آخر الأخبار :

" سدوم.. " بين جرأة المتخيل وفورة رسائل المحكي

حسنة أولهاشمي
" سدوم " العمل الروائي الجديد ، للمبدع عبدالحميد شوقي الصادر عن دار الآداب اللبنانية هذه السنة ، يدفعني للقول أنني أمام نسغ فكري أدبي فني وجمالي غير مألوف، أمامي
منجز إبداعي يؤرق ، دوخة سردية تجعل متتبعها يعيش فناء
مشتهى من الإرباك والسؤال..عنوان الرواية ،كعتبة أساسية تزخر ببعديها السيميائي والوظيفي، يداهمنا كقراء بنفحة أمان
تمكننا العبور إلى مساحات الجوهرالمبهمة، العنوان يمنحنا مفتاح سر العلبة السردية ، ويتركنا نكتشف بعد ذلك قدرته على إطفاء بعض نار أسئلتنا الأولية ونحن نحضن دفتي هذا السفر.. بعد قراءة الرواية نتخلص كليا من وهمنا الذي طغى على مخيلتنا ،كون سدوم شوقي لن تبرح فكي التراث الكوني، وستمتح من تفاصيل حادث سدوم العبرية ، لتؤثث وعيا جمعيا يروم تشكيل فكرة اللعنة والإبادة والفساد.. لمست
قوة المنجز وجبروته حين انكسرت آفاقي القرائية، استطاع المبدع ان يخلخل أماننا كقراء ، جهز عتادا ذهنيا ورؤى فكرية قوية ،جعلتنا نعيش النص خارج النص، رمى صنارته
السردية بطُعم جرأة مستفزة، لتخصيب صدام يخدم عمق المقروء ويستجلي فرادته..سدوم شوقي هي إبادة من نوع آخر، إبادة الرؤية الضيقة للذات ، للجسد ، للحلم، للحب، للشهوة ،للآخر وللوجود..سدوم شوقي تعري المضمرلفضح فساد قيمي مشترك ، لخلخة أسئلة عميقة ترتبط بالوعي الجماعي الخفي والجلي..بين شخصيات الرواية الأساسية
وهي : كاميليا، أحلام، سامية ،إسلين ، ميلاد ، الراهب ونوري ، تُنسج حياة متن سردي بمخيال خصب ويقظ ، حياة متخيل لا يعترف بأسيجة " اللاءات" ،حياة شقت ثوب رسائل واقعي متأجج ، حيث عنصرالحرية يجمع خيوط المحكي ويعلن شساعة دوره قبل إيحائه في "المنظومة" البشرية ككل..شخوص المنجز تأبطت مغامرة كينونتها وراوغت ثقل الجذور والهوية والماضي لتؤسس لنفسها عالما تراه يناسب جنونها المرتبط بانزياحات العقل واللذة والجسد والواقع..شخوص عنيدة تذوب صراخ جيل ، أو أجيال تُفَعل المباح لترسم طريقا يقودها لمعرفة باطن الذوات ولتقترب أكثر من مناطق كانت تبدو ملغومة ومتمنعة.. بالمتخيل نرافق الروائي عبدالحميد إلى تخوم الواقع حيث الزمان
يوجهنا صوب ذاكرة حية أبدا لن تموت ،بين أفضية وأمكنة متعددة ترتادها الرقفة السدومية الضاربة في السر والشغب ، كجدران الجامعة والنوادي والمقاهي الباريسية وغيرها ،يعود بنا الحكي حينا أخر إلى مساحات " الخروب" وطلة الحائط القديم بالبلدة البسيطة التي تتمسك بالحلم وتطوي مسافات الذاكرة الغنية المورقة لانزياحات عمر الطفولة والمراهقة والشباب.. عمر بصم كَيّ المغامرة على فخذ أحلام كانت تتبرعم تحت رحمة الظلال..أحلام تقتات على حفنة اقتناعات معطرة بأمنيات مسلوبة من وريد الحرية.. رواية " سدوم" هي خلق يختلق الممكن من متاهة اللاممكن، م
ن جرأة " ماردة" يسل الكاتب خيط رسائل ثائرة وقوية ،يتداخل فيها العقلاني والأخلاقي والسلوكي والقيمي والجمالي، يمرر المبدع خطابات تتلاقى حد الصدام، تتباعد حد التلاقي، تتوحد في إيقاظ الجوهر الإنساني، تكريس اللين الفكري وتوافق مساحات الحرية بين الذات والذات / وبين الذات والآخر..عدم تعنيف الحوار الجواني في الروح، قبول الخطأ وتقبل حدود هذا الخطأ..إيقاظ المستلب في الذات للتصالح مع هذه الذات وبالتالي التصالح مع الآخر ومع الوجود..الرواية تزخر بالأبعاد وتكتنز لفيفا من الجدليات النابغة من عمق الوعي الشقي الذي به تتفسخ حيوات لا محدودة قابلة للحياة وقابلة أيضا لحياة الموت .. بمسحة تجريبية ولمسة غير مكررة حاك شوقي الروائي قطع جمال تفيض شعرية وتنبض دهشة، منجزإبداعي يعتقل القارئ وحواسه ويزج به
وبها في علياء السر والسؤال.. رواية تهبنا حق الرحيل في خلود الفكرة القابلة للتفتيت الحر، وتمنحنا حرية الموت في حضن الرأي الشاسع والمفتوح..منجز إبداعي قوي يلامس صوت الإنسان المؤيد لسمو الإنسان ، الإنسان الذي يعانق كل قتل رمزي لينتج أسرار فن الحياة وفن الحلم..





نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.