آخر الأخبار :

رغم التوسع العمراني لمدينة المحمدية، لا زال سكانها مرتبطين بعادة التبضع من السوق الأسبوعي

3108.jpg

بقلم أحمد رباص من المحمدية
من البديهي أن السوق في المدينة يختلف عنه في القرية أو في البادية، ولو أن قانون العرض والطلب يحكمهما معا. وإذا كان يسهل على أي كان معرفة زمان ومكان انعقاد السوق الأسبوعي في القرية التي حل بها لأول مرة، فإن آلية السوق والتسوق في المدينة لا تشتغل فقط وفق هذا المعطى الزمكاني؛ ذلك أن المجال الحضري كله سوق مفتوح في وجه كل ذي مأرب يريد قضاءه بأداء ثمن السلعة أو الخدمة المقدمة، أما إذا كان من المعدمين-المعوزين-المفلسين- وما أكثرهم- فهو يدرج رغم أنفه ضمن خانة المتنزهين المتجولين حسب منطوق العبارة المسكوكة والمحفوظة عن ظهرقلب: "اللي ما شرى يتنزه".
إلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي، كان لمدينتنا هاته سوق أسبوعي عرف بسوق "فضالة". كان هذا السوق يقام كل أحد بين ساحات وردهات وأزقة الحيين المتجاورين: حي "السعادة" وحي "مراكش"، وكان قبلة لعدد كبير من الزوار الوافدين إما من الدار البيضاء أو من المناطق القريبة والتابعة لإقليم بنسليمان.
ولعل الشكايات التي تقدم بها سكان هذين الحيين لدى دوائر السلطة المحلية في شأن الإزعاج الذي يتسبب فيه السوق هي التي عجلت بنقله إلى جماعة "بني يخلف" حيث لا زال يقام لحد الساعة. والملاحظ بهذا الصدد أن عادة التبضع من السوق الأسبوعي لم تفقد شيئا من رسوخها وصلابتها رغم ما عرفته المدينة من توسع عمراني ونمو ديموغرافي. ما زلنا نعاين الآلاف من سكان المدينة وهم يلتحقون بالسوق القروي من الشروق إلى الغروب مشيا على الأقدام أو بامتطاء وسائل نقل عصرية وبدائيةمثل الحافلة والطاكسي و"الكارو" و"الكرويلة".
من الأسواق القديمة التي عرفت بها المدينة تاريخيا سوق "الأباطوار" الذي كان يوجد في مكان يقع الآن خلف المحكمة الوحيدة في المدينة. من خلال التسمية التي اشتهر بها هذا السوق، يظهر أنه كان في الأصل مجزرة لكنه أصبح فيما بعد سوقا قررويا، ومنذ فجر الاستقلال أمسى مختصا في استقبال وبيع الخضر والفواكه بالجملة. أما الآن فلم يعد له وجود سوى في ذاكرة أجدادنا وآبائنا.
في هذا الإطار، حكى لي أبي مرارا كيف أنه أصطحب خاله إلى هذا السوق في يوم أحد من أيام الاستعمار وكان أبي طفلا مازال. جوهر الحكاية أن "براحا" كان يطوف بين أرجاء السوق صحبة زنجي ضخم الجثة وهو يدعو من لمس في نقسه قوة إلى مصارعة الزنجي و إذا غلبه يربح ورقة خمسين درهم كان يشهرها أمام الملأ. لما انتهى فحوى الرهان الى سمع خال أبي المتحدر من المنطقة التي رأى فيها الدكتور المعطي منجيب النور، نزع جلبابه وقال لابن أخته "شد آلبرهوش هاذ الجلابية" وتقدم نحو "البراح" معلنا عن استعداده لمصارعة الزنجي، وما هي إلا لحظات حتى أسقط خالي الزنجي أرضا بقوة تطاير معها الغبار فانبهر الحاضرون..ربح خالي ورقة الخمسين درهما وما أدراك ما الخمسين درهما في ذلك الوقت العصيب.
في ارتباط بثيمة أسواق المدينة، عرف النسيج التجاري المحلي إضافة نوعية جديدة تمثلت في بناء فضاء "مرجان" التجاري غير بعيد عن مصب واد "النفيفيخ" وقبالة أحياء سكنية راقية، مثل: مونيكا -الأوريانطال -ياسمينة -شمس، وبجوار مؤسسات تعليمية جامعية ، مثل:كلية العلوم والتقنيات وكلية الحقوق والاقتصاد والمعهد العالي للسياحة. في السنوات الأخيرة، شهد شارع الحسن الثاني، وبالضبط بمحاذاة مصنع "سطرافور"، إضافة فضاء تجاري ضخم موسوم ب"أسواق السلام" الذي يتميز عن "مرجان" بعدم بيعه لأي نوع من أواع الخمور..وعلى ذكر هذه الأخيرة، فقد انضافت الى حانات المدينة ومحلات بيع الخمور بها فضاءات عصرية معروفة ب"لابيل في".
طلبا للاختصار، نتوقف قليلا عند بعض الأسواق الأخرى ونبدأ بسوق "الجوطية". حافظ هذا السوق على اسمه (الجوطية) الذي يعكس فعلا هويته مع انه هو الآخر عرف تغييرا وترحيلا. أصبح يستقطب أعدادا كبيرة من التجار والزوار والمتبضعين، لكن صغر حجم حوانيته وعدم أخراجه من محيط مسجد "مالي"- القلب النابض للعالية- جعلاه يفرز مشاكل عديدة كالتزاحم عبر أروقة السلع المعروضة في عين المكان المخصص للراجلين؛ الشيء الذي يسهل المأمورية على محترفي "رياضة الأصابع" ،واكتظاظ المداخل والممرات بعربات الباعة المتجولين، والامتداد جنوبا انطلاقا من حي "دوشمان" وصولا إلى ساحة المسجد التي تكون في عصر كل يوم على موعد مع "حلقات" يديرها إما عشاب أو مشعود أو مهرج فنان في أجواء تذكرنا بما يجري من فرجة بجامع "الفنا".
كما تجدر الإشارة أن حي "الرشيدية" المستحدث في إطار إعادة إيواء سكان "البراريك" استضاف منذ منتصف التسعينيات سوقا عشوائيا لبيع الخضر بالجملة والتقسيط. منذ انطلاقه، توسع سوق "الرشيدية" وتمددت أطرافه حيث نصبت على هامشه خيام بلاستيكية ونبتت اكواخ خشبية كالفطر ما جعل المكان يبدو كلوحة سوريالية غاية في القبح والبشاعة. لكن فيما بعد تم نقل هذا السوق إلى منطقة "المصباحيات" بمحاذاة سوق المتلاشيات. بيد أن ما يلاحظ على سوق الجملة الجديد هو الارتجالية التي طبعت تحديد مكانه حيث لم تجهز أرضيته بتعلية أو بنية تحتية تقيه الفيضان وزحف الأوحال، الأمر الذي يجعل الراغب في الدخول إليه مجبرا على انتعال حذاء مطاطي متين، (botte) يعني...
Riadahmed

نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.