آخر الأخبار :

تعويذة للصمت

142.jpg

‎عذري مازغ

" أعوذ بالله من ذنب الصمت في زمن «الإخوان المسلمين»” مقطع من قصيدة عمودية للزميلة لمى محمد.
في زمن التسمم الديني يصبح السكوت جريمة، حيث التجمعات العالمة كسحت فتاويها كل فضاء، وبغبطة العاشق للطبيعة الحياتية المعاشة، الحياة الغير مسممة بكل عوامل التلوث، كان من اللازم أيضا أن يكون هذا العاشق غير مهادنا، عليه أن يحتج ويتظاهر ويدين كل تسمم، وكان على المرأ دوما ولو بلغة القلب، اللغة التي تبني المواقف البدائية، لغة الحدس التي تسبق الوعي في اكتشاف جديد، على هذا المرأ أن يردد ولو بأضعف إيمان الذي هو نفسه الحدس مثل هذه التعويذة المباركة ليزيل عنه ماسحرته له شياطين الصمت في زمن الشياطين النجسين كهنة العصر الحٍجري.

في المغرب نسمي هذه التجمعات الواعظة تمييزا بالتجمعات العالمة، المجلس العلمي الأعلى، والمجالس الإقليمية التابعة له، ولهذه الدلالة اللفظية طابعها الإحتقاري المزدوج، احتقار الأئمة للشعب الأمي من حيث أنهم يمثلون الجهة المخول لها تفسير الوعظ الديني باعتبار لغة القرآن ولغة الحديث لغة مستعصية وإعجازية وغير مفهومة لمنطق اللغة المغربية (لاحظوا معي شكل التعاطي المصدوم للمغاربة بشان صورة والتين،التين بالمغربية هو الكرموس أو الشريحة بسكون التاء وهي من الفاكهة الحقيرة في المغرب،حين تفسر بما هي، يسقط الإعجاز ويسقط الإندهاش: العرب يسمون الشريحة تينا)، واعتبار أن الشعب ينظر إلى هذه الفئة من منظور اندهاشي بحيث هم العارفون وحدهم للشأن الديني، لكن تبقى الدلالة في بعدها السوسيولوجي تحيل إلى نوع من التنميق الإجتماعي، تمييز هذه المخلوقات الدينية عن المجالس العلمية الأخرى التي تهتم بالعلوم الوضعية بشكل عام. المجلس العلمي الأعلى هو في الثقافة الشعبية المجلس العالٍمي، رجل الدين عادة نسميه العالم رغم أنه لا يوتيه العلم في شيء، يرفع كل شيء للسماء لتنهال على الشعوب الورعة، الخائفة من الموت، من جحيم القبر وعذاب الآخرة، هذه الهالة المقدسة التي تفتق العقل منذ أول إشراقة للنور في عينك إلى اللحد، هذه الهالة هي صنيعة العالٍم عندنا، وهي في الجانب الآخر، في الآخر أقصد، في المتلقي، هي الرعب كل الرعب، والذي عادة يملك خطاب الرعب يملك تقية الإرشاد ويملك الآخر من حيث يرعبه، من المستحيل القبول بعد كل هذا الرعب أن دينا ما يملك السماحة، إن الله في الإسلام وكما تحمله إلينا النصوص، ومن خلال غربلة القرآن، ليس سوى كائن دموي، عاشق للموت، إن غربلة بسيطة للقرآن ودون الدخول في تفاصيل الإعجاز فيه، يملأه خطاب الجحيم، خذ منه كل عبارات الجحيم تجده نصا فارغا، خرافات لأنبياء أخذتهم سنة الهرولة بحثا أرض موعودة، حكايات لرعاة هلوستهم الوحدة في القفار ولم تهذبهم بعد المدنية، وأصداء غير موثوقة نسجت بلغة الجحيم للمومنين، من المعلوم جدا أن الأشخاص المومنون حقا بالحياة، يعترفون تحت الرعب بما يخلي سبيلهم، بأعمال لم يفعلوها أصلا. إن نصوصا من الرعب القرآني كافية لوحدها أن تصنع كائنات مومنة، لا وجود للسماحة في القرآن. وهذا أمر يجب أن يكون بديهيا، واعتبارا لذلك ليس الإسلام دين السماحة بل هو دين السيف ذي حدين. ليست رسالة سمحة هذه التي خطابها في عموميته يلفظ برعيد البراكين .

في المغرب أفتى مجلس العالمين بموقف إقامة الحد على صاحب الردة، يشترط فوق ذلك أن لا رجعة في الأمر وليس الفتوى أيضا قابلة للنقاش، وهو لاعتبارات شتى يمثل أغبى موقف في تاريخ المغرب المتنوع ثقافيا، وهو في الحقيقة موقف إناء ينضح بما فيه، هل يحتاج المغاربة لفتوى في الردة مع العلم أن النصوص الدينيةحافلة بما يرعب الأنفس، أي أنها نقيضة لمفهوم السماحة، أن يكون الدين سموحا معنى ذلك أن يرتد على لا سماحته، أن يكون مرعبا كما هو وهذا هو الموقف الأولي الذي تعبر عنه الفتوى، لكنه احتاج مع كثرة الهم المغربي في الأمور السياسية والإجتماعية أن يكون حيا، أن يأخذ باليسرى ما قطرته يمناه، أن يتحرك في سكونه بما يوحي بالدينامية الفعالة، أن يكون وثاقا يربط حركة الحياة بالعصر السحيق، عصر الكهنة: نعم للديموقراطية لكن في إطارها الشرعي، أن تكون كهنوتية وإسلامية، أي ببساطة أن لا تكون ديموقراطية، نعم للإلتزام بالمواثيق الدولية في ما يخص حقوق الإنسان، لكن يجب أن تتوثق بالعروة الوثقى، أن تكون هجينة ومختلة، أن تكون مذبحا إلهيا، أن تكون حقوقا إلهية وليست إنسانية، نعم لحقوق المرأة لكن شريطة ان تكون مسخا دينيا، أن تكون وعاء فارغا من الحياة، نعم نعم لكن ليس نعم، هذه ديبلوماسية الحضيض، ديبلوماسية الجبناء تمنح للآخر خطابا يشتهيه بينما تمارس على شعوبها أقذر الممارسات السياسية.

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.