آخر الأخبار :

"عبلة" ثورة على من يريد إسقاط الوطن

الشاعر المغربي سعيد بركة ، الذي صرح غير ما مرة بأنه ليس ثوريا بل واصفا لواقع مرير و لوطن به شرخ يصعب التئامه ،
تطل علينا "عبلة " سعيد و هي نسخة شبه أصلية " لعبلة " عنترة ،
تشابه يتجلى في الحب ، و مرارة الحرمان ، و عدم صدق القبيلة ووفائها بوعودها.
عبلة سعيد بركة (أبو آية) هي وطن تآمر عليه من لم يحسن سياسته ، و كان يتشدق بإرساء دعائم العدل و التوزيع العادل للثروات الوطنية قبل انتخابه ، وهو المقصود في قصيدة عبلة بعنتر:
عنتر تلّف القبلة
و لّا يسبح باليسر
زبلة من ورا زبلة .(1)
و قد أشار الزجال سعيد بركة لبعض مواقف عنترة الدونية و المعبرة عن خذلانه لأبناء الوطن بقوله :
ماني من الحكام
ماني من الزعام
أنا غ خدام
احلفنا و ادينا القسم (2).
"عبلة" سعيد محبوبته أرضه التي تربى على ترابها ، و أطعمته من مرارة بؤسها ، مثل عبلة عنترة (العبسي) التي شبّ على حبها و بنا أحلامه على الظفر بها ، و لكن قبيلته لم تف بوعدها له ، كما أن عبلة سعيد باتت تلك الأرض المخذولَة و التي لا يملك لها حولا و لا قوة . فهو يصف ما فعل عنتر و يامنة بها كما قال :
البيع و الشرا تحت الطبلة
و انت يا عبلة
الباروك و تفكورك اصبر
دار ف حالتك خبلة
باع السيف
الخيل
و القبيلة جملة .(3)
عبلة سعيد طلل على وشك الإنهيار من سوء التدبير ، عبلة سعيد هي تلك الصالقة المكبوح صوتها ، و تلك الشاقة لجيبها النادبة لوجهها من هول المصاب.
"عبلة" المنقول صوتها عبر الريح الواعدة بالجمال و الحب و الحرية و العيش الرغيد و الصحة الجيدة :
واعداتني الريح اتقري
اتخدم
و داوي لمجاريح (4)
لكن هذه الوعود لم تكن سوى حلم مؤلم اندثر ، إذ ان كل ما كان يحلم به من سلم و تعايش و حرية لم يكن إلا كذبة مدبرة مرت مرور الريح من يد المطالب بإمساكها. فقد وجد سعيد عكس ما عاهده عليه رب عبلة، بل لم يجد زهرات الربيع (الشباب) المحيطة به ، فقد سقطت بفعل رياح الخريف (الاعتقالات) و فترت الهمم و ماتت العروبة و نخوتها ، و حتى العلم و الكتابة و الأحرف الثائرة كممت و أجهضت .
فلم يعد عنترة فوق أرض عبلة إلا لاعقا حذاء "يامنة" مرتجيا لرضاها ، يفعل كل ما تملي عليه من أوامر و نواه ، و أصبح الساكن فوق أرض عبلة "خماس" و "بيّاع" ، ليس له من الأمر شيء سوى "شياطة الكاعة " ، مقطوع اللسان " حولي وسط الحوالة " .
يعيش عيشة الذل و الخزي و العار. ولو تلثم بألف لثام .و قطع البحر و أحرق بطاقة الهوية وباع لحمه من أجل تحسين وضعيته كما قال سعيد :
العكر فوق لخنونة .
و لوسخ مكفن ف الزواق (5)

و هكذا فلعنة النفاق تتابع من تعمد خذلان عبلة من أبنائها ، و الخائفين من الصدع بالحق أمام أصحاب "الكروش" على حد تعبير سعيد بركة :
اللي كيوصل كلشي مغشوش
الجمعة اجلابة و الطربوش
و السبت فالقهاوي مقروش ..(6)
سعيد بركة ليس بالشاعر الثائر و لكنه الشاعر الناصح للشعراء و الواصف لما تؤول إليه الأحداث ، بعمق تجربته الحياتية و الشعرية . ولم يتوان في توجيه نصح لصانع القصيدة بقوله له :
الحاكم ما يشربك لحريرة
حتى يخلط بيك العصيدة .(7)

و في ذلك تحذير له مثل تحذير إبن الوردي(ت 749 هـ) في قوله :
جانب السلطان واحذر بطشه = لا تعاند من إذا قال فعل
إن نصف الناس أعداء لمن = وليَ الحكام،هذا إن عدل (8)

تتداخل موضوعات الشاعر سعيد بركة في ديوانه "عبلة " على الشكل التالي :
عبلة : و هي كناية عن الوطن
عنتر : إسم لمن يسوس أمر الوطن
العربي : هو المواطن فوق أرض عبلة التي تتوفر على بحرين و الغاز و الفوسفاط، و صاحب الأرض - المواطن- يعيش " عيشة مقهورة " و هو المذكور بصفة " الرقيق "
يامنة : الأحزاب السياسية الراكدة و المفشية لسياسة التزويق و التلفيق . و يصف أصحابها بصفة " الغليظ " .
اللغة
إن ما يجعل ديوان عبلة في المقدمة هو تلك اللغة التي صيغ بها ، فلا هي من اللسان الدارجي المغربي الصرف ، و لا من اللسان العربي المحض ، بل منزلة بين المنزلتين و مزج بين لغتين لكل منها موسيقى صوتية تجذب القارئ و تدفعه للإصغاء و عدم الالتفات ، و تمكن كل من يسمع من الفهم و استيعاب المقصود.

الوزن و الموسيقى
قد يظن القارئ أو المستمع لأزجال الشاعر سعيد بركة أنها نسجت على أبحر الخليل إبن أحمد الفراهيدي ، كما توهم بذلك العديد من المقاطع التي قد تتطابق بعض تفعيلاتها بتفيعلات الخليل، من غير الالتزام بها على طول القصيدة. و لكن الزجل كقصيدة النثر ، لا يعترف بالأوزان المحصورة من طرف الخليل ، فهو يدعوا إلى الحرية التامة و التحرر من قيود الماضي و المقدس ، كما يفعل سعيد بركة في ديوانه . وللموسيقى الخارجية دور هام في هذا الدور ، إذ أن سعيد بركة لم يغفل عن الصياغة البديعية من جناس و مقابلة و طباق و تورية و توازي تركيبي تام مثل قوله : مانبيع ، مانطيع . ما انصافح ، ما نسامح (9) . و غير ذلك مما يبعث الروح المتجددة في القصائد و يؤشر على حياة مكوناتها.

الرؤية الشاعرية
يقف الشاعر سعيد بركة في ديوانه "عبلة" خارج الأحداث و يصف ما يرى في الساحة من فوق برج عالي ، و قد يحدث أن يمتزج سعيد بالأحداث فيصير تارة وليدا في يد ممرضة/ تنتقل به أحلامه ليتحول من ذاك الوليد إلى كلبة في السويد . و في ذلك قمة الازدراء للحالة التي يعيشها الساكن فوق أرض عبلة و المطالب بحقوقه من ربّها .
تجربة سعيد بركة ليست كباقي التجارب الزجلية المغربية فهي تجربة نوعية تمتاز بالشجاعة و التهكم و الترميز و التوليد ، المناسب للوضعية التي يعشها سعيد الموسومة بتكميم الأفواه و القمع و التسلط . و لذلك جعل الزجال سعيد بركة أشعاره حمّالة أوجه وذات قراءات متعدد مختلفة ، ينظر إليها كل شخص من مكانه و يفهمها انطلاقا من خلفيته .
هوامش :
1 - الصفحة 11 من الديوان الصادر عن مطابع الرباط سنة 2016
2 - الصفحة 13 من نفس الطبعة
3 - الصفحة 11 من نفس الطبعة
4 - الصفحة 17 من نفس الطبعة
5 - الصفحة 21 من نفس الطبعة
6 - الصفحة 32 من نفس الطبعة
7 - الصفحة 42 من نفس الطبعة
8 - تفاصيل الجمل (شرح لامية ابن الوردي) - د. عبد العزيز بن علي الحربي ، دار ابن حزم ، بيروت ، ط 1 ، 1433 هـ / 2012 م صفحة 73 .
9 - الصفحة 40 من نفس الطبعة

عبدالصمد الراغي
كلية الآداب و العلوم الإنسانية –مراكش-




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.