آخر الأخبار :

دومينيك فيدال يتحدث في آخر حوار له عن الإرهاب اليهودي

ترجمة أحمد رباص
تقديم
بعدما كان صحافيا في الأسبوعيات الشيوعية ك"France nouvelle" و"Révolution" التي أعفي منها بمعية ثلث هيئة التحرير سنة 1987، عمل لفائدة جرائد مختلفة، منها "La croix" التي بقي فيها إلى حدود 1991. فيما بعد، أصبح مديرا دوليا لمركز تكوين وتجويد الصحافيين" ورئيسا للجمعية الأوربية للتكوين في الصحافة. سنة 1995 التحق بالمجموعة الدائمة ل"Monde diplomatique" التي أصبح رئيسها تحريرها المساعد ثم مسؤولا فيها عن المنشورات الدولية وعن التنمية. باعتباره متخصصا في الشرق الأوسط، لا سيما في الصراع الإسرائيلي-العربي، أفرد له دومينيك فيدال عدة كتب، ألفها بمفرده أو بالاشتراك، خاصة مع زميله ألان جريش.
حينما تأثر عن حق المجتمع الدولي بالعمل الإرهابي الشنيع الذي قام به المستوطنون الإسرائيليون في دوما والذي تسبب في الموت حرقا لعدة أفراد من عائلة دوابش، من ضمنهم رضيع لم يعش سوى بضعة أشهر. رغم ذلك، فالمثير حقا هو الإيحاء بأنه تم "اكتشاف" ظاهرة قديمة مرت في صمت: الإرهاب اليهودي.
في هذا الحوار، يقدم دومينيك فيدال تحليلا وإجابات تضع الأشياء ضمن سياق تاريخي وسياسي مهمل كليا، عن خطإ، من قبل الهيئة الصحافية لوسائل الإعلام السائدة وأيضا من قبل الطبقة السياسية والدبلوماسية الدولية.


- بالعودة أولا إلى العمل الشنيع المرتكب مؤخرا بمدينة دوما من قبل مستوطنين إسرائيليين شاهدنا كيف وصف لأول مرة بالعمل "الإرهابي" من طرف الحكومة الإسرائيلية وبنيامين نتنياهو شخصيا، كيف تعرفون مفهوم الإرهاب؟
+ ليس هناك تعريف للإرهاب في القانون الدولي، مع أن منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي عكفا على الموضوع. في نظري، يتمثل الإرهاب في التعامل بعنف مع مدنيين أبرياء من أجل منع ساكنة من معارضة سياسة ما. وهذا ينطبق على الإرهاب الفردي، على الإرهاب الجماعي وعلى إرهاب الدولة.
- عندما وصف بنيامين نتنياهو هذا العمل ب"الإرهابي" ودعا الرئيس محمود عباس لأول مرة منذ زمن بعيد وسوف يتم استقباله من قبل الضحايا، هل كان جديرا بالتصديق؟
+ لا، أبدا. إسرائيل ومستوطنوها يراكمون جرائم الحرب منذ عقود. ببساطة، هو يعلم أن هذا الرضيع المحروق حيا يوشك على مفاقمة عزلة إسرائيل عن المنتظم الدولي. كذلك وقع هذا الاعتداء الشنيع بعد انصرام وقت وجيز على الهجوم على مسيرة "Gay Pride" (الخاصة بالشواذ) بالقدس. ففي سياق من الاتهامات الحادة أكثر فأكثر تجاه سياسة إسرائيل ضمن الرأي العام الدولي والحكومات، لا يستطيع نتنياهو أن يبقى صامتا.
العديد من الملاحظين بدوا متفاجئين بهذا العمل الإرهابي الصادر عن اليهود الإسرائيليين. إن تفاجؤهم يشكل في حد ذاته مفاجأة: الإرهاب اليهودي في فلسطين موجود منذ زمن بعيد. أنا لا أتحدث عن إرهاب الدولة، بل عن هذا النمط من الأعمال الفردية أو الجماعية التي كتبت لنا رؤيتها هذا الصيف. يمكن الرجوع إلى ماقبل الحرب، لنجد الإرهاب الذي تعاطاه ال"Irgoun" لمناحم بيغن وال"Lehy" لإسحاق رابين- وأحيانا ال"Hagana" لدفيد بنغوريون- ضد قوات الانتداب البريطاني وضد الساكنة الفلسطينية من خلال أعمال إرهابية.
رأينا هذا العنف يتعمم خلال الحرب من 1947 إلى 1949 لغاية ترهيب السكان الفليسطينيين وحملهم على الرحيل. نهاية هذه الحرب لم تضع حدا لهذا الإرهاب: الدليل على ذلك محاولة اغتيال الأمين العام للحزب الشيوعي الإسرائيلي بتل أبيب سنة 1967، لا لاشيء سوى لأنه عارض الحرب التي دق طبولها الجنرالات. في بداية عقد الثمانينيات، اعتدت شبكات سرية على بعض عمداء الضفة الغربية، أذكر منهم عمدة نابلس بسام شعاكة الذي فقد ساقيه. في 1983، تعرضت الثانوية الإسلامية بمدينة الخليل لهجوم أسفر عن ثلاثة قتلى، وفي نفس السنة ألقيت قنبلة يدوية على مظاهرة دعت اليها منظمة "السلام الآن" فأصابت مناضلا إسرائيليا يدعى إميل غرونسويغ وأردته قتيلا . في 1984، ألقي القبض على متطرفين كانوا بصدد نسف مسجد عمر بن الخطاب في القدس بالديناميت. في 1986، كان حظر تنظيم "Kach" الإجراء الوحيد لردع هذه الحركات، بينما ظلت ثلاث تشكيلات من أقصى اليمين مقيمة في الكنيسيت.
بعد اتفاقات أوسلو ظهرت دينامية إرهابية جديدة مع مذبحة الخليل سنة 1994 واغتيال إسحاق رابين سنة 1995. وحسب اللجنة المكلفة بالبحث، لم ينتج هذا الاغتيال الذي ارتكبه إيغال أمير عن أية مؤامرة، كل ما هناك هو أن اليمين يتحمل فيه كامل المسؤولية ما دام قد تكفل بالحملة الشعواء التي قام بها المتطرفون ضد إسحاق رابين. لا زلت أتذكر صور نتنياهو وهو يخاطب الحشد في لقاء تؤثته لافتات تنعت رابين بالنازي.
تقريبا كل هذه العمليات تشترك في نقطة واحدة وهي أنها من عمل المستوطنين اليهود المتحدرين من حركة "Gush Emunim" المؤسسة في سنوات السبعينيات من أجل توسيع الاستيطان في الضفة الغربية. كلما زادت الحكومات المتعاقبة من عدد المستوطنات كلما استفادت هذه الأعمال من إفلات شبه كلي من العقاب.
لكن في خلفية اللوحة، هناك أيضا تطور الرأي العام الإسرائيلي: استطلاعات الرأي بينت أن النزعة العنصرية ضد العرب لم تكف نسبتها عن الارتفاع ضمن الساكنة اليهودية خلال فترة زمنية تتراوح بين 20 و30 سنة. لم يكن ذلك بدون انعكاس: تذكروا ما وقع في السنة الماضية من مظاهرات حاشدة ارتفعت فيها أصوات تصدح ب"الموت للعرب"، بينما الجيش يلقي بالقنابل على قطاع غزة. هذه الكراهية تجسدت بمقتل الشاب محمد أبو خضير حرقا على يد ثلاثة مراهقين من القدس. نتفهم كيف أن الرئيس روفين ريفلين عبر بقوة عن "خجله" حيال ما وقع بمدينة دوما.
- عندما نذكر هذه العمليات ونحاول فهم هذه المفاجأة على مستوى العناصر الثلاثة التي هي: إرهاب سياسي من أقصى اليمين، إرهاب المستوطنين وإرهاب منظم من الدولة الإسرائيلية، كيف يمكن التعامل مع هذه الطبقات الثلات؟ كل على حدة أم انها متداخلة فيما بينها؟ بالعودة إلى أصول هذا الإرهاب، ألا يكون عندنا من البداية نواة تفسر لنا تجذر هذا العنف الذي تمأسس ليصل إلى ما هو عليه الآن؟
+ نعم، أعتقد أن ليس تمة ذبال مشترك، الذي هو استعمال العنف من طرف الحركة الوطنية اليهودية. كل شيء بدأ بالجملة مع الدعم الممنوح من ال"Hagana" والميليشيات المعدلة للجنود البريطانيين لأجل سحق الانتفاضة الفلسطينية لسنوات 1936-1939. تتابعت، كما رأينا، سلسلة كاملة من المراحل التي عرفها نمو هذا العنف.
يجب فعلا تمييز إرهاب الدولة الذي تشهد عليه دولة إسرائيل في علاقاتها عن إرهاب المستوطنين واقصى اليمين الذين يشكلون في نظري كلا واحدا. ذلك أن إرهاب أقصى اليمين مرتبط مباشرة بالمستوطنات. هذا ما زال واضحا منذ نهاية الانتفاضة الثانية، التي شهدت تشكل حركات من مستوطنين إرهابيين اتخذت لها أسماء من مثل "شباب المستوطنات" او جماعة "الثمن المؤدى". بالنسبة للأخيرة، يتعلق الأمر بالانتقام من الساكنة الفليسطينية في حال إقدامها على معاكسة أي قرار من السلطات الإسرائيلية له علاقة بالاستيطان. مثلا، في حالة حريق دوما، كان الأمر يتعلق بانتقام بعد الأمر الصادرعن المحكمة العليا الإسرائيلية بهدم منزلين تم بناؤهما عشوائيا في مستوطنة "Beit El". نتنياهو لم يستطع منع تنفيذ هذا الحكم، لكنه في اليوم نفسه أعلن عن "البناء الفوري" ل300 مسكن جديد. هذا لم يمنع جماعة "الثمن المؤدى" من إضرام النار في منزل الدوابشة. هناك إذن استمرارية بين إرهاب الدولة الإسرائيلية وبين إرهاب المستوطنين وأقصى اليمين، بالإضافة إلى الإفلات من العقاب الذي ينعم به هذا الأخير.
هناك نقطة أخرى مهمة: علاقة الإرهاب بالدين. أعتقد أنه من الخطإ إلصاق تهمة الإرهاب اليهودي بالدين، حتى ولو تم تقديم الأول على انه ديني. أكيد الأورثودوكسيا المفرطة، كما تطورت، تنتج خطابا تبريريا للاستيطان باسم "Eretz Israel"، بيد أن ذلك ليس سوى تعلة.
بالمقابل، في حالة الاعتداء على "Gay Pride"، نستطيع أن نرى إلى أي مدى تمكنت الأورثودوكسيا المفرطة، عبر رؤيتها التجزيئية والرجعية للمجتمع، من الإفضاء مباشرة إلى الأعمال الإرهابية. الشيء غير القابل للتصديق في هذه القضية هو أن المتهم أطلق سراحه لتوه بعد عشر سنوات قضاها وراء القضبان بسبب اقترافه لنفس الجريمة أثناء مظاهرة "Gay Pride" لسنة 2005. ثمة إذن تساؤل معقول حول مسؤولية السلطات.
- إسرائيل تبرر فظاعة استيطانها ومعاملاتها اللاإنسانية للفلسطينيين باعتبار ذلك ردا على "إرهاب" هؤلاء الأخيرين، لكن بوصف مأساة حي دوما بالقدس على أنه عمل إرهابي، هل يكون الرد على الإرهابيين نفسه كلما تعلق الأمر بإسرائليين؟
+ الوقائع ثابتة هناك منذ الحريق: البحث لم يفض إلى أية نتيجة ملموسة. هذه الماكينة الشهيرة التي هي التعليمات الإسرائيلية لا تصلح لشيء. ليس هناك، مرة أخرى، أية مفاجأة: الإرهاب اليهودي يتمتع بإفلات من العقاب شبه كلي. الأرقام بليغة: استنادا إلى مصدر فلسطيني تم في العشرية الماضية إحصاء 10.000 هجوم من المستوطنين على الفلسطينيين دون اعتقال ومحاكمة ولو معتد واحد.
لايتعلق الأمر هنا بإرادة سيئة، بل بإيديولوجيا، بإطار اشتغال المصالح الذي يمنعهم من ردع الإرهابيين جديا عندما يكون هؤلاء يهودا.أتساءل كذلك بأي مقياس هم مستعدون تقنيا لردع هذا الجانب بالذات. بكل بداهة، يسود لايقين كبير على مستوى السلطة العليا للدولةبشأن ما ينبغي فعله. إذا كان الأمر يتعلق بهجوم فلسطيني على مدنيين إسرائيليين، فأعتقد أنه ستكون لدينا الكثير من الردود بأسرع ما يمكن.وفي حالة ما إذا لم تتوال التصريحات عقب الأحداث فمعنى ذلك أنها غير ذات قيمة تذكر.
- فيما يخص هذه المسألة، اشتهرت مصالح الاستخبارات الإسرائيلية بقدرتها على التدخل في أي بقعة من العالم. كانت تلك، من جهة أخرى، هي الحالة في مناسبات كثيرة، مع أكبر قدر، مرة أخرى، من الاستهتار بالسيادات القومية والقانون الدولي وهنا أيضا دون أدنى عقاب. مع ذلك، يوجد نوع من الحسر الداخلي، كيف تفسرون ذلك؟
+ أنت تخلط بين جهازين مختلفين تماما: الموساد (المتجه إلى الخارج) والشين بيت (نظيره الذي يقتصر على الأمن الداخلي). غالبا ما ظهر الشين بيت عاجزا عن التصدي للإرهاب حالما كان يهوديا. مقتل رابين خير شاهد على ذلك: كل واحد يعلم أن إيغال أمير كان على اتصال مع الشين بيت. ما ذا نستنتج من هذا (المعطى)؟ نفس السؤال يطرح من جهة أخرى في فرنسا بشأن قضية مراح وآخرون.
- الكثير من السياسيين والدبلوماسيين والمختصين يضعون موضع سؤال حل الدولتين بحكم ان هناك 580.000 مستوطن إسرائيلي يعيشون في مستوطنات كلها غير شرعية. بالنظر إلى العمل التخريبي الذي باشرته الحكومات الإسرائيلية المختلفة، وبالنظر إلى الظرفية الدولية،هل هم على حق؟
+ أنا معجب بالزملاء والمختصين الذين يعلمون من اليوم أن الدولة الفليسطينية ليست قابلة للحياة بالمرة. أعتقد من جهتي أننا نعيش في مرحلة من اللايقين بالشرقين: الأدنى والأوسط. وهذا ينطبق على حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
شخصيا، أشعر بتطابق محكم مع الغير في شأن فكرة دولة بقوميتين.
أولا، أجد أن ذلك نموذج مثالي جميل، فأنا لا أرتاح للدول الإثنية، فضلا عن كونها تؤدي إلى التصفيات العرقية.
ثانيا،هذا النموذج المثالي تغوص جذوره عميقا. في السابق، ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الاتجاه. ومن الجانب اليهودي، في ما بين الحربين، امتدح البعض هذه الفدرالية بوطنين عربي ويهودي: خلال الاقتراع الداخلي الأخير للجماعة اليهودية سنة 1944، حصل دعاة حل دولة بقوميتين على 40 % من الأصوات.
ثالثا، حل الدولة ذات القوميتين يبدو مناسبا لحلحلة عدة ملفات من النزاع، مثل الحدود والعاصمة.
لكن العقل يفرض الشك في قابلية تنفيذ هذا النموذج المثالي. أولا، لحد الساعة، الشعبان متعارضان، بشكل تام من الجانب الإسرائيلي، وبشكل جزئي من الجانب الفليسطيني. ثم هناك سؤال منطقي: إذا لم تفرض منظمة التحرير الفليسطينية وحلفاؤها على إسرائيل دولة فليسطينية بجانبها، فبأي علاقة قوة سينتزعون منها الاعتراف بدولة من قوميتين، علما أن هذه الأخيرة تعني نهاية المشروع الصهيوني لدولة يهودية؟ من هنا ينبع السؤال الثالث: في غياب علاقات قوة كافية، ألا توشك الدولة ذات القوميتين على تعزيز (فكرة) إسرائيل الكبرى؟
بكل بداهة، الطريق نحو المساواة والحقوق سوف يكون طويلا وملغوما بالمكائد. غير أن الفليسطينيين لن يعودوا أبدا يعتمدون على المجتمع الدولي، الذي يختبئ وراء تحويل نزاع دولي إلى شأن داخلي.
شخصيا، خبرت الفترة التي لم تكن فيها كلمة فليسطين معروفة، حيث كان يجري الحديث عن لاجئين وليس عن فلسطينيين. هل ينبغي الرجوع إليها، ومن ثم، التخلي عن أهم مكتسب (حققته) منظمة التحرير الفلسطينية: كونها أقنعت الجزء الأكبر من الرأي العام الدولي ومن دول العالم بأن للفلسطينيين الحق في دولة- يعترف بها 136 بلدا على نحو صوري؟
طالما أن الفلسطينيين يتمنون ذلك، فمن الأجدر إذن، في رأيي، الذهاب إلى أقصى منتهى محاولة فرض حل الدولتين، والرهان، بالتالي، على مسعى جديد لدى الأمم المتحدة، أخذا بعين الاعتبار العزلة الحالية لإسرائيل. سوف يكون من العبث إهمال المستوى الذي وصل إليه مقت السياسة الإسرائيلية على الصعيد العالمي. في جميع الحالات، تلك قضية تهم الفلسطيينيين والإسرائيليين ممن يناصرون تقرير مصيرهم بأنفسهم. بكل صراحة، آن الأوان لكي يكف المثقفون الفرنسيون عن أن يشرحوا لكل واحد كيفية قيادة الثورة التي نحن عاجزون عن إنجاحها بين ظهرانينا.
- هل يمكن لنا أن نتحدث عن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عندما نعلم بالدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي الذي تستفيد منه إسرائيل، كما تستفيد من المساندة من لدن الاتحاد الأوربي ومن حمايات أخرى تقليدية قوية (إنجلترا، أوستراليا، ألمانيا...إلخ)؟ علما بأن في الجانب الآخر شعب يحارب بمفرده؟
+ صحيح أن هذه المعركة يتوجه فيها الجرة الإسرائيلية الحديدية مع الجرة الطينية الفلسطينية. لا يستقيم أن يتصارع وجها لوجه قوة عسكرية واقتصادية عظمى مدعومة من حلفاء كثر مع شعب محتل يحظى بخطابات جميلة أكثر مما يستفيد من مساعدات ملموسة.
قد تجانب الصواب اذا لم تقدر التطورات الجارية حق قدرها. البعض منها سلبي -أفكر في التقارب بين روسيا وكذلك الهند مع إسرائيل. البعض الآخر إيجابي. على بالي التوترات التي طبعت العلاقات الإسرائيلو-أمريكية منذ الولاية الأولى لبراك أوباما، والتي سوف تتفاقم بشكل ملحوظ مع الاتفاقية النووية الإيرانية. لا شيء يخبرنا بأن خليفته سوف يحتفظ بنفس الحالة العقلية. لكني واحد من أولائك الذين يعتقدون أن النقاش، داخل المؤسسة الأمريكية، حول كلفة التحالف اللامشروط مع إسرائيل سوف يستمر.
منذ الآن، وقد سبق أن قلتها، يمثل انطلاق حملات الBDS، والعقوبات المقررة من قبل فاعلين اقتصاديين مهمين، و"الخطوط الموجهة" للاتحاد الأوربي، والاعترافات البرلمانية وخاصة الدولتية بفلسطين، ودخول الأخيرة إلى منظمة الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية وقائع مكتملة ومستدامة.
تبقى مسألة بيداغوجية. لقد تعودت على استعمال مفردات يستعملها الناس ويفهمونها. في بداية الBDS، التي تعني Boycott Désinvestissement Sanction، قيل بأنه كان من الأحسن أن يقال BDS لأجل الالتفاف على Boycott. إلا أننا إذا أردنا أن نفعل مقاطعة ينبغي علينا الجهر والقيام بها! كذلك الشأن بالنسبة لجيلي، الذي كان عليه أن يناضل من أجل إدراج مفردة "فلسطيني" في حين أن وسائل الإعلام لا تتحدث إلا عن "نزاع إسرائيلو-عربي"، فالتمكن من فرض عبارة "النزاع الإسرائيلو- فلسطيني" يبدو لي إيجابيا.
- ...إلى حد أن ملياردير أمريكي نظم حركة مضادة لBDS، مستثمرا 20 مليون دولار دفعة واحدة. هذا نابع من إرادة سياسية لتجريم الBDS، مثلما أراد كلينتون أن يفعل. وفي إسرائيل أصبحت معاكسة حركات الBDS وتجريمها في الداخل والخارج من أولويات الحكومة والاستعلامات.
+ بالأمس، كان القادة الإسرائيليون يتهكمون على حملات الBDS. من الآن فصاعدا، أصبحوا يهابونها. من هنا فداحة المس بالحريات. تتمثل الخطة التكتيكية لنتنياهو مضايقة الجمعيات غير الحكومية الناشطة في مجال حقوق الإنسان باعتبارها كذلك. كل جمعية تتلقى أكثر من 50.000 دولار تؤدي ضريبة أكثر ثقلا. في نفس الوقت، النائبة الجديدة لوزير الشؤون الخارجية تسيبي هوتو فيلي فرضت على نظرائها الأوربيين التوقف عن تمويل هذا الصنف من الجمعيات. الديمقراطية الإسرائيلية ذاتها توجد الآن في خطر.
- في ذروة الأزمة والهجمات على قطاع غزة، اعترف السفير الإسرائيلي بالأمم المتحدة بالعنف الممارس غير أنه جعل المواجهة تتم بين دولة ديمقراطية وعباس المستبد. هل يمكن لنا أن نتنظم سياسيا بنفس الطريقة في زمن الحرب والهشاشة كما في زمن السلم والرخاء؟ أليس من النفاق أن نطلب من دولة لا نعترف بها أن تتنظم بطريقة ديمقراطية وبان تتوفر على نفس معايير الديمقراطيات الغربية؟
+ هذا ليس نفاقا بل فاحشة. من العار أن نؤاخذ على شعب محتل منذ 1967، تحولت حياته اليومية إلى جحيم، ولم يترك له أي مكسب، عدم قدرته على أن يتنظم ديمقراطيا. أما فيما يخص الديمقراطية الإسرائيلية، فهي لا توجد إلا في أذهان اليهود- وإنما بقدر يقل شيئا فشيئا، كما رأينا- ولا أثر لها بالنسبة للعرب وبالأحرى كذلك بنسبة أقل لدى من يقيمون في الأراضي المحتلة. لكن، من هو الذي ما زال يثق في الخطاب حول الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط؟ تتحول الكلمات إلى فقاعات حالما تصطدم بالواقع. أبانت ردود الفعل ضد عملية "تل أل أبيب-على-نهر السين" إلى أي مدى تراجعت صورة إسرائيل لدى الرأي العام، خاصة في فرنسا. صحيح، عندنا، أن أربعة أخماس من المبحوثين يتبنون حل دولة فلسطينية بجانب إسرائيل.
- دبلوماسي إسرائيلي بباريس علق على الحدث في المواقع الاجتماعية معتبرا أنه يكفي أن تتظاهر "عصابة من المسلمين" في فرنسا حتى يتراجع القانون. بما يذكرك هذا؟
هذه الإسلاموفوبيا الوضيعة تذكرني على الخصوص بكون أفيغدور ليبرمان ظل لمدة طويلة وزيرا للشؤون الخارجية وأعاد هيكلة الهيئة الدبلوماسية على هواه. والأنكى من أي سفير لإسرائيل في باريس داني دانون الذي عين مبعوثا لدى الأمم المتحدة: هذا المتطرف المعروف برفضه الصارم لحل الدولتين سوف يكون له الكثير مما يفعله في نيويورك! لو كنت ممثلا لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة لقلت: "مع عدو بهذا الشكل، لا اكون في حاجة إلى أصدقاء". إنما كلا، فلسطين في حاجة إلى أصدقاء أكثر من أي وقت مضى.


المصدر: PALESTINO-DIPLO.COM




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.