آخر الأخبار :

هل هنـــــــــــاك من "مجتمع مسلم" فعلا ؟

بقلم : ذ. عبد الرحيم إدوصالح.
في خضم الصراعات الساسية و الفكرية الدائرة رحاها اليوم بين ''مجتمعات" أو تجمعات حَدَّدت كل واحدة منها نفسها داخل نسق ثقافي سياسي عقدي مضبوط و صارم, و سط هذ الصراع تبدو التصنيفات و التمييزات, و أحيانا التلفيقات و الإتهامات ،بين بُنَى ثقافية أرادت كل واحدة منها التأسيس لوجودها و أفضليتها، بالتالي شرعنة ثقافتها و تبرير السيادة على الآخر المخالف. و لعل أبرز و أعقد التصنيفات المستهلكة بشكل كبير، تلك التي تنطلق من الروحانيات و توظف الشعور العقدي للأفراد, فتحاول جاهدة إبراز ذاتها كبنية متلاحمة بالعقيدة, موحدة بالدين ، بعد أن "أجمعت" على قدسية إله و نص, بالتالي مهدت المجال أمام مفاهيم من قبيل "وحدة الأمة" أو "المصير المشترك" , ذلك ما نلامسه بجلاء في مجتمعات العالم الثالت ، خصوصا التجمعات التي شهدت انتشارا لا بأس به للإسلام بعد ترسيمه من طرف الدول ، و على خلفية صراعات تاريخية إنتهت بسيادة هذا المعتقد ،على الأقل ظاهريا ! فنجد أن أصبح من المسَلَّم به لدى بعض أفراد هذه المجتمعات و دعاتها، أو فقهاءها، بل وحتى بعض المتقفين في كتاباتهم و تصريحاتهم ، أنهم ينتمون لمجتمع مسلم ، فبتنا نسمع : المجتمعات الاسلامية _ الدول الاسلامية ...
لكن و تثبيتا للحقيقة في شكلها النسبي، فهل يوجد مجتمع مسلم فعلا ؟ هل هناك من أمة مسلمة ؟؟ لماذا هذا التعميم الواسع الفضفاض ؟؟ هل يكفي أن يكون فرد ما أو مجموعة أفراد – حتى و إن شكلوا أغلبية – مسلمين كي نسمي المجتمع كله بالمسلم؟
و لكي نقارب هذا الموضوع لا بد من الإنطلاق من تحديد المفاهيم أولا. فالدين في أبرز معانييه يعني " التسليم و الإستسلام لله وحده و عبادته بما شرع بوحييه أو على لسان أنبيائه من العقائد و الأحكام و الآداب و كل شؤون المعاش " (1). كما يعني في موضع آخر أنه " لإقرار بوحدانية الله تعالى والتصديق بها" (2) . فمن الملاحظ مبدئيا أن الدين لا يكتمل إلا بشرطين أساسيين : التصديق و التسليم, ثم الممارسة و العبادة. فالأول باطنيٌّ مُبَطَّنٌ ، يظهر فيه المتعبّد أو المتدين على أنه العالِم الوحيد بوجوده ،و العارف الواحد بصدقيته، لأنه بُعدٌ نفسي يتعذر قياسه من طرف "أنا" أخرى غير "أنا" المتعبد. أما الشرط الثاني، أي الممارسة ، فهو شكل ظاهري يراه الجميع, بل يتفَنَّن الكل في إظهاره عبر ممارسات تكاد تكون لصيقة بالمجتمعات المنغلقة في تدينها , كاللباس و حمل "التسابيح" في اليد(3) و ترديد جمل ذات معاني دينية ( الصلاة على النبي , الحوقلة...) . من هنا فتصنيفنا للمتدينين ينطلق من تصرفاتهم, سلوكاتهم, إيماءاتهم أي مما يبدون أو يرغبون في إبدائه، إذ يستحيل الحُكم عليهم انطلاقا مما يُخفُون لأننا نجهله بشكل كامل ! هنا يتوجب علينا الحذر, فلا يجب أن ننسى أن الممارسة أو ظاهر التدين ما هو إلا شرط واحد, بل هو شرط ثانوي مادامت الأعمال بالنيات (4) , شرط مهم لكنه ليس أساسيا, بحيث يبقى الإعتقاد و الإيمان الداخلي هو المعيار الأول و لأساسي لتصنيف شخص في خانة الإيمان أو دونه. فالممارسات العقدية و إن اكتملت على أحسن أوجهها, و تم القيام بها بفرائضها و سننها, تبقى مجرد نفاق إذا لم تكن قصْديتها التعبد ، و مورست من دون تصديق و إيمان قلبيين.(5)
من هذا المنطلق و إذا كان الدين –الاسلام مثلا- عقيدة و إيمان, و تعبد في آن واحد, فكيف يمكن أن نتأكد من أن المصلين في مسجد ما جميعهم يتعبدون عن اقتناع و إيمان ؟؟ مَن المطلع على سرائر النفوس كي يبرهن لنا أن "فلانا" يتعبد تصديقا و تسليما ؟؟ هل تكفي ممارسة شعائر الإسلام داخل مجتمع كي نصفه بالمجتمع الإسلامي أو إسلاميا ؟
إن الإجابة الأقرب إلى الصواب و الموضوعية هي النفي , أو هي البقاء في موضِع الحياد بالأحرى, فلا أحد يملك تِيْرمووترا لقياس شدة إيمان شخص ما, أو لمعرفة وجود هذا الإسلام الداخلي حتى, فكيف نسميه مسلما إذن ؟
قد يقول قائل أنه شهِد أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله , لكن كلمة "أشهد" لا تحيل على القول الملفوض فقط, بل هي إيمان و تصديق فعلي داخلي نفسي و وثوق بأن الجملة ما بعد "أشهد" صحيحة و ثابتة في صحتها, إنها و كما رأينا في التعريف الذي انطلقنا منه مند البداية تسليم و استسلام .
و تأسيسا على ذلك، فليس هناك فرد مسلم من الناحية النظرية، ما دمنا لا نملك ما نقيس به إيمان فرد الباطني ، بالرغم من قيامه بشعائره و ثلاوته لقرأنه ، و تميزه بلباسه، فذلك لا يغنيه من أن نراه إنسانا يبدي إسلامه, أما ما يخفيه فلا علم لأحد به إلا هو. لذلك لا يمكن الحديث عن مجتمع مسلم أبدا ما دام كل أفراده مجهولَ "النيَّة" على هذا النحو (أي إستحالة معرفة من يكون حقا ).المجتمعات إذن تُظهر إسلامها بممارساتها و أقوالها , تصريحاتها و أخلاقياتها...و أحكامها.
إن الإشكال قد يبدو منتهيا في هذه النقطة،غير أن الرغبة في التدقيق في الأمر تجعلنا نستمر في تفكيك المفاهيم أكثر، فحتى إنْ سَلَّمنا منهجيّا بأنه يوجد في هذه المجتمعات من يؤمن بالدين ، قلْبا و ممارسة، مسلمون عقلا و روحا و تَعَبُّداً، ففي نفس الوقت لا يجب إنكار وجود "منافقين" بدورهم، وهم أولائك الذين يبدون إيمانهم و يخفون عكس ذلك !!فمَنْ يقول -من بين الإسلاميين- أن المجتمعات الإسلامية خالية من "المنافقين"؟؟؟ هل إنتهى زمن النفاق ؟ إن أجبنا بفناء النفاق و المنافقين سنكون أمام محاولة لحجب الشمس بثوب مثقوب .
أعتقد جَزماً أن محاولة كهذه لإخفاء الحقائق لن يُقْدم عليها أغبى الفقهاء أو أسْفَهَ الدُّعاة ، لِمَا لا و عناصر أو جماعة المنافقين كانت موجودة في عصر عايش مصدر الوحي و كان قريبا منه، إنه العصر النبوي الذي شهد له النص الديني بوجود النفاق ، بل حذَّر منه المؤمنين .
إن منطقية مفهوم "المجتمع الاسلامي" لن تهتز فقط بالجانبين الذين قدَّمناهما ، بل بإظافة فاعل آخر في اللعبة، إنه وجود عنصر "غير المسلمين" في المجتمع، و هم أولائك الذين أعلنوا اعتقادهم بدين مخالف للإسلام ( اليهودية - المسيحية...) ,مع وجود فئة ملحدة , و لاأدريين و هم مجموعة لا تنتمي لأي معتقد سماوي، و الذين تم قمعهم و الثنكيل بهم عبر العصور تحث حكم "الاسلام" ، و قد كان قمعا رهيبا يُبدِي ما مدى رغبة الدين الواحد في السيطرة و قتل الآخر و إزالته ! و منه، فهل لي بين الإسلاميين من سيثتبت لي, أنه و على مر تاريخ الاسلام، كان هناك مجتمع خال من غير المسلميين ؟؟؟؟ مجتمع يعيش فيه المسلمون الأثقياء فقط ؟؟؟ هل كانت هناك مرحلة غاب فيها اليهود أو المسيحيين في البنية الدينية لمجتمع هذه المرحلة ؟؟ و إذا كان هذا المجتمع مجرد تخيلات و تهيُّأتٍ للبعض، لعدم وُروده تاريخيا، فإن مجتمعات هذا اليوم أبعد ما تكون عن هذا الوصف، حتى من المنظور الديني الذي أكد على أن المراحل المتأخرة (القريبة من قيام الساعة) تكون منسلخة من دينها بعيدة عن شعائر ربها(6).
بالثالي فأكيد أن الإجابة هي النفي، فالواقع ينبؤُنا أن هذه الدول "تعاني" من موجات التنصير ، أو التشييع ( في الدول السنية) المتلاحقة على مدى تاريخها، موجات تكون سرية لا ينتبه إليها أحد، كما أنها أحيانا تظهر للعيَّان يحس بها الكل، و قد تستعملها الدولة لصالحها , فتقمعها كي تظهر بمظهر "حارس الدين" أو الساهرة على الحفاظ على "توابث الأمة" ( كما هو الحال في المغرب). و تُضاف الى التنصير أو التشيع ،موجات أكثر جدرية في موقفها اتجاه الدين، نقصد بذلك هنا النظرة الإلحادية أو التصور المتخلص من الدين و الناقد له، و لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات التي تسمى عادة "إسلامية" من هذا المذهب/ التصور، بل و لوحظ تفشي الظاهرة خصوصا في الدول التي عُرِفت بكونها محافظة حد التزمث، فاحتلت المراثب الأولى في عدد الملحدين إي "المرتدين" في نظرها ،كالسعودية و إيران (7).
و لَمّا يكون أصحاب مذاهب الإسلام السياسي أمام هذه الصورة المكشوفة للمجتمع و التي أزالت عنه حجاب الأرتودوكسية و غوغائيتها، فإنهم يتهربون و يبررون استعمالهم لمفهوم "المجتمعات الاسلامية" بالإعتماد على العدد، أي أن الأغلبية الساحق مسلمون.
جيد ، لكن هذا لا يعني أيها "الإخوة" أن تُسَمُّوا المجتمع بنفس الإسم و تصفوا الكل بنفس الوصف، لأن تعميمكم هذا لا يصحُّ إلا إذا صحَّت الفكرة التي عممناها، و كما رأينا فهناك غير المسلمين في كل مجتمع، بالإظافة إلى عدم إمكانية الحكم بإسلام حتى على أولائك الذين اعترفوا بتبنيهِم له كدين !! فلا يحق لأحد إذن بأن يصف شخصا بغير الصفة التي اختار هذا الشخص لنفسه أن يصفه بها الآخرون ! فأن أكون معك في نفس المكان، لا يعني أن تصفني بما تصف به رَهْطَك، وكذلك ليس من حقي أيضا،فلا أعتقد أن هناك يهوديا يرضى لنفسه أن يُوصَف بالمسلم، و العكس وارد و صحيح.
لقد شهدت الأنتروپلوجيا اليوم أن التقوِّي بالكثرة و العدد لازَمت الجنس البشري، فانتماء الفرد الى جماعة محددة( دينية-ثقافية-سياسية...) يزيد من ثقته بنفسه، كما أنه لما يرى أن هناك من يخالفه، فإنه يشعر بالعزلة المتداخلة مع خوف وجودي من الوحدة، فيحاول جاهدا إدماج المُخالِف في "انتمائه"، و من بين الأدوار الأساسية للإديولوجا حسب بول ريكور، محاولة إدماج للفرد داخل الكل (8)، و قد يتم توظيف كل الطرق لممارسة هذا الإدماج، أبرزها العنف (حد الردة مثلا) .
أمام هذه المعطيات المُكوِّنة لمادة خام لابسموبوجية إنسانية جديدة، نكون مدعُوِين لتأسيس رؤية موضوعية علمية، و تحديدا سوسيولوجية للمجتمعات التي سَمّت نفسها إسلامية، فنحن إزاء تصور بنيوي تفكيكي للبُنَى العَقَدِية الفكرية لهذه الجماعة/ الجماعات البشرية ، قد نصل معه إلى أن كل هذه التعميمات لم تصدر عن الواقعية و لا من تحليل متأنٍّ لظاهرة التدين كمعطى إنساني ، بل نتجت عن تَوهُّمات إديولوجية ، تجد مسوغاتها في مرجعية لا أرضية ، تعبر في العمق عن انفعالات و دوافع لا شعورية بعيدة عن تفكيك الواقع و فهمه، أبرزها ماضي الإنسان البعيد حيت انتمى إلى الجماعة قصد تجاوز جبروت الطبيعة و التحرر من ضعفه، فما كان منه إلا اللجوء الى توحيد كُثلته البشرية ضد الوجود الشرس الذي لا يرحم، و ضد كل غريب بما في ذلك "الشخص الغربب" "الآخر" ، و احتكم إلى الزُمرة في ماض كان بكل موضوعية ماضيا حيوانيا "غابويا" بممارساته و منطقه.
إن الإنطلاق من هذه المرجعية اللاواعية ، الذفينة في لاشعور الفرد يؤسس لمثل تلك الإستنتاجات الملائمة للمنطلقات في لا علميتها، و تسرعها، وعاطفيتها، و غالبا ما تنتهي بالعنف و الوحشية بإعدامات للمخالفين أو الراغبين في الخروج من الجماعة . و المجتمعات الممارسة لهذه التصرفات و تطبيق هذه الحدود و نشر هذه التعميمات، هي نفسها المدافعة عن مفاهيم أسطورية غيبية من قبيل مفهوم " الأُمة" أو "النَّحن"، و هي بالتأكيد مجتمعات لا تزال بدائية متخلفة، لم يستطع العلم أن يجد له مدخلا لغياهب نفوسها، و ظُلمة عقولها، غلا تنتج إلا الإنعلاق و الإحتقار، و العنف و الإرهاب.
الهوامـــــــــــــــــــــــــــش :
1- علم الملل ومناهج العلماء فيه ص 18 أحمد بن عبد الله جود الناشر: دار الفضيلة – الرياض.
2- روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للألوسي (4/227 ).
3- وسيلة تقليدية على شكل قلادة تؤخد في اليد لحساب عدد التسابيح.
4- عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.
5- سعيد بن جبير، ت: 95هـ
قال: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة) رواه اللالكائي (1/164)
6- (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا) رواه البخاري عن آنس ابن مالك (80)
(WIN-Gallup International) 7- الأرقام أصدرها معهد غالوب الدولي
8- بول ريكور، من النص إلى الفعل: أبحاث في الهرمينوطيقا 1986، ص 419-426




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.