آخر الأخبار :

التضليل الحكومي: تجميد 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار نموذجا

222.png

اسماعين يعقوبي
بعد محاولات يائسة ومخجلة لمسخ الواقع والوقائع بخصوص الزيادة في أسعار المحروقات وحذف صندوق المقاصة والرفع من سن واقتطاعات التقاعد، صادق مجلس الحكومة يوم 4 أبريل الجاري على مشروع مرسوم رقم 2-13-285 يتعلق بوقف تنفيذ 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار المقررة برسم السنة المالية 2013 والذي هم مجموعة القطاعات وبدرجات متفاوتة (وزارة الاقتصاد والمالية، وزارة الفلاحة والصيد البحري، النقل والتجهيز، الطاقة والمعادن، الصحة ورئاسة الحكومة).
وقد خلف المشروع تباينا في وجهات النظر بين مدافع عنه ومتخوف ورافض لهذا الاجراء الذي ستكون له تبعات خطيرة على مستوى النمو، التشغيل والاستقرار الاجتماعي.
وحسب البيان الذي تلاه وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي٬ فالإجراء يهم مجموع التدابير التي اتخذت من قبل الحكومة لمواجهة تداعيات الظرفية الاقتصادية الحالية على توازن المالية العمومية٬ وكذا لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير المالية العمومية وتحسين برمجة إنجاز اعتمادات الاستثمار وتسريع إنجازها برسم السنة المالية 2013، وذلك عملا بأحكام المادة 45 من القانون التنظيمي للمالية٬ لإعطاء الأولوية من أجل تنفيذ اعتمادات الاستثمار المرحلة من السنوات الماضية والتي لم تنجز ورحلت إلى سنة 2013 والتي تبلغ 21 مليار درهم.
وتجند المسؤولون الحكوميون للدفاع عن الإجراء والتخفيف من نتائجه المتوقعة، حيث أشار إدريس الأزمي الإدريسي الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية إلى أن وقف تنفيذ 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار لا أثر له على النمو، وبرر الإجراء بسعي الحكومة إلى الحفاظ على توازن المالية العمومية، وتوفير شروط النمو. واعتبر أن "هذا التخفيض ليس له أثار على النمو، لأن الربط بين الاستثمار العمومي والنمو وتوفير فرص الشغل، ليس بالربط المضبوط علميا، لأنه خلال العشرين سنة الماضية سجلنا نسب نمو جد مرتفعة وكان الاستثمار العمومي منخفض، وبالتالي هذا الربط المباشر غير موجود".
فيما عزا وزير الاقتصاد والمالية، نزار بركة، قرار الحكومة القاضِي بِوقف تنفيد 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار للميزانية العامة، إلى تضاعف حجم اعتمادات الاستثمار التي يَحدثُ تأخير في تنفيذها من سنة مالية إلى أخرى. وأضاف أن هذا الإجراء "تدخل استعجالي لوقف نزيف تدهور المالية العمومية، بحيث سيمكن من تقليص عجز الميزانية بما يناهز نقطة من الناتج الداخلي الخام، وتقليص الدين بحوالي نقطة كذلك"، وأردف "لا يخفى عنكم أن تفاقم العجز المالي يؤدي إلى ارتفاع الدين مما يكون له انعكاس سلبي على النمو".
وأكد أن هذا الإجراء "لن يمس الاستثمارات والمشاريع التي انطلقت، والتي يجرِي تنفيذُها، بقدر ما سيساهم في تسريع وتيرة إنجازِها".
وضدا على تحليلات البركة، استهجن شباط (الأمين العام لحزب الاستقلال الذي ينتمي إليه البركة واستوزر باسمه، وأحد مكونات الحكومة)، مزاعم الحكومة بأن نفقات الاستثمار المجمدة، مؤخرا، كانت مدرجة في ميزانية 2012 وتم نقلها إلى ميزانية 2013، متسائلا عن خلفيات هذا التحويل،
ورأى السعدي أن أكثر المتضررين من قرار الحكومة بتجميد 15 مليار درهم مخصصة للاستثمار هي المقاولات المغربية، التي ستجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، مشيرا إلى أن هذه المقاولات ومن أجل وقف النزيف ستكون مجبرة على التضحية بالعمال والأجراء، وفي أفضل الأحوال التقليص من ساعات العمل، مما سيهدد القدرة الشرائية لآلاف الأجراء، مشددا على أن قرار التقليص ستكون له انعكاسات كارثية خلال السنوات المقبلة، ما لم تتدارك الحكومة هذا النقص.
فيما رأت المعارضة في الإجراء خطأ فادحا، فحسب الشرقاوي الروداني (برلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة)، فإن بنكيران ارتكب خطأ سياسيا فادحا حين قرر تجميد 15 مليار درهم، موضحا أنه كان الأجدر البحث عن بدائل أخرى مثل تقليص نفقات تسيير الوزارات، واستخلاص الضرائب العالقة.
ورأى إدريس لشكر٬ أن قرار الحكومة تم خارج الدستور والقانون، وأن أي تعديل في الميزانية ينبغي أن يمر عن طريق البرلمان٬ وأكد هذا الإجراء يمس استثمارات مهمة في التنمية٬ ويؤثر بشكل سلبي على مجالات حيوية اقتصاديا واجتماعيا٬ ويحد من فرص عمل العديد من المقاولات وبالتالي من مناصب التشغيل٬ مشيرا إلى أن من شأن هذا الإجراء أيضا تقليص المداخيل الضريبية التي يمكن أن تجنيها الدولة٬ وتساعدها على تعزيز قدراتها.
من جهته اعتبر الاتحادي عبد الهادي خيرات، أن استهداف قطاعات اجتماعية حساسة مثل الصحة والفلاحة، بتجميد استثماراتها، أيا يكن حجم الاقتطاع، يشكل ضربة موجعة للشرائح الهشة التي تدعي الحكومة أنها جاءت للدفاع عنها. ونبه إلى الخرق القانوني الفاضح الذي اعتمدته الحكومة في تجميد ميزانية الاستثمار حين استندت إلى الفصل 45 الذي يشترط « إخبار اللجن البرلمانية المختصة» إن هي أرادت «وقف تنفيذ ميزانية الاستثمار»، وهو الشرط الذي تم خرقه.
نفس الموقف عبر عنه أحمد الزايدي، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، واعتبر أن هذا القرار الذي لجأت إليه الحكومة لا يخلو من تحايل خطير للخروج من مأزق الصعوبات المالية التي تتخبط فيها البلاد «فبدل أن تتحلى الحكومة بالشجاعة الكافية للذهاب إلى البرلمان بقانون تعديلي تتم مناقشة آثاره على النمو وعلى سوق الشغل أمام نواب الأمة، فضلت فرض الأمر الواقع واللجوء إلى تجميد جزء من ميزانية الاستثمار بالاعتماد على الفصل 45 من القانون التنظيمي للمالية الذي يلغي دور الرقابة البرلمانية على المالية العمومية و يتنافى مع الدستور الجديد.
وكان موقف الاقتصاديين متباينا، ففي الوقت الذي ساند فيه الملياردير عثمان بنجلون، الرئيس المدير العام لمجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية، رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في قرار تخفيض نفقات الاستثمار وتجميد 15 مليار، اعتبر نجيب أقصبي أن قرار التقليص “ليس هو الحل الذي سيمكن المغرب من الخروج من الأزمة٬ بل على العكس من ذلك سيعمل على الحد من النمو الاقتصادي٬ رغم التوقعات بموسم فلاحي “جيد”، ورأى أن المشكلة توجد على مستوى بنية التمويل الخاصة بالميزانية العامة للدولة برسم سنة 2013 حيث لا تغطي الموارد الضريبية سوى 60 في المائة من نفقات الميزانية٬ في حين يتم اللجوء إلى الاقتراض لتمويل الحصة المتبقية والمتمثلة في 40 في المائة”٬ وهو ما يدل على ارتفاع حجم عجز الميزانية.
كما خلف الإجراء نقاشا حول مدى دستوريته، حيث تتجه فرق المعارضة بمجلس النواب إلى مراسلة المجلس الدستوري للبت في دستورية قرار رئيس الحكومة بتخفيض نفقات الإستثمار.
وأكد الحبشي، أنه على الحكومة عدم الاقتصار على إصدار نصوص قانونية لهذه المراجعات. بل يجب أن تشرك البرلمان في هذه المراجعات لعدم مناقضة المرجعية الدستورية التي تؤطر مجال التوازنات المالية، مضيفا أنه برجوع الحكومة إلى البرلمان، يمكن مناقشة «الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة بشكل علني، وإشراك ممثلي الأمة في تجسيد أداة من آليات تنفيذ السياسة المالية».
فيما اتهم منار السليمي، أستاذ القانون الدستوري، رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران بخرق الدستور بقراره تجميد 15 مليار درهم من الاستثمارات العمومية التي تضمنها القانون المالي لسنة 2013، مؤكدا أن الدستور ينص على أن أي تعديل في هذا الشأن يجب أن يتم بناء على مشروع قانون، وهو ما يعني أن الحكومة قامت بالترامي على صلاحيات البرلمان.
إذا كان هذا هو مجمل النقاش الذي دار حول قرار وقف تنفيذ 15 مليار درهم من الاستثمار، فان ما يثير الانتباه والاستغراب هو:
_ موقف حزب الاستقلال الذي يشرع ويرفض،
_ طبيعة التبريرات والتحليلات التي تقدمها الحكومة.

فحزب الاستقلال، جزب مشارك في الحكومة ووزراؤه منخرطون جديا في العمل والسياسات اللاشعبية التي تقودها الحكومة الملتحية، إلا أن شباط يظهر دائما نفسه كمعارض للحكومة ولخياراتها، وينتقد سياساتها اللاشعبية. وبدل اتخاذ قرار الانسحاب من الحكومة الذي سيعطي معنى لتصريحاته وخرجاته الاعلامية الملغومة، فانه لازال يلعب لعبة رجل في الحكومة ورجل في المعارضة، أي الاستفادة من خيرات التسيير الحكومي، والحيلولة دون قيام معارضة شعبية ونقابية بفعل دوره وموقعه النقابي.
أما تصريحات الحكومة ووزرائها فهي تستدعي إعادة تعريف للاقتصاد ونظرياته، فقطع العلاقة بين الاستثمار والنمو، وتجميد استثمار لتسريع انجاز استثمارات مرحلة هي بالفعل نظريات جديدة على المدارس الاقتصادية الكبرى الاستفادة منها.
فالعملية بسيطة ولا تحتاج لمعارف ومدارك كبيرة لفهمها واستيعابها، فنفقات الاستثمار لا تنجز سنويا وإنما على سنتين أو ثلاث سنوات إن لم نقل أكثر. انطلاقا من الدراسات إلى الإعلان عن الصفقات إلى الانجاز الفعلي الذي تختلف مدته من مشروع إلى آخر. وتسريع عملية الانجاز مرتبطة أساسا بالإدارة المغربية التي عليها تسهيل الإجراءات وتحديد آجال معقولة وكذا محاربة جميع أشكال الابتزاز وتطبيق القانون في حالة عدم انضباط الشركة أو المقاول لبنود الصفقة.
ان تبرير وقف 15 مليار درهم لفتح المجال للمشاريع المرحلة ذر للرماد في الأعين، فالمشاريع مستقلة وتهم مناطق مختلفة تعرف خصاصا كبيرا.
فلا يعقل تبرير عدم تخصيص ميزانية لبناء مستشفى بمنطقة تعرف خصاصا كبيرا، بعدم انجاز مستشفى في منطقة أخرى، كما أن هذا التوقيف يعني تأجيلا لمدة أخرى تمر أساسا بالدراسات، وإعلان الصفقات وانجازها على أرض الواقع.
العمليتان منفصلتان لا يجمع بينهما سوى السياسة التضليلية للحكومة، فإذا تأخر انجاز مستشفى بمنطقة، فيجب تفعيل الترسانة القانونية والزجرية المتوفرة ، وليس تأخير مستشفى آخر بمنطقة أخرى ويخص مستفيدين آخرين.

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.