الرابع عشر الأوروبي من زاوية الثنائية اللغوية بين العربية والدارجة، غلما أن هذه الثنائية كانت قائمة في أوروبا بين اللاتينية والدوارج اللاتيتية، أو بين اللاتينية والألمانية. ولكن الوضع مختلف بيننا وبينهم ، ما دام أن الغرب المسيحي في مرحلة الإصلاح الديني قد عرف ترجمة الكتب المقدسة إلى اللغة الدارجة، مما ساهم في الارتقاء بالدارجة إلى مصاف اللغة العالمة. فقد ولدت اللغة الألمانية من جديد مع مارتين لوثر حينما ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة العامية التي يفهمها الفلاح والنجار والفحام. فقد كان الكتاب المقدس (أقصد العهد القديم والعهد الجديد) قد ترجم من قبل إلى الألمانية، ولكنها لم تكن بمثابة اللغة الألمانية كما وضع لوثر معالمها عن غير قصد منه بفضل ترجمته الجديدة، ذلك أن الألمانية التي كانت موجودة كانت لغة ألمانية تعج بالمصطلحات اليونانية واللاتينية التي يشق على العوام أن يفهموها، ولذلك عوض لوثر كل تلك المفردات الأعجمية بما يتناسب مع المجال التداولي للمتدين البسيط ومع ما يفهمه بسهولة دون عناء. ومع ذلك، ظلت الألمانية مليئة مليئة بالمصطلحات اليونانية واللاتينية، والدليل على ذلك أن ألمانية كانط كانت لا تزال ألمانية يونانية ولاتينية، ولم يكن هذا عيبا لديه بل مصدر قوة. ذلك أنه حتى لما ارتقت الدوارج إلى مستوى لغة الأدب والفلسفة والقانون والاقتصاد ظلت قاموس اليونانية واللاتيتية بمثابة خزان لقطع الغيار اللغوية التي ندمجها في قواميس اللغات الجديدة للتعبير عن دلالات ومعان تسمح بها اليونانية. فاستعارت الفرنسية والألمانية أغلب اصطلاحاتها العلمية والفلسفية من متون اللغات القديمة. بصرف النظر عن غنى اللغات وقدرتها على التعبير عن كل الدلالات والأفكار تظل بحاجة إلى الاستعانة باللغات القديمة، كما حصل مع اللغات الأوروبية، وهذه القدرة على الاستفادة من اللغات القديمة تبرز حقيقة أساسية تغيب عنا في خضم السجال المحتدم بالمغرب حول الحرب الأهلية اللغوية: وهي انه لا توجد لغة بمعزل عن اللغات الأخرى، وإلا لما استفادت اللغات من بعضها بعض. وقد ذكرنا فيرديناند دو سوسير الذي كان تلميذ هيرمان بول بألمانيا ومختصا في اللغات القديمة ومؤرخا للغة بأنه لا توجد حدود فاصلة بين اللغات. فنحن لا نعرف أين تنتهي الدارجة وتبتدئ اللغة العربية. ونحن ننتقل بطريقة انسيابية من العربية إلى الدارجة والعكس صحيح. ولذلك فإن دوسوسير يعتبر في كتابه المعروف المفترى عليه أن اللغة بنية مغلقة وأدى ذلك إلى تكوين صورة مزيفة عن منظوره شبه البنيوي، ولكنه يؤكد في العمق في النشرات الجديدة التي نشرت مؤخرا على تاريخية اللغة و على أنها بنية متحولة ومتأثرة بظروف التداول وبتغير الذهنيات. ولذلك فإن التحول اللغوي Sprachwandel أو تغير اللغة عبر التاريخ كان موضوعا أساسيا لديه ولدى أستاذه هيرمان بول. والهدف من ذلك هو أن نتجنب النظر نظرة جوهرانية essentialiste إلى اللغة حينما ننظر إليها كما لو كانت جوهرا ثابتا غير متحول عبر التاريخ أو كما لو كانت منقطعة الصلة باللغات واللهجات العامية التي تدور في فلكها. فمن يستطيع أن ينكر أن لغة الصحافة تكاد تكون إلى حد ما أشبه بلغة عربية "دارجة" بالمقارنة مع لغة المتنبي والبحتري، ومن يستطيع أن ينكر أن "دارجة" سيدي عبد الرحمن المجدوب كانت في الحقيقة "عامية" و "فصحى" في ذات الوقت بالمقارنة مع "العامية" المبتذلة اليوم في الأغنية الشعبية، ومن ينكر أن شعر الزجل أكثر فصاحة من كلام بعض شعراء العربية المفوهين. مسألة المقارنة نسبية على الدوام، ولا تصح أصلا بالطريقة المطروحة لدينا لأنها مطروحة على أساس المفاضلة القبلية وفق المعايير التي يختارها كل فريق كما يشاء، إذ يتذرع البعض بالحفاظ على لغة القرآن، بينما لغتنا العربية اليوم أشبه بالدارجة ومن يريد الحفاظ على لغة القرآن قد ر يحسن التكلم بها؛ ويتذرع البعض الآخر بضرورة دخول الحداثة، وهو لا يعرف شيئا عن الزجل ولا عن التراث الشفوي وكأن الحداثة ملزمة بأن تمرَّ لدينا عن طريق البطبوط والبرغير، لا عن طريق الشعر والفن والموسيقى، بينما مرت لديهم عن طريق "المقالة في المنهج" و "نقد العقل الخالص". ونحن في الحقيقة قد تخلينا عن تجويد العربية والدارجة معا وأفسدنا العربية والدارجة معا، كما قال إدمون عمران المالح ذات يوم. فقد أصيبت الدارجة بالابتذال والتسطيح والتفكك وفقدت جزءا كبيرا من جماليتها بعد اندثار شعر الملحون والأمثال الشعبية وثقافة الزجل . كما تراجعت اللغة العربية وتقهقرت في أذهان تلامذتنا نتيجة تفشي الأمية وانحسار دور الكتاب في تكوين شخصية الطفل. والحقيقة أننا إذا ما ارتقينا باللغة العربية سنرتقي يالدارجة، فاللغة العربية لها مجالات تبدع فيها بامتياز، كما تبدع الدارجة في مجالات فنية وأدبية أخرى، وتستفيد كل لغة من الأخرى على المدى الطويل، لأنه لا توجد حدود فاصلة بين اللغات، كما يرى دوسوسير، ولكن هذه الحدود تولد من جديد كلما خلقنا هوية زائفة ودافعنا عن قضايا زائفة، بينما كان بالإمكان أن نشتغل على معجم الدارجة في شعر الزجل والحكايات والموسيقى وغيرها من الأنشطة ونرتقي بالعربية معجما ودلالة وتركيبا. فنحن لسنا موجودين في نفس ظروف القرن 14 الأوروبي، كما لا يجب أن نعلن عن حرب أهلية لغوية وهمية ستندلع على حساب تنمية طاقات أطفالنا وبناتنا باعتماد العربية والدارجة دون أي تداخل يفسد الذوق اللغوي.



قام بإرسال الخبرينايري موقع مغربي للتعبير الحر
( http://yennayri.com/news.php?extend.4865 )