الخبر:مهرجان "المغرب الساحر" في واشنطن.. عندما يرقص "العيّاشي" على جثة أبراهام لينكولن
(الأقسام: رياضة و سياحة)
أرسلت بواسطة موقع ينايري
الأحد 29 أكتوبر 2017 - 20:16:32


يُحكى أنه على عهد أبراهام لينكولن، كان مارا بسيارته في أحد شوارع العاصمة واشنطن.. في الطريق إلى البيت الأبيض لمح أمريكيا إفريقيا حاملا على ظهره كيسا أثقل كاهله، توقف الرئيس لينكولن ودعا "المعذَّب في الأرض" إلى امتطاء السيارة معه.
 
 لم يكن قد مر وقت طويل على إصدر لينكولن قرارا تنفيذيا بإلغاء الرق والعبودية، استجاب الرجل لطلب الرئيس والسعادة تغمر محيّاه، وفي الطريق لم يتخفف من الكيس، ما أثار استغراب لينكولن الذي دعاه إلى وضعه جانبا، جاء جواب الرجل موغلا في الكوميديا السوداء:"أخاف أن يثقل الكيس كاهل السيارة".
 
أوحى هذا الجواب الصاعق للينكولن بمقولته الملهمة: " قبل تحرير العبيد والقوانين لا بد من تحرير العقول".
 
كان ذلك قبل عشرات السنين، لكن قوة العبارة " قبل تحرير العبيد والقوانين لا بد من تحرير العقول"، يبدو أنها لم تتجاوز حدود الديار الأميركية، ولم يكتب لها أن تصل إلى المملكة الشريفة بالرغم من كونها أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة، ورغم اتفاقية التبادل الحر القائمة بين الرباط وواشنطن.
 
مناسبة الاقتباس، ما وقع نهاية هذا الأسبوع في شارع بنسلفانيا، على مرمى حجر من البيت الأبيض وربما في الشارع نفسه الذي جرت فيه واقعة "الكيس". قبل أيام جاءني إشعار من فيسبوك عن فعالية سيحتضنها الشارع تحت شعار "المغرب الساحر"، تفاعلت مع المبادرة التي تضمنت أروقة من الصناعات التقليدية المغربية بهدف التعريف بالمنتوج المغربي من خلال الصانع التقليدي.
 
وجاء اليوم الموعود.. لحظة الافتتاح التي أشرفت عليها وباركتها سفيرة المغرب في واشنطن لالة جمالة العلوي، جلبة عمّت المكان بسبب الحاضرين "وكلهم مغاربة في غياب الأمريكيين"، الكل أراد الفوز بـ"سيلفي" مع "الشريفة"، أما بالنسبة للمنظّم، فإن المهرجان بلغ هدفه، يكفي أنه نجح في أن "يشطّح لالة جمالة" على إيقاعات أغنية "عياشية" عنوانها " أنا مغربي".
 
خلال تجولي بين أروقة المعرض غاب "المغرب الحقيقي"، "مغرب المغاربة"، وحضرت "تاعياشت" و"بقايا العبودية"...
 
غاب مغرب الأطلس والصحراء والريف، وحضر مغرب "الرباط وتوراكة"...
 
غاب المغرب المتعدد بثقافاته وإثنياته وأشكال عيشه، وحضر مغرب "الفئات الآمنة إلى يوم الدين" بتعبير الممثل المصري الراحل خالد صالح في فيلم "فبراير الأسود".
 
https://www.youtube.com/watch?v=mXdBqmwfojU
 
ولعل من إيجابيات هذا "العرس" أنه أعاد إلى الواجهة السؤال عن طبيعة المغاربة الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة.
 
ينبغي الاعتراف أولا أن أمريكا فتحت أبوابها للمغرب منذ ستينيات القرن الماضي، لكن الفئات التي فضلت الولايات المتحدة كوجهة للهجرة، كانت قليلة أو بتعبير أدق، كانت من الفئات التي لديها قدرة مادية معتبرة، على عكس أوروبا التي احتضنت بلدانها كل الأطياف من الأمير إلى الغفير.
 
آنذاك كان المهاجر يأتي هذه البلاد لأمرين في الغالب: إما للدراسة أو للبيزنس، فالولايات المتحدة منذ إعلان تأسيسها كانت أرض علوم ومعرفة وفرص استثمارية.
 
كانت إقامة هذه الفئة مؤقتة.. وغالبا ما تلتها عودة إلى الوطن الأم..
 
مع بداية التسعينيات، تغيرت الأمور عندما اعتمدت "تأشيرة التنوع"، حينها بدأت تتوافد على بلاد العم سام فئة "مغاربة القُرعة"، وليس أولئك الفارين من "مغربة القْرْعة"، الكل كان مؤهلا للهجرة إلى الضفة الشرقية للأطلسي، شريطة أن يكون الحظ إلى جانبه، ولم يكن في هذه الهجرات تمييز على أساس المؤهل العلمي والدراسة، كما هو الحال في كندا التي تعتمد " الهجرة الانتقائية".
 
لقد وفد أغلب هؤلاء إلى أمريكا حاملين معهم سنوات صباهم في أزقة وشوارع المغرب، جاؤوا إلى هذه البلاد دونما انفصال عن مواكب الذكريات الجارحة وسيول الحنين، حتى الواقع السياسي والاقتصادي القائم آنذاك لم يستطيعوا التخلص منه، وظل ملازما لهم طوال سنوات مقامهم في أمريكا وأورثوه أبناءهم.
 
لقد قدمت فئة من هؤلاء، وهي للأسف كثيرة -إلى بلاد يقدس البند الأول من دستورها حرية التعبير- تحمل على كاهلها أكياسا ممتلئة بطقوس "التمخزن" وتعيّاشت" "والعبودية" و"الاقصاء".
 
https://www.youtube.com/watch?v=BQlMxNzeBvo
 
لا تزال عقلية معظم مغاربة أمريكا أسيرة مغرب أيام التسعينيات، حينما كان لدينا تلفزيون يتيم شعاره "إتمRTM" يقدم مسرحيات عبد الرؤوف، وسيتكوم "أنا وخويا ومراتو" الذي بمعايير اليوم هو سلسلة كوميدية تنضح بالعنصرية تجاه ذوي البشرة السوداء.
 
قدم هؤلاء إلى أمريكا، دونما تحرر من ملك خالد اسمه "الحسن الثاني" هو الأول في كل شيء حتى في الجزارة، ووزير داخلية صنديد هو " السي دريس".
 
هاجر معظمهم إلى أميركا، وفي دواخلهم لايزال المغرب ذلك البلد "العربي" الذي سكانه الأولون، بربر و"شلوح" قدموا من اليمن والحبشة.
 
لم يكن هؤلاء يعلمون - أو فاتهم أن يدركوا- أن مياها كثيرة سارت تحت الجسر، وأن البلاد التي خلفوها وراء ظهورهم ولا يزورونها إلا كثعلب محمد الزفزاف الذي يظهر ويختفي، قد تغيرت.. بقوة الطبيعة والجيوبوليتيكا تغيرت.. مات الحسن الثاني، نُبذ "السي دريس" في فرنسا قبل أن يُقذف به إلى صمت القبور، شَبَّ طوق الأمازيغية وأصبحت عروس الهوية، تحولت "إتم" إلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لقد فاتهم كذلك أن يعلموا أن تاريخ 03 مارس من كل سنة، لم يعد يوما تاريخيا فيه تنصب الخيام وتقام الحفلات وترفع الأعلام وتُدَكُّ زرابي و"حنابل" الأسر بأقدام الشيخات واللعّابات والشيوخ والباشاوات، بل أصبح يوما فرديا ضمن رزنامة البلاد الكئيبة.
 
خلال تجولي في المعرض، قريبا من "جوقة" الراقصين والمغنين تذكرت أيام عيد العرش القديم، غير أنه وفي لحظة وعي، جال في خاطري من جديد، طيف أبراهام لينكولن مع الرجل الإفريقي صاحب الكيس الثقيل، وما جرى بينهما في جادة بنسلفانيا.. هنا توقفت عن أن أزيد في محاولات تشريح ظواهر "المخزن" في بلد العم سام، مرجحا الختم بقوة العبارة: “قبل تحرير العبيد والقوانين لا بد من تحرير العقول".
https://www.youtube.com/watch?v=Go0cLc-SFyE



قام بإرسال الخبرينايري موقع مغربي للتعبير الحر
( http://yennayri.com/news.php?extend.4706 )