آخر الأخبار :

اليوم بدأته شيوعيا و انتهيت في اَخره بورجوازيا .

بوجمعة الدغبوش
كأي مناضل محترم سعيد بيوم العمال العالمي، استفقت مبكرا و اندسست في طاكسي لكي أشارك في مسيرة العمال و الأجراء بأكادير،حيث تكون المسيرات ضخمة نوعا ما..
في الطاكسي كنت ألعن الإعلام البرجوازي الذي صور اليوم كأنه " عيد العمال " أو "عيد الشغل" و في أحسن الأحوال "يوم العمل". في حين أنه ذكرى عمالية محضة تؤرخ لنضال الطبقة العاملة من أجل تحسين ظروف عملها و عيشها انتهى بإعدام لعدة مناضلين عمالين بأمريكا..
حاولت شرح هذا الأمر لركاب الطاكسي الأربعة ولكنهم لم يكترثوا..كل ما همهم أنه يوم عطلة.
تذكرت حين كنا صغارا كنا نسمع المسيرات تهتف " فاتح ماي عيد الشغل" ونكنا ظن أنها جملة أمازيغية :" فات إي حماد أكشوض".
بحيث تعتقد أنها نفسها إن كررتها بسرعة و تعني " اعطوا لأحمد الخشب".
وكنا نتصور فعلا أن الناس يتظاهرون من أجل رد الخشب لشخص اسمه أحمد.
وصلت إلى موقع تجمع مسيرة إحدى النقابات، وكل ما وجدته منصة فارغة و من مكبر الصوت تنبعث أغنية وين الملايين وين العرب.. و أعلام فلسطين تملأ الأرجاء..
غير بعيد عنها مسيرة نقابة أخرى يتقدمها رجال الأعمال و بيروقراطيو النقابة بكروشهم الكبيرة و الكل سعيد فعلا كأنه يوم عيد.
وفي الأخير توقفت لأرى اندفاع العمال في المسيرة الأضخم على الإطلاق للنقابة الاسلامية التابعة للحكومة.
في كل هذه المسيرات مجموعة من العاملات و العمال بزي العمل الموحد لمصانعهم يحملون صور الزعماء النقابيين أو لافتات تحمل شعارات قديمة.
شعارات تعبت من سماعها منذ عقود.
اعطوا لأحمد الخشب..

الأداة الوحيدة التي تشكل سلاح العمال للدفاع عن حقوقهم وهي النقابات لم يتركها النظام و لا رجال الأعمال في سلام و أصبحت جزءا منهم ومن مؤامرتهم ..
منذ الستينات لم تجرؤ أي نقابة على تحقيق مكتسبات أو المطالبة بها، بل أقصى أمر نتمناه هو تطبيق قانون الشغل الحالي الذي يبقى حبرا على ورق مع مؤسسة مفتش الشغل و الضمان الاجتماعي و الصحي و التعويضات و الحد الأدنى للأجور..
و منذ منتصف القرن التاسع عشر طوت الحركة العمالية مكتسب يوم عمل من ثماني ساعات و نحن مازلنا في طور استجداء هذا النظام البوليسي و حلفاؤه البرجوازيين من أجل عدم طرد العمال بمجرد تأسيسهم مكتب نقابي.
أعطوا أحمد الخشبة يا أولاد الحرام..
تعبت من التنقل بين المسيرات، بحثت بلا جدوى عن طلبة اليسار و الحركة الأمازيغية لعلي أندس بينهم لأصرخ قليلا بصدق..
تعبت و توقفت عند كشك جرائد و بدأت أتأمل ملصقا إشهاريا للوطو:"هذا الأسبوع قد تربحون مليار و نصف.."
أعرف خدعة اللوطو هذه التي تصنف في مادة الاحتمالات في الرياضيات ..ولكني قلت مع" راسي"، بوجميع إن كان هؤلاء الأوغاد يحتفلون اليوم بعيد العمال و يتصنعون انتماؤهم للفقراء فلتحتفل أنت به كبرجوازي.
وهكذا قررت أن أكون اليوم غنيا ، أقنعت نفسي فعلا بأني برجوازي،اشتريت بطاقة لوطو، و ذهبت بلا تفكير إلى فندق فخم،حجزت غرفة رائعة ، استمتعت بتعابير الاحترام التي يقولها العاملون،لم يقولوا شيئا عن بطاقتي الوطنية القديمة المليئة بلصاق سكوتش..الأزمة الاقتصادية و نقص السياح جعلت الموسم السياحي غير ذي مردود و بالتالي أصبحوا يتغاضون عن كثير من التفاصيل.
غفوت قليلا على السرير الناعم و شاهدت جميع القنوات المتوفرة على التلفاز الضخم بسرعة..ثم اكتشفت المفاجأة،وجدت في الدوش مغطسا كبيرا، ملأته بالماء و وضعت كثيرا من الصابون ثم ارتميت فيه مدة طويلة و أنا أشاهد التلفاز، تماما مثل المشهد الذي يتكرر في الأفلام الأميريكية...
وأنا مغطى بالصابون من رأسي إلى قدمي كنت أغني :
"اعطوا لأحمد الخشب."

أشعلت سيجارة ماركيز و أنا في تلك الحالة الرائعة و بعد دقائق اهتز باب الغرفة بالطرقات،و الهاتف الموضوع جنب السرير لم يتوقف عن الرنين.
بسرعة قياسية فتحت الباب لأجد مدير الفندق مرعوبا و وراءه بعض العمال يسأل إن نشب حريق.
تجول في الغرفة ثم ضحك حينما رأى بقايا السيجارة:
-يبدو أن جهاز إنذار الحريق لم يعتد على دخان ماركيز الكثيف.
اعتذر عن الإزعاج، قلت له و أنا أغلق الباب : اعطوا لأحمد الخشب.

وجدت قرب السرير لائحة بأرقام هواتف المطاعم الراقية،ما علي كبرجوازي محترم إلا أن أركب الرقم و أطلب ما أريد ليأتوا به إلي.
ولا أدري لم كان الحوار مع مطعم البيتزا غريبا شيئا ما :
-الو معك سي بوجمعة الدغبوش
صوت فتاة: الو؟ ( كلام بالفرنسية) .. نعم اسيدي؟
-معك سي بوجمعة الدغبوش
-الدغبو شنو؟ سمحي لي سيدي مافهمت
وقبل أن أعيد الاسم سمعتها تصرخ:" منصف.. منصف.. أجي شوف"
وقبل أن يتحدث منصف بادرته:
-سي منصف معك السي بوجمعة الدغبوش
-مرحبا سي بوجمعة اش حب الخاطر؟
-أنا ف فندق(****) بغيت بيتزا كبيرة و اللوازم.
-ربع ساعة اسيدي تكون عندك
- ربع ساعة ؟على حسابك؟
-بطبيعة الحال
مرت عشرون دقيقة و عاودت الاتصال بهم.
-سي منصف دازت عشرين دقيقة
-سي بوجمعة ياك؟ كنت عارف واش أنت كليان عاجبو راسو...فين نتفاهمو؟ مبارزة رجل لرجل
-وخا ،نتلاقاو فالبلاصة الخاوية وراء ملعب الانبعاث،جيب السيف ديالك من هنا لساعة.
-مشات .
- بلاتي شي حد كايدق..صافي البيتزا وصلات نتفاهمو مرة اخرى سي منصف.
-بالصحة سي بوجمعة مرحبا بك.

غذا، إن شاء الله الرحمن الرحيم، إن ربحت المليار سأشتري هذه الغرفة من الفندق و أعيش فيها مدى الحياة،هذا إن أرادوا أن يعطوا أحمد خشبه.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.