آخر الأخبار :

المغرب بعيون برازيلية: بين المًتخيل والواقعي. من مغرب شراء المرأة بالجمال إلى مغرب كرة القدم والسحر والجمال إلى مغرب داعش.

بقلم عبد الرحمان بلحداد / البرازيل
نظرة نسبة مهمة من البرازيليين للمغرب قبل سنة 2001، أي قبل عرض حلقات المسلسل البرازيلي (جاد أوالمستنسخ) التي تم تصويرها في المغرب، متناولة الواقع المغربي.
لأسباب موضوعية، منها أن البرازيل هو قارة بحد ذاتها وبها تنوع على مستويات عدة بين مناطقه، فإن نسبة هامة من البرازيليين كانت تقوم بزيارة داخلية لمناطق سياحية بالبرازيل أو تسافر للولايات المتحدة الأمريكية ولأستراليا ولدول أوربية بعينها أو تكتفي بزيارة دول الجوار بأمريكا اللاتينية. فالبرازيلي، عدا لغته البرتغالية، يتحدث اللغة الإنجليزية المنتشرة بشكل واسع ويتعلم الإسبانية القريبة من البرتغالية، وهي ثاني لغة أجنبية من حيث الإنتشار، ولهذا فقد كان يسافر لبلد يتحدث الإنجليزية أو لغة قريبة من البرتغالية كالإسبانية والإيطالية. ولهذا كان المغرب خارج نطاق لائحة البلدان التي تجتذب البرازيليين قبل سنة 2001. وكان البرازيليون آنذاك يتناقلون فكرة أن المرأة البرازيلية التي تسافر إلى مدينة، مثل مراكش سوف تُختطف ويتم بيعها لمن يشتريها من سارقها بألف ناقة وألف جمل!!
وقبل سنة 2001، كنت تجد أن عددا كبيرا من البرازيليين الذين كنت تلتقي بهم يعتقد أن المغرب هو بلد أوربي. ولعل سبب هذا يرجع للشهرة التي كانت للمغرب بسبب كرة القدم وألعاب أخرى رياضية، جعلت أسماء مثل عويطة ونوال المتوكل واردة ومتكررة آنذاك. وربما أن لاسم المغرب بالبرتغالية (والذي يُنطق هكذا: ماغوكوس) دور في الإيهام بأن المغرب لا يمكن أن يكون بلدا عربيا مادامت نهاية الكلمة هي أشبه بنهاية أسماء لاتينية مثل (ماركوس). هذا على كل حال هو ما تصورته بعد أن استغربت لكون البرازيليين يربطون المغرب بالقارة الأوربية لا بأمنا وقارتنا: أفريقيا، التي إليها ننتسب وفيها ترعرعنا.
نظرة غالبية البرازيليين للمغرب بعد سنة 2001.
لاشك أن نظرة الناس حول بلد معين بل حتى حول بلدهم تختلف انطلاقا من معايشاتهم وخيباتهم أو نجاحاتهم وأذواقهم وأفكارهم وثقافاتهم. وقد تغيرت نظرة البرازيليين عن المغرب تدريجيا انطلاقا من أكتوبر من سنة 2001. وهو التاريخ الذي تزامن مع بث مسلسل (جاد أو (المستنسخ)، كما هي الترجمة الحرفية له. وهذا المسلسل، المكون من 250 حلقة كانت تُعرض يوميا وخلال ما يربو على سنتين، به مشاهد تنقل نظرة سلبية وأخرى إيجابية عن المغرب.
ويختلف تقديرمستوى تصويره للواقع المغربي من شخص لآخر. كما أن قناة (غلوبو) التي أنتجته وعرضته هي عموما قناة مُغرضة ، حتى فيما يتعلق بالواقع البرازيلي ومصالح الشريحة الواسعة منه، حيث ينظر لها المثقفون البرازيليون على أنها قناة تخدم أكثر مصالح الفئة المتحكمة في الإقتصاد البرازيلي، والتي تساهم في صياغة القرار السياسي بأشكال عدة، مباشرة وغير مباشرة. وبالرغم من هذا، يصعب تلمس واستشعار النوايا الخفية للقناة إلا بعد قراءة واعية وتحليل لحلقات المسلسل عبر تتبعها كلها. ففي بعض مشاهد حلقات بعينها ترى الكاميرا وقد قامت بنقل مفاجئ للمشهد (تصاحبه موسيقى عربية أو برازيلية أو الإثنتين معا) كي تنقلك من المغرب وهي تجوب شوارعه وبيوته إلى مشهد آخر يعرض مدينة ريو دي جانيرو من السماء، ناقلا الجمال الطبيعي الذي لم يساهم الإنسان البرازيلي في بنائه بل في تخريبه. هذه النقلة للمشهد تتعمد إظهار الأماكن المنظمة والنظيفة والجميلة بالمدينة البرازيلية يليه هروب مفضوح من بشاعة مناظر أخرى بالمدينة البرازيلية لكي ينقل المنظر من السماء، حيث لا تظهر عورات المدينة ومظاهر فقرها وتعاستها وعنفها وعشوائيتها. وفي الوقت ذاته وتماشيا مع موضوعه، يقوم المسلسل بتصوير المدينة القديمة لكل من مراكش وفاس، مركزا، أيضا وخاصة على مظاهر الفقر والتعاسة والتهميش وسوء الحال.
حينما تنتهي حلقات المسلسل تجد نفسك تتصور المغرب وكأنه، بميدنتيه الحاملتان لكل معنى روحي وتاريخي وحضاري، قد توقف في نقطة معينة وبعيدة من الزمن، لكي تستنتج أن الحمولة الثقافية للمغرب ببعض عاداتها (المتخلفة) هي ما جعل المغرب لا يتحدى أسواره ولا يتجاوزها. لو تحدث المسلسل عن مظاهر التخلف الثقافي مثل الشعوذة وغيره لهان الأمر، لكنه تناول عادات تواكب مظاهر الإحتفال وبالغ في إظهارها وأظاف المسلسل من عندياته ما لا علاقة له بحقيقة تلك المظاهر الثقافية. ومثلما أن لكل شعب عاداته فللمغرب عاداته، لكن من يعرف سياسة القناة وأهدافها لن يتوقع منها غير ذلك. والمسلسل، رغم ذلك كله، يصور أمورا إيجابية كثيرة لها علاقة بشخصية الإنسان المغربي وبثقافته وبالعلاقات المجتمعية. ومن إيجابيات المسلسل أنه جعل 200 مليون برازيلي يكرر اسم المغرب أكثر مما يشير إلى بلد آخر كما جعل المغرب قبلة سياحية للبرازيليين وجعله، كبلد عربي، منافسا لمصر بأهراماتها من حيث الشهرة في البرازيل.
لم يُساهم المسلسل المذكور في تغيير الصورة النمطية التي كانت من قبل عن المغرب، بل على عكس ذلك، حيث كرسها بشكل ما، لكن إثارته للموضوع وتناوله للمغرب وثقافته حفز نسبة كبيرة من البرازيليين لكي يروا بالعين المُجردة من كل خبث وإغراض أن مغرب المسلسل ليس كمغرب المُعاينة. وعلى كل، فالمغرب، شأنه شأن بلدان كثيرة حينما تزوره لابد وأن تجتذبك إليه أمور إيجابية وتُنفرك منه أو تُحزنك فيه أمور أخرى سلبية. فمن شكاوى البرازيليات، مثلا، أن الحضور الكثيف للشرطة بالمغرب يجعل الأجنبي يحس أنه في بلد يخنق حريات الناس في التجول. كما يشتكي البرازيليا من أن مطاردة أعين الناس لهن ولغيرهن يجعل من المغرب بلدا يحرم المرأة من حقها وحريتها في الحركة والتجوال بسبب مظاهر وحالات التحرش. أما عموم البرازيليين الذين زاروا المغرب، رجالا ونساء، فيتنتقدون غياب النظافة في مطاعمنا بالمغرب، إلا أنهم سرعان ما يعبرون عن طيبوبة لمسوها في الإنسان المغربي، من خلال تجاربهم ومعايشاتهم. كما أن البرازيليين الذين قاموا بزيارات للمغرب متفقون على أن المغرب به جمال طبيعي وتعدد ثقافي رائع وسحر يجعل زائره يحس وكأنه في سفر عبر التاريخ.
الوجه الآخر لمسألة عرض المسلسل وتأثيره هو وأمور أخرى على صورة العرب والمسلمين في البرازيل:
إذا كان صحيحا القول بأن عرض المسلسل المذكور قد جعل مغاربة البرازيل يعتزون بالشهرة التي صار بلدهم يتمتع بها في البرازيل، فإن ذلك جعلهم، أيضا، يتأسفون لكون المسلسل البرازيلي قد قدم للشعب البرازيلي صورا عن المغرب، تلته تغطيات صحفية كثيرة وبرامج خاصة ومن قنوات برازيلية عدة وعلى طول 14 سنة لتربط المغرب ببعده العربي ـ الإسلامي، بما في ذلك من مظاهر تهميش لدور المرأة المغربية وهضم لحقوقها، مصورة الإنسان المغربي بأنه مزواج وراغب في التعدد وكأن هذه هي حالة كل المغاربة. ثم لتصور مظاهر التعاسة والبؤس في بلدنا، مُركزة عليها، في تكرار فج لما سبق أن قام به المسلسل الذي أشرنا إليه. ربما أن تذمر مغاربة البرازيل من أمر مثل هذا يرجع إلى كون تغطيات مثل هذه عن بلدنا لا تشجع قطاعا كبيرا من البرازيليين، الراغبين في زيارة المغرب كما تُولد نظرة نمطية ومُعممة عن المغرب والمغاربة. وتأتي غزوات داعش وقبلها غزوات الأوس والخزرج في عالمنا العربي المترامي الأطراف والمُوزع والمُشتت الأهداف لكي تُلقي بظلها على واقعنا وتُضفي على صورتنا ما يشوهها أكثر فأكثر.
فشكرا لداعش وأخواتها وللمتعاطفين مع الإرهاب الأكبر والإرهاب الأصغر. فقبل بضعة أشهر، هممت بتسلم وثيقة لي في قسم الشرطة البرازيلية. ولأن اسمي الأول (عبد الرحمان)، الذي لم أختره لنفسي ولا أخجل منه هو حامل لدلالات فقد قال الضابط للشرطي: (قم بإجراءات منح الوثيقة لهذا المسلم بسرعة، فرغم أنه مسلم فلا يظهر عليه أنه من قاطعي الرؤوس)!!
لاشك أن أمورا مثل هذا واردة في هذا الزمن الداعشي البغيض، ولا غرو أن كل مسلمي المهجر يعانون منها ويكتوون بنارها. ومن المؤكد أن كل لباس عربي وإسلامي لنسائنا وبناتنا وأبنائنا قبل اسمهم صار تهمة حتى في بلدان كانت قبل بضع سنوات لا ترى في العربي سوى شخصا ودودا وبشوشا وطيبا و وديعا ومحبا للمرح والطرب وحاملا لقضاياه معه، منافحا عنها بالعقل والحجة. شكرا لداعش التي أفقدتنا كل حجة. بل منذ الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 ومرورا بالأعمال الإرهابية في كل من المغرب وإسبانيا وما تلاها من عمليات إرهابية تورط فيها مغاربة، ونحن لا نرى اسم المغرب إلا مُقترنا بما يشين سمعته وسمعتنا.



نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.