آخر الأخبار :

في اطار أنشطته الثقافية والتكوينية، نظم المكتب المحلي للنقابة الوطنية للعدل بالرشيدية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مائدة مستديرة حول موضوع قراءة في احالة قانون التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية  زوال يومه الأربعاء 27 فبراير 2019 بمقر محكمة الاستئناف بالرشيدية من تأطير اسماعين يعقوبي عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للعدل.
وقد تناولت المائدة المستديرة في محور أول أهمية الموضوع بالنسبة لموظف كتابة الضبط ومختلف الفاعلين والمنتسبين لمنظومة العدالة،  وكذا بالنسبة للمناضلين والتنظيمات النقابية والمهنية، وللباحثين في مجال القانون عموما والتنظيم القضائي وقرارات المحكمة الدستورية على وجه التخصيص.
أما المحور الثاني، فقد خصص للأسباب الداعية الى تعديل التنظيم القضائي ومنها أساسا التغييرات المتتالية التي أعقبت التنظيم القضائي لسنة 1974 والتي أفقدته الانسجام المطلوب، مما تطلب جمع شتات القوانين المتعلقة بالتنظيم القضائي في وثيقة واحدة، وكذا المتغيرات على المستوى الوطني (التعديل الدستوري وأساسا تنصيص الدستور على استقلالية السلطة القضائية)، والمتغيرات على مستوى بنية المحاكم ومواردها البشرية، وكذا المتغيرات على المستوى الاداري واعتماد التنظيم الجهوي....
فيما خصص المحور الثالث لمختلف المراحل التي مر منها القانون 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي بدءا بالحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، ثم تداول مجلس الحكومة في مشروع التنظيم القضائي، فمصادقة البرلمان عليه، ثم تعديل المشروع في مجلس المستشارين، وصولا الى مصادقة البرلمان عليه في اطار القراءة الثانية.
المحور الرابع خصص لإحالة التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية، التي شكلت مفاجأة لكل المتتبعين حيث عرج  على تألفة واختصاصات المحكمة الدستورية، والاجراءات المسطرية أمامها، قرارات المحكمة الدستورية وصولا الى مبررات الإحالة على المحكمة الدستورية والتي ميزت بين مبررات وزارة العدل والحكومة لإحالة القانون على المحكمة الدستورية، مبررات الجمعيات المهنية للقضاة ومبررات النقابة الوطنية للعدل والتي سجلت تناقضا صارخا بين النص الدستوري الذي يعترف بالحق الاضراب وحماية المعطيات الشخصية وبين قانون التنظيم القضائي الذي يحد من الاضراب ويستبيح المعلومات الخاصة للموظفين، كما استغربت الهفوات التشريعية التي تضمنها القانون وكانت موضوع مذكرة للنقابة قبل المصادقة على القانون، حيث أصبحنا أمام مشرع لا يتقن عمله ولا يسمع للآراء الجادة، بل وخاضت النقابة مجموعة من الأشكال النضالية لوقف تمرير هذا القانون كان آخرها الوقفة الاحتجاجية أمام مقر مفوضية الاتحاد الأوروبي بالرباط على اعتبار الاتحاد الأوروبي أحد المساهمين والداعمين لإصلاح منظومة العدالة بالمغرب، وانتهاء بالإشارات القوية التي حملها افتتاح السنة القضائية، التي جاءت، حسب المؤطر، في وقت كان فيه القانون محالا على المحكمة الدستورية، مع كل ما يحتمله من قراءات ووقائع وتأويلات.
المحور الخامس خصص للتفصيل في مضمون قرار المحكمة الدستورية بخصوص التنظيم القضائي، سواء على مستوى الشكل، أو  فيما يخص الإجراءات المُتبعة لإقرار القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، أو فيما يخص موضوع الإحالة مميزا ما يتعلق بالمواد المثارة في "المذكرة بشأن الإحالة" المرفقة برسالة الإحالة، وما يتعلق بالمواد المثارة تلقائيا من قبل المحكمة الدستورية.
أما المحور السادس، فتناول مآل التنظيم القضائي بعد قرار المحكمة الدستورية، حيث طرح ثلاث سيناريوهات. الاول سيتم من خلاله ادخال التعديلات الضرورية على القانون من طرف الحكومة ومجلس النواب ثم المصادقة عليه، واحالته بعد ذلك على مجلس المستشارين، وفي حالة ادخال هذا الاخير لتغييرات ما، سيتم ارجاعه بعد ذلك الى مجلس النواب للمصادقة في اطار القراءة الثانية. أما السناريو الثاني، رغم ما يلفه من غموض، فيخص اللجوء الى الفصل 81 من الدستور بإصدار مرسوم قانون. أما السيناريو الثالث، فيتم بموجبه فصل المواد غير المطابقة للدستور عن القانون الأصلي. ويبدو هذا السيناريو الثالث مستبعد جدا بالنظر الى تعدد المواد المعنية وترابطها وضرورتها أيضا في بناء نص التنظيم القضائي.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، من سيقرر في ملاءمة التعديلات القادمة للدستور؟ وهل سنشهد احالة جديدة من طرف الحكومة أم ستعمد الى اتباع مسطرة تنفيذ القانون دون العودة الى المحكمة الدستورية؟
المحور السابع والأخير، تمحور على مجموعة من التوصيات، تم بناؤها على أساس الملف المطلبي للنقابة الوطنية للعدل، تدخلات الحاضرين بالمائدة المستديرة، وما أشار اليه قرار المحكمة الدستورية، بمناسبة بتها في دستورية القوانين المحالة عليها، أنها لا تُراقب اختيارات المشرع من زاوية ملاءمتها، ولا تُفاضل بينها وبين اختيارات أخرى مُمكنة، ولكن عملها يكمن في فحص مدى تقيد المشرع بالدستور احتراما لسمو أحكامه؛ وكذا بالرجوع الى الباب السابع من الدستور، والذي في ظل حديثه عن السلطة القضائية واستقلال القضاء، يتحدث عن عزل ونقل القضاة، وكذا التدخل في القضايا المعروضة على القضاء  ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط. كما يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. أي كل ما من شأنه أن يؤثر على النزاع المعروض أمامه أو على الموقف الحيادي للقاضي، وبالتالي فاستقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية هو وضع حد للسلطات التي كان يتمتع بها وزير العدل سابقا بصفته نائب المجلس الاعلى للقضاء ولا تعني بأي حال من الأحوال جعل موظفي كتابة الضبط تحت سلطتهم.
6752.jpg
فبما أن للمشرع اختيار طريقة تنظيم وتسيير المحاكم، صدرت التوصيات التالية:
- حذف المقتضيات المستهدفة للحق في الاضراب وكذا الماسة بالمعلومات والحياة الخاصة للموظفين،
- حذف مواد التفتيش من التنظيم القضائي، حيث أنه وكما جاء في قرار المحكمة الدستورية، التفتيش الإداري والمالي التابع للوزارة المكلفة بالعدل الوحيد المنظم بقانون، في حين أن باقي المفتشيات المماثلة، الممارسة للاختصاص ذاته، التابعة لوزارات أخرى منظمة بنصوص تنظيمية، وهو تَمييز لا يجد أي أساس أو سند دستوري له.
- اخراج قانون ينظم عمل كتابة الضبط مع تحديد الاختصاصات والمهام، واستقلالية كتابة الضبط،
- اضفاء الصفة الضبطية على موظفي النيابة العامة،
- اخراج المدرسة الوطنية لكتابة الضبط الى حيز الوجود تمكن الموظفين من التكوين بمختلف أنواعه ومن الترقي أيضا،
- احداث جمعية عامة للموظفين واعادة هيكلة كتابة الضبط،
- توسيع اختصاصات كتابة الضبط لتشمل المهام الشبه قضائية،
- تغيير كاتب الضبط بأمين الضبط،
- فتح الباب أمام موظفي كتابة الضبط لولوج المهن القضائية،
- احترام تخصصات الموظفين،
- استكمال الهرم القضائي الاداري بإحداث المحكمة الادارية العليا (مجلس الدولة) كأعلى هيئة قضائية ادارية بعد ان تم احداث محاكم استئناف ادارية،  واحداث محكمة التنازع (للفصل في تنازع الاختصاص ما بين المحاكم العادية والمحاكم الادارية)، وقضاء للأعمال تكريسا لمبدأ التخصص...،
- حقق القضاء المغربي طفرة في نوعية الأحكام وتشجيع الاستثمار جراء خلق المحاكم الادارية والتجارية، ومن شأن التراجع عن هاته التجربة، بدل تعميمها وتقريبها من المواطنين، أن يشكل تراجعا خطيرا على هذا المستوى ويهدد ما تمت مراكمته.

الخميس 28 فبراير 2019 - 05:24:05 / عدد التعليقات :

 
تناقلت وسائط التواصل الاجتماعي مؤخرا فيديو لشاب مغربي من الفئات الشعبية في حوار صحافي حول أنفلونزا الخنازير، وبعفوية رجل الشارع أو سخرية الممثل، أضحك هذا المواطن ملايين المغاربة بنطقه المشوه لفيروس (H1N1)، وأمام هذا التعليق العفوي البسيط الذي يحث المواطن على تناول البصل لمقاومة تأثير الفيروسات، يتضح لنا أن الغائب الأكبر في الساحة الثقافية بالمغرب هو الطبيب، إذ يتقوقع ببرجه العاجي منعزلا عن الأنظار، ينتظر فحص المرضى ووصف الدواء وإجراء العمليات مقابل  أجور سمينة، تمكنه من رغد العيش، هذا هو النموذج السائد في مجتمعنا، إذ لا علم لنا بأطباء يحاضرون في مدارس أو جامعات قصد توعية المواطنين، ونادرا ما قد يغادر طبيب برجه العاجي ليلج برنامجا تلفزيونيا أو إذاعيا لدقائق معدودة قصد الأجوبة على أسئلة المواطنين، وإذا قام بذلك، فهو يسعى حتما إلى الدعاية غير المباشرة لسمعته كطبيب، ولا وجود لمؤسسة طبية منظمة، تنشر ثقافة وقائية حديثة بين المواطنين، فمنذ قرن من الزمن، ومجتمعنا يؤمن بأمراض، بادئة أسمائها ب "بو"، إذ تسمى الكوليرا مثلا ب "بوكليب"، واليوم تفنّننا في التسمية إلى درجة تشويه الكلمات المفرنسة، فأصبحنا مجتمع إيكنوان...
لماذا تغيب المؤسسة الطبية بكوادرها ومستشفياتها ومصحاتها ونقاباتها عن تأطير المجتمع والانخراط في جمعيات المجتمع المدني بكثافة؟ فهل يعقل أن جمعية داء السكري مثلا، يسيرها رجال تعليم، بينما ينهمك الأطباء في تكديس الأموال وبناء الفيلل بالمسابح؟ هل قامت الدولة بتدريس الأطباء من أجل هذا الغرض أم من أجل خدمة المجتمع والتضحية في سبيل رسالة نبيلة اسمها إنقاذ الإنسانية من الأمراض الفتاكة؟ أين ضميرك يا طبيب الشعب؟ لقد صدمت يوما حين قال لي أحد الصيادلة أن هناك من الأطباء من يتعاقد مع بعض شركات الأدوية بالفوائد، فيصف الأدوية التي تنتجها شركات معينة دون أخرى؟
إن السؤال الجوهري الذي نواجهه اليوم بمجتمع إيكنوان هو ماذا قدمت المؤسسة الطبية للمواطن المغربي من معلومات وخدمات تنهض بمعرفته الطبية وإحداث تراكم في هذا المجال؟ بماذا ساهمت المؤسسة الطبية في عملية التنوير على صعيد المدرسة والإعلام والانخراط في جمعيات المجتمع المدني؟  
هل تعلم عزيزي القارئ أن الطبيب المغربي يتواصل بلغة المعالج التقليدي ولا يختلف كثيراً عن المشعوذ في تصوره للمرض، إذ يتواصل بلغة أمية مع المرضى بحجة تبسيط المعرفة الطبية؟ كيف لا، والمغرب يشهد منذ قرن من الزمن ركودا في معرفته الطبية، وذلك لعدم انخراط المؤسسة الطبية في تطوير التمثلات الثقافية للأمراض ومعالجتها، فمازال الطبيب يستخدم قاموسا شعبويا لوصف الأمراض، فغالبا ما يشخص الطبيب المرض بأسماء ذات حمولة خرافية مثل البرد وبوحمرون وبوصفير وبومزوي وهكذا، وهذا الطبيب، مع الأسف، يجهل تماما الدلالات التاريخية والمعتقدات الأسطورية الكامنة وراء هذه التعابير، فإليك أيها الطبيب بعض معاني هذا القاموس العلاجي التقليدي الذي تستخدمه لاواعيا في تواصلك بمريضك؟ 
يعتبر رهاب أو فوبيا الجن عاملا مهيكلا للنظام الباثولوجي الشعبي للمرض، إذ أن المغاربة حملوا الجن مسؤولية إثارة مجموعة متنوعة من الأمراض على مر التاريخ، و يحدثنا ويستمارك (1926) عن  الاعتقاد السائد في بدايات القرن المنصرم المتعلق بالمرض، إذ جلها يبدأ ببادئة الاسم “بو”، وتوحي هذه البادئة إلى صاحب المرض، وهي في الغالب قبيلة من الجن وجهت سهام المرض إلى الناس،  وإليك أيها الطبيب بعض الأمثلة في هذا الصدد:  اليرقان (بوصفير)، و الحصبة  (بوحمرون)، و يعتقد أن سببها قبيلة  من الجن تدعى أولاد بن الأحمر، و عرق النسا (بوزلوم )، و الكوليرا (بوكليب)،  ومرض القولون العصبي ( بومزوي)، وشلل النوم أو الجاثوم (بوغطاط/بوتليس)،  وجذري الماء أو العنقز ( بوشويكة)، وتوتر عضلات الكتف و الرقبة أو شبه شلل حركتها (بوعنيينج/بوشنينيق)، و عند انتشار وباء الكوليرا في المغرب سنة  1895، اعتقد المغاربة أن جيشا من الجن هاجم البلاد، ووفقا لوستمارك دائما، ميز الناس بين  هجوم الجن العنيف و المعتدل،  فعندما كان الوباء يأتي عنيفا جدا، يتصور الناس أن  الجن قد نصب  خيامه داخل أسوار المدينة؛ و عندما تخف حدة المرض، وتصبح الإصابات قليلة، يفترض الناس أن  الجن قد أقام مخيمات خارج أسوار المدينة، ووجه سهامه السامة نحو البشر بين الفينة والأخرى . إذن، كيف لطبيب تعلم بجامعات أوروبية لسنوات، يعود لوطنه ليفسر الأمراض بلغة شعبوية، فيقول للمريض " طارشك البرد، عندك بوصفير في الكبدة، أو ولدك عندو عدسة في الراس" ما هذا المستوى يا طبيب الشعب؟ "عدسة"؟ دبا هذا راس ولا طنجية؟؟؟؟ 
ما هذه المهزلة؟ أبعد مرور قرن من الزمن، ومازال الطبيب المغربي يستخدم قاموسا شعبويا للتواصل مع المريض، ولم يقدم جهودا بوصفه مؤسسة مستقلة لخلق بديل معرفي عالم، يمكٌن المواطن المغربي التخلص من براثن ثقافة إيكنوان وبوكليب إلى ثقافة طبية تزوده بمعلومات دقيقة عن الأمراض والعلاجات والمكونات الغذائية؟ لماذا لا يعمل الأطباء رفقة الباحثين السوسيولوجين على ابتكار قواميس حديثة وتبسيط المعارف الطبية للعموم بالدارجة والأمازيغية؟ لسنا ضد الاحتفاظ بالتعابير السائدة، لكن يجب إفراغها من حمولتها المارابوتية، وشحنها بمعاني طبية حديثة؟ 
تحيلنا هذه الأسئلة الجوهرية على دور الطبيب في المجتمع، هل هو دور علاجي بامتياز أم هو دور توعوي وجمعوي، يساهم من خلاله الطبيب في توعية المواطن بطرق شتى؟ ماذا قدم الأطباء المغاربة لتغيير تمثلات الأمراض بالثقافة المغربية؟ أليس للأطباء يد ضالعة في تخلف المجتمع، وتمسكه بالغيبيات الأسطورية في تفسير الأمراض؟ إذا أصبح الطبيب المثقف يستخدم قاموسا شعبويا، فلماذا نلوم المغربي البسيط الذي يمتح من القاموس نفسه لتفسير أسقامه، فيلقي ببواعثها  على الجن والعين الشريرة وحسد الآخر النمطي المتمثل في الجيران أو الأقرباء؟ كيف ستتطور الذهنيات والتمثلات الثقافية للأمراض، والمؤسسة الطبية تكتفي بالعمل التقني المأجور داخل العيادات والمصحات فقط؟  
إن عدم اكتراث الأطباء بنشر ثقافة طبية بالمغرب، أدى إلى استمرار فراغ  مهول في نمط تفكير المجتمع، فتمسك المواطن البسيط بتمثلاته الأسطورية المتاحة، وخلق نظاما باثولوجيا بعيدا عن الطب الحديث، إذ تجد فئات شعبية لا تزور الطبيب حتى تستنفذ العلاجات التقليدية البديلة، بل من المرضى من يرفض الأدوية الحديثة، ناهيك عن أولئك الذين لا يستطيعون توفير تكاليف العلاج، فيتمسك بعالم الطلاسم والبركة لمعالجة أسقامه، مما يشكل أحيانا خطرا قاتلا على صحته، خصوصا إذا كان المرض عضويا ويحتاج إلى علاجات سريعة، وأمام هذا الاضطراب في تفسير الأمراض ومعالجتها، وغياب تقنيين العلاج التقليدي، وانسحاب الطبيب من دوره التوعوي، يظل المريض تائها بين "عدس وفول" الطبيب الشعبوي و "الأحراز" التي يخطها المعالج التقليدي. 
ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي

الأربعاء 27 فبراير 2019 - 01:09:26 / عدد التعليقات :

يواجه مستقبل العمل الثقافي في الزمن المعاصر ضبابية، بفعل تحولات هائلة هزت قطاع الثقافة انعكست على العاملين فيه. فهناك دواع ملحة لإعادة النظر في علاقة توظيف المعرفة في السياق الإنتاجي، أي ما يربط صنّاع الثقافة كمبدعين وأفراد، بما هو حاصل من تطور تقني-ثقافي والذي يمثّله كبار المستثمرين الذين باتوا يشكّلون طبقة موازية. حيث مرّ التحكم بمقاليد الحقل الثقافي إلى قوى أخرى تعيش قِيما مغايرة في علاقتها بالثقافة تتغاير مع ما اعتاد عليه المثقف التقليدي. وقد لاحت هذه التحولات في القطاع بعد إزاحة العاملين الأفراد عن تصدّر الدور الطليعي وتحوّلهم إلى عمّال ضمن مؤسسات راعية توجه إنتاجهم الثقافي. والكتاب الذي نتولى عرضه والدائر ضمن هذا الجدل سهر على إعداده الكاتب الإيطالي فرانشيسكو أنطونيللي، مستشرفا من خلاله مستقبل المثقفين والعمل الثقافي عامة. وأنطونيللي هو باحث جامعي في قسم العلوم السياسية بجامعة "روما ثلاثة"، صدرت له جملة من الأعمال منها "الحداثة في تحوّل" و"الفوضى وما بعد الحداثة"، فضلا عن مجموعة من الترجمات من الإنجليزية. قسّمَ الباحث بحثه إلى قسمين: عنون الأول بـ"علم الاجتماع التفكري لغولدنر وتحولات المثقفين" والثاني جاء ترجمة لنص لغولدنر بعنوان "مستقبل المثقفين".
في القسم الأول من الكتاب يتعرّض أنطونيللي إلى المنزع اليساري الذي طالما ساد في أوساط المثقفين طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما بدأ ينحو للتبدل مع تحولات الرأسمالية في العقود الأخيرة، التي باتت تولي اهتماما الاستثمار في القطاع الثقافي بوصفه قطاعا يدرّ ربحا، فضلا عن كونه مجالا سلطويا يمكن التحكم من خلاله بالمسارات السياسية وبتوجيه الرأي العام. هذا التحول الذي مسّ طبيعة الحقل الثقافي، من العمل الإبداعي العفوي للمثقّف الدائر ضمن هموم فردية في غالب الأحيان، إلى من يتحكم في إنتاجه ويوجهه، بموجب تطورات أدخلتها الرأسمالية في الأدوات والعمل والمنافسة والعرض والطلب، خلّف تحويرا جذريا جرى في غفلة أو لنقل في ظل دهشة المثقف أمام قوة التحولات التي باتت تحيط به (ص: 27).
والملاحظ حسب أنطونيللي أن تراجع المثقف الفرد قد جاء مرفوقا بتراجع سنده الأيديولوجي الاشتراكي عامة في الساحة الدولية، في مقابل قدرة هائلة لليبرالية على التلون مع المستجدات، راهنت فيها على مجال كان حكرا على اليسار في ما مضى. فمع الرأسمالية الثقافية ثمة مسعى جاد لإخراج العمل الثقافي من طابعه المتأدلج المحكوم بالولاء السياسي إلى طابع بضائعي مجرد من سماته الإبداعية، بما يعني قدرة الإنتاج الثقافي بمختلف أصنافه: الأدبي والفني والفلسفي والسوسيولوجي إثبات جدارته وقيمته بمنأى عن اللبوس الأيديولوجي الذي يمكن أن يكتسيه. وقد انحاز شق واسع من المثقفين إلى هذا التوجه الجديد يحدوهم ما دبّ من نقد للأيديولوجيا، بلغ شوطا متطورا بالحديث عن موت الأيديولوجيا (ص: 39). من هذا الباب وجد التحول البضائعي للثقافي رواجه داخل أوساط المثقفين أنفسهم وبات له أنصاره. لكن هذا التحول أملى على المثقف دورا جديدا حوّله إلى بيروقراطي لدى الرأسمالي يقنع فيه بدور مكتبي ضمن مؤسسة إنتاجية وسلطوية، لا دور اجتماعي طليعي كما ساد في السابق.
وقد تبين لأنطونيللي أن ذلك المخاض الجديد في النظر إلى القطاع الثقافي، ضمن منظور وظيفي ودون خلفية قِيَمية أيديولوجية، كانت ساحته الأكاديميات الغربية بما توهج فيها من جدل حاد، خصوصا في مجال علم الاجتماع والفلسفة. حيث باتت المطالبة بالحياد العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية والقضايا الفكرية بعيدا عن الانتصار لشقّ أيديولوجي دون آخر. وهو بالأساس إلحاح للعودة إلى العلمية المعرفية الكلاسيكية المشغولة بالمنزع العلمي لا الموالاة الساذجة التي غالبا ما يتوارى خلفها الأيديولوجي. ضمن هذا الجدل مثّل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مرجعا وسندا للتوجه الجديد، من خلال ما عبّر عنه في كتاباته ضمن رغبته الجارفة لتنقية العلوم الاجتماعية مما سماه هيمنة "القِيم"، أي من جانبها غير العلمي. أو كما لخّص المفكر زيغمونت باومان الحالة بحاجة الواقع الأكاديمي الجديد للتعالي فوق المصالح القطاعية الثقافية وتسوية الحسابات مع المسائل الكونية للحقيقة (ص: 51). وقد تبين لأنطونيللي أن ألفين وارد غولدنر، بوصفه يساريا غير منضبط، من أبرز المراجعين للحقل الثقافي، ولم تحل قناعاته اليسارية دون توجيه انتقادات عميقة للتعاطي التقليدي مع المنتوج الثقافي والإبداع عامة. فحاول استشراف مستقبل المثقفين في زحمة التحولات الجارية في العالم دون تبنّ عقدي للمقولات الأيديولوجية السائدة في الأوساط اليسارية. فأوضاع المثقفين تبعا لمنظوره تتطلب تحررا من الرؤى المهيمنة التي تتميز عامة بتحليلات مرهونة لأوضاع مجتمعات الحقبة ما بعد الصناعية. مقرّا أن المثقف ما زال بوسعه الإمساك بالدور الحقيقي للفعل الثقافي بوصفه المنتج المباشر، حتى وإن استهين أو هُوّن من مقامه بما يلعبه منتوجه من دور في السيطرة الاجتماعية والتحكم.
في واقع الأمر ان التحولات البنيوية في قطاع الثقافة قد أبانت عن أزمة تتهدد المثقف، تتلخص في أن يكون أو لا يكون. وصحيح أن ثمة محدودية لحضوره، من حيث التأثير في مجريات السياسة وحراك المجتمعات وضبط قوى التحكم الاقتصادي، ولكن تلك الاستفاقة على تلك المحدودية قد لاحت بفعل انقشاع الوهم المعلَّق على المثقف، بوصفه مقتدرا على إتيان الخوارق؛ وبالتالي ثمة تصحيح لحجم المثقف الحقيقي داخل ساحة تعجّ بالفاعلين الاجتماعيين. فقد سادت ادعاءات جعلت من المثقف وصيا على المعرفة والحقيقة، وبالمثل حكَماً ومرشدا أوحد للمجتمع، وكذلك مقرّرا وملهما للسلطة السياسية، بيْد أنه فجأة، وبفعل النقد الحداثي والما بعد حداثي، وجد نفسه مجردا من هذه الأوهام، ليخرج من دور "المشرِّع" الذي يتولى رسم خريطة سير العالم، وهو ما وجدَ تمثّلَه في صورة "الفيلسوف" الممثْلنة، إلى دور المفسِّر والمعلِّق على أحداث العالم، بعد أن بات موظفا لدى السياسي في المشورة بمختلف تنوعاتها. إذ ثمة أشياء كثيرة تتجاوز قدرات المثقف وخارج سيطرته وهو غير قادر على إدخال أي تحوير عليها. فالإنسان الحديث يجد نفسه قبالة "أشكال متعددة للحقيقة" يلعب فيها قانون السوق دورا بارزا، وكل منتوج ثقافي لا يحظى برواج بات سلعة مزجاة، وكل إبداع ينتجه أمسى محكوما بقانون عرض وطلب يحدد قيمته. كل ذلك –وفق أنطونيللي- أطاح بهيبة المثقف الاجتماعية، جراء تسليع عمله الثقافي الذي ما عاد يستمد قيمته من ذاته بل من شروط تتجاوزه. ما جعل المثقف يفقد دوره في التدخل المباشر في العمل السياسي، ويتحول إلى مكمّل للمشهد العام.
ففي الحقبة الراهنة التي نعيشها ثمة ارتهان واضح للعمل الثقافي للسوق. تحتاج فيه العلاقة إلى ترتيب مستجد بين مثلث المنتج والمستثمر والمستهلك، لا سيما وأن علاقة الثقافة بوسائل الإعلام أمست علاقة عضوية ومصيرية من حيث الترويج والإظهار والطمس. فالمثقف ما عاد يستطيع العيش خارج شروط الواقع الإعلامي، بعد أن أضحى الظهور المشهدي -كما يقول-أوكسيجينه، وهو ما صادر آخر بقايا الاستقلالية لديه. فالواقع الإعلامي الجديد حافل بالتدخل في حريته الشخصية، في ما ينتج وما لا ينتج. ومثل السوق تماما، غدا الإعلام متحكما باستقلالية المثقف، في نوعية إنتاجه وفي مضامينه، وفي من يوالي ومن يعادي. وصحيح أن المثقف الغربي قد تحرر من تدخل السياسي في عمله بفعل تخمة الديمقراطية وهامش الحرية الواسع؛ ولكن هناك أشكالا جديدة متربصة به، مثل السوق والإعلام واللوبيات، تتحكم بنوعية منتوجه وبمضامينه. من هذا الباب تملي المرحلةُ إعادةَ نظر في العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين الأدب والمجتمع، بين الفلسفة والسياسة، إنها مرحلة التردد والتأمل. فليس كما يزعم البعض أن ثمة خيانة للثقافة من قِبل المثقفين، بل هناك إعادة توزيع للأدوار في ظل تحولات بنيوية لا قدرة للمثقف على السيطرة عليها (ص: 74).
والمناخ العام للرأسمالية اليوم يدفع نحو تقليص الحاجة للمثقفين والإعلاء من شأن التقنيين، وأزمة التخصصات الأدبية والاجتماعية والفلسفية في الجامعات والكليات وما يواجهه الخرّيجون من بطالة دليل واضح على ذلك. وربما تقليص مرحلة الدراسة الجامعية يشي بحاجة سوق الشغل اليوم إلى فنيين مكوَّنين على عجل لسد الثغرات المهنية وليس غرضه تكوين عقول نقدية قادرة على تفكيك العلاقات الاجتماعية. حيث تتميز فترة ما بعد الحداثة بتجريد الدارس والمثقف من وظيفتيهما الاجتماعية والسياسية. فالثقافة تحولت إلى "بزنس" و"متعة" بعد أن كانت "إبداعا" و"فعلا". والواقع أن ما نشهده في عالم الثقافة هو تحلل الباراديغمات القديمة وانبناء أخرى جديدة، وهو ما أثار غالبا لخبطة في أوساط المثقفين التقليديين الذين اعتادوا على نمط محدد للفعل الثقافي مروا فيه كما أوضح المؤلف من دور "المشرّع" إلى دور "المفسّر". 
فقد بات الصواب والخطأ، الشر والخير، الجميل والقبيح في العمل الثقافي تحدده معايير مغايرة، وهو ما أدخل على المثقف التقليدي اضطرابا. لذلك نجد "الـمثقف الجاهز"، صنيع الآلة الجديدة للثقافة، قادرا على عرض خطابات جميلة لكنها خاوية. مع أنها متكونة من كلمات صعبة وأحيانا فضفاضة يحاول أن يحيط بها بكل شيء ويتناول بها كل شيء وهو جالس في أريحية على أريكة أثيرة أمام كاميرا التلفزيون. إذ يكفي اليوم سحر الخطابة الجوفاء ليكسب المثقف سلطة وليغدو مستشارا وخبيرا ومحللا ومرجعا. فالمثقف الناجح هو المثقف الحاضر في الإعلام والذي ينطّ من قناة تلفزيونية إلى أخرى، ويحسن التأقلم مع الأيديولوجيا السائدة. وهو المدرك أن الكلمة أفضل من الفكرة، وأن موالاة الرأي العام مبجل على التمسك بالأفكار، وأن الشكل أهم من المضمون (ص: 104).
في القسم الثاني من الكتاب وهو ترجمة لنص لألفين وارد غولدنر، يعدّ الباحث أنطونيللي صاحبَه رائدا في طرح رؤية مستقبلية للثقافة والمثقف. نلحظ فيه تناغما مع ما يرد في القسم الأول. ففي تحليل غولدنر للوضع الثقافي إقرارٌ بتواجد ما يسمّيه "الطبقة الجديدة"، وهي عبارة عن بورجوازية ثقافية متشكلة من رجال المعرفة ورجال التقنية الحرفيين. وقد وجدت هذه الطبقة في التطورات العلمية والتقنية شروطها المادية للتطور والظهور، وهذا ما دفع لسيطرة البورجوازية الثقافية على الرأسمال الثقافي. حيث تسعى الطبقة الجديدة إلى بناء عالمها الاجتماعي الذي تتصور أنه الأكثر عدلا والأكثر انتظاما والأكثر عقلانية (ص: 120). معتبرا غولدنر أن الخطاب البراغماتي هو أحد العناصر التي يقوم عليها بناء الطبقة الجديدة التي تتفاعل فيما بينها بموجب التقارب الرؤيوي. وهذه الطبقة الجديدة، وفق رأيه، بدت جلية منذ فترة في الولايات المتحدة. فما كانت النقابات ولا الصحافة ولا رجال الأعمال من أججوا المعارضة البارزة للانسحاب من فيتنام، بل معاقل المثقفين المتمثلة في الجامعات الأمريكية. والتي شكلت فيها قضايا الحرية الأكاديمية، وحماية حقوق الإنسان، والمطالبة بحضور عملي للثقافة ميدانَ المعركة الأهم بين الطبقة الجديدة وعناصر الطبقة المسيطرة القديمة. فالطبقة الجديدة لا تبحث عن الصراع لأجل الصراع ولكن تسعى لوضع مصالحها المادية والفكرية في مأمن، وإحدى استراتيجيات الطبقة الجديدة هو بناء تحالفات مع مختلف العاملين في حقلي العمل اليدوي والذهني. وإن تكن الطبقة الجديدة، وفق غولدنر، ربيبة الطبقة القديمة فهي بصدد انتزاع دوْر ضمن صراع يشبه الحرب الأهلية داخل الطبقات العليا.
فالطبقة الجديدة تدرك كيف توظفُ الإرثَ الأيديولوجي لغرض دفع الفعل الثقافي قُدما، وليس الارتهان عند المقولات المسيَّسة لتغدو سندات عقدية دغمائية. وهذه الحيوية التي تملكها الطبقة الجديدة في التطور والتقدم، يغدو فيها المنتوج المعرفي السابق سندا لتدشين مسارات جديدة دون رفض أعمى أو تبني عقدي. وفي هذا السياق يلوح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ابن الإرث اليساري الممثل البارز لهذا التوجه الجديد من خلال توظيف ميراث الإيديولوجيا، بعد مراجعته، واستدعاء تلك الأنماط بشكل معاصر، وتنزيلها منزلتها الصائبة، على غرار الإرث الماركسي، لأجل صناعة فكر حرّ.
الكتاب بقسميه استشراف لمصائر المثقف في زمن مشوب بتحولات عميقة. جاء حافلا بتوصيف الصورة الجديدة التي تنتظر المثقف، غير أنه خلا من بيان "رسالة" المثقف الجديد المنضوي ضمن هذه الطبقة الثقافية الجديدة. فقد بقيت المتابعة السوسيولوجية في حدود التأملات النظرية دون تقديم استشراف حاسم أو توقعات ثابتة.
الكتاب: مستقبل المثقّفين.
إعداد: فرانشيسكو أنطونيللي.
الناشر: ميمزيس (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.
 

الأربعاء 27 فبراير 2019 - 00:53:36 / عدد التعليقات :