آخر الأخبار :

الحداثة والقرآن (3) : هل القرآن نص مقدس أم هو كلام أُنشئ بلغة أنشأها البشر؟

الحلقة الثالثة من كتاب " الحادثة والقرآن للباحث المغربي سعيد ناشيد .
هل هناك نص مقدس ؟
كانت الأديان -ولعلها لا تزال- ثورة روحيّة غايتها سموّالوجدان وتهذيب الانفعالات البدائية للإنسان. لكنها ظهرت في مجتمعات العالم القديم، عالم ما قبل الحداثة وما قبل دولةالمؤسسات والحق والقانون، ما قبل الثورة الكوبرنيكية والعصر الصناعي والعلم الحديث، وما قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقيَم المواطنة وحقوق المرأة والفرد والأقليات والطفل.
لذلك، جاءت الأديان موسومة بميسم القدامة، أي بمفاهيم وقيم العالم القديم، وبذلك عندم نجمِّدها في زمانها ونمدّ هذا الزمان إلى كل عصر تبدو وكأنها أمست عائقاً يحول دون بلوغنا مرحلة الحداثة.
ربّما نحن نقف اليوم على أبواب الحداثة، أو هكذا يُفترض، لكنّنا نقف عاجزين مترددين، خائفين متوجسين، نتقدّم بمقدار، ونتردّد أو نرتدّ بمقادير. لا نجرؤ على الولوج ولا نستطيع الرّجوع.
أمامنا عقبة كأداء تعيقنا وتمنعنا : النص الديني، بكل تراكماته
ومتفرّعاته.
إمكانية الرِّهان على مرجعية الخطاب القرآني لتقويض سلطة النص الحديثي، والانعتاق من أَسر نصوص الحديث التي شهدت تضخماً تصاعدياً، هي المنطلق المسوِّغ لمشروع المفكر العربي جورج طرابيشي، والمتولّد عن ملحمة نقد نقد العقل العربي، بدءاً من نظرية العقل وانتهاء إلى من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.
وفي هذا يوافقه جلّ القرآنيين، أو نحسب الأمر كذلك.
لكن يبقى إجراء آخر، خطوة أخرى قبل الخروج من عتمة القدامة ودخول عتبة الحداثة. ذلك أن الانغلاق اللاّهوتي الذي لا نزال نتخبط في ظلمته إلى اليوم هو مُحصِّلة انقلابين قديمين وليس مجرّد انقلاب واحد. نعم، هناك «انقلاب سنّي »، استعرضه طرابيشي بإسهاب، وهو الانقلاب الذي حوّل الرّسول إلى أقنوم ثانٍ يجاور الذات الإلهية بل يجاوزها أحياناً، ما أفسد مبدأ التوحيد الرّبوبي الذي هو القصد والغاية. لكن الحاصل أيضاً «انقلاب مصحفي » بموجبه أصبح النص القرآني ذاته أقنوماً ثانياً أو ثالثاً.
إجمالاً نقول، تعرّض الإسلام الرّباني لانقلابين متواليين أو متوازيين : انقلاب سني/ أصحاحي، وانقلاب قرآني/ مصحفي.
حمَل المسلمون النص القرآني على كل الوجوه المحتملة، طرقوا كل الممكنات التفسيرية المتاحة، جرّبوا جميع المستويات التأويلية، من مناهج الظاهر إلى مدارج الباطن، مدّدوا القياس الى أبعد مدى ممكن، جربوا الانتقائية بكافة متاحاتها، لكن لا جدوى تُرجى. كما لو كانوا يحملون صخرة سيزيف إلى الأعلى ثم تتدحرج، فيعودون إليها من جديد.
هل المقصود أن قدر الحداثة الإسلامية أن تمرّ عبر طريق الخروج على الدين؟
فرق بين الخروج على الدين والخروج من الدين، كما أوضح طرابيشي في أكثر من مناسبة. الخروج على الدين قرار شخصي يعلنه الفرد في أي لحظة، والخروج من الدين مشروع مجتمعي ينطلق من «ديانة الشعب » ويسعى إلى أن يضفي عليها أكبر قدر من المعقولية والعلمنة.
من وجهة نظر الحسّ السليم، لا مشكلة في أن نؤمن بالله.
بل قد يمثل الإيمان بالله خبرة روحيّة مفتوحة على سمو الشخص وتسامي النّفس وسعة الخيال. إنما المشكلة كل المشكلة أن نؤمن بنصوص دينية قديمة ومتقادمة تُكبِّل العقل وتشل الإرادة وتقتل الإبداع، ثم نقول عنها إنها نصوص الله. كما لو كان الله كاتباً أو مؤلفاً أو مدوِّناً؟ وهذا لا يقبله العقل السليم إلا من باب التسليم الانقيادي الذي قد يفتح باب الإيمان الأعمى بأي شيء. وهنا تتجلى إحدى ثغرات العقلانية الكانطية.
معضلة النصوص الدينية لكافة الأديان )مثل المصاحف والأناجيل والأسفار والوصايا والصحف والزبور...( أنها كُتِبت في مرحلة كان فيها المجتمع بلا مؤسسات، والسلطة بلا قوانين،والمعرفة بلا مناهج، واللغة بلا قواعد. وبالتالي، طبيعي أن تبدو لنا تلك النصوص اليوم قاصرة عن إنتاج أي نظام قِيَمي أو معرفي فعّال، بقدر ما تبدو للبعض أنها قابلة لكل التأويلات والتفسيرات مهما بدت متناقضة.
غير أن الحديث عن القصور ليس انتقاصاً من الذات الإلهية كما يظنّ «عَبَدة النصوص »، لكنّه تأكيد لحقيقة بديهية : الكمال للخالق دون المخلوق.
بكل تأكيد، القرآن مخلوق كما أكد المعتزلة قديماً. ونضيف بأن جميع المخلوقات محكوم عليها بالنقص والنسبية والعَرَضيةوالزوال. وإذا كان هذا شأن كل مخلوق، بما في ذلك المخلوق البشري أيضاً، فما بالك بالقرآن، وهو -في بدئه ومنتهاه- وحيٌ إشاري تلقّاه نبيّ «يمشي في الأسواق »، ثم تمثّله وفق تصوراته، ثم تأوّله تبعاً لثقافته، ثم صاغه في شكل عبارات بحسب المتاح اللغوي والمفاهيمي لديه، ثم دوّنه المدونون باعتماد أدوات بعيدة عن الدِّقّة )عظام وأوراق أشجار وصفائح حجرية...(، ثم جُمع أوّل الأمر كيفما أمكن، ثم.. للحكاية تفاصيل سنأتي على ذكرهاأو ذكر بعضها.
في كل الأحوال، لا وجود لكلام كامل ومكتمل.
هكذا حال القرآن الذي هو كلام أُنشئ بلغة أنشأها البشر. فضلا عما قيل، فإنّ الكلام ليس حلاً مثالياً لمعضلة التفاهم؛إذ يتيح التّحاور بقدرما يضع ألغاماً في طريق التفاهم.الكلام اصطلاحاً يعني الجرح والألم.
هكذا يكون الإشكال في النص القرآني مزدوجاً؛ فهو أولاً، نص مخلوق يسري عليه ما يسْري على سائر المخلوقات، وهو ثانياً، نص قيل وكُتب بلغة بشرية، طبيعية، وضعية، كانت لا تزال قيد التقعيد.
وهو خطاب يعكس في مضمونه مفاهيم وقيم العالم القديم، عالم ما قبل نشوء الدولة، وما قبل نشوء العلم، وما قبل قيم المواطنة.
الأصل في الخطاب القرآني -باعتباره وحياً إلهياً صار كلاماً مخلوقاً ومؤلّفاً بلغة بشرية- هو نقص التعبير وسوء الفهم. لذلك، أصدق وأدقّ وأعمق ما قيل عنه إن آياته حمالة أوجه، وهذا ما قاله الإمام علي بن أبي طالب.
في المقابل، جانبان باقيان ما بقي القرآن : الإيقاع الشعري الجمالي لا سيما في الآيات المكيات، والوقْع التعبّدي الابتهالي في مجمل القرآن. بل، لعل الأمر متعلق بشكل واحد، هو نفس الشكل، طالما الجمال والابتهال سيان. وذلك هو الروح الإلاهي فيه.
هذا يعني أن المضامين المعرفية والتشريعية المحضة للنص الديني آيلة إلى التبدل أو الزّوال، بل لعلها تبدلت وزال بعضها بزوال أسباب نزولها.
لقد ظهرت الأديان في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة وما قبل العلم الحديث. وطبيعي أن تتأثر بمفاهيم وقيم العالم القديم، سواء من حيث علاقة الإنسان بالإنسان، أو علاقة الإنسان بالطبيعة، أو علاقة الإنسان بالله. لذلك، جاءت النصوص الدينية موسومة بمَيسم النظرة السحرية للعالم.
هكذا، فإنّ الإصلاح الديني –الذي لم يكتمل في الغرب لكنه في الإسلام لم يبدأ بعد- رهين بتحرير الخطاب الديني من مفاهيم وقيم العالم القديم، أي تحريره من مفاهيم الطاعة والولاء والتحريم، ومن قيم العار والعورة والتابو، ومن وساوس التعويذات والرقية والتنجيم.
عدا هذا، لن يكون هناك إصلاح ديني ولا هم يحزنون. لكن، هل أفق كهذا ممكن الآن؟
لعل المُمكن هنا يخدش الحساسية الدينية. لكن، هل بغير هذا يكون إصلاحاً ؟
ربّ سائل يتساءل قبلاً : إذا كان الدين ينتمي إلى العالم القديم؟ وإذا كان مكان الأديان متحف التاريخ ؟ فما جدوى هذا الوقت المبذول في التفكير في الدين والإصلاح الديني إذاً؟
حقا، لا أملك خيالاً يمكّنني من تصوّر وجود عالم بلا أديان. لكني في المقابل سيكون وعيي جامداً متجمداً حتى أظنّ أن الأديان ستدوم بنفس تصوراتها السحرية إلى الأبد.
ينطبق هذا القول على الإسلام أيضاً. بل هو عليه أشدّ انطباقاً.
من الرّاجح أن يُعمِّر الإسلام طويلاً. لكن للبقاء ثمن، إذ الكثير من «مسلَّمات » الإسلام فنيت، والكثيرمنها ستفنى ولن يبقى منها سوى أضغاث أوهام.
ماذا سيبقى من هذا الإسلام؟
ببساطة، مبدأ أساس يستحق البقاء : مبدأ التّوحيد الرّبوبي الخالص )لا إله إلا الله(، بلا زوائد تنتمي في الغالب أو على الأرجح إلى العالم القديم. عالم كان يوازنه الأنبياء كما كان يفعل ذلك الآلهة من قبل. في المقابل، هناك ما ينتظر شهادة الوفاة:
شريعة الأحكام البدوية والبدائية، من قبيل القصاص والفيءوالحدود والجزية والسبي والرّجم أو الجلد، وكل ما ينتمي إلى أزمنة ما قبل الدولة، بل بالأحرى ما قبل دولة القانون.
مشكلة الأصوليين أنهم قلبوا وشقلبوا المعادلة، وبدل التركيز على العقيدة التي هي جوهر رسالة الإسلام، فقد شغلوا الناس بكثرة الكلام عن الشريعة، والتي هي كلام الفقهاء على وجه التحديد، بمعنى أنها ثمرة جهد الفقهاء على مدى الف عام أو يزيد لغاية استنباط أحكام وقوانين وتشريعات من النص القرآني والحديثي وحتى الصحابي أو التابعي في بعض الأحيان. ولم يكن ذلك بريئاً، بل لم يكن لوجه الله، إنما هو في غالبيته، إن لم يكن كله، لوجه السلطة والسلطان. في المقابل، أمست العقيدة هي المسكوت عنه داخل الخطاب الأصولي. لماذا؟ من جهة أولى، لأن الشريعة تمثل البُعد التسلّطي المنسجم مع المزاج الأصولي؛ ومن جهة ثانية، لأن العقيدة تمثل البُعد التحرّري للتوحيد الرّبوبي، وتفضح، ابتداء من يزعمون الكلام باسم الدين ومن ينصِّبون أنفسهم حرّاس الدين، ومن يدّعون أنهم هم أهل الدِّين.
بالطبع، سنحتاج إلى غير قليل من الخيال حتى نتصوّر إسلاماً جديداً مختلفاً عن الإسلام الذي ورثناه عن تراثنا. لكن،أليس الخيال نفسه جوهر التجربة الدينية كما كان يرى ابن عربي،والفارابي، وسبينوزا وغيرهم؟
في مقابل ذلك، آفة الدين أن حرّاسه منعوا النّاس من إِعمال الخيال وإِجلال الجمال وطلب المُحال، ومن ثم حرموا الدين من روح التطور وطاقة الإبداع، وجعلوه مجرّد شعائر شكلية وصلوات صورية وتعاليم ميِّتة وحركات تكرارية تُرسِّخ الزمن الدائري في الوعي وفي الأفعال.
آفة الدين «إيمان العجائز » الذي يُعطِّل الطموح ويقتل الإبداع ويردد في كل مناسبة أو من دون مناسبة : كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وإيمان أولئك الذين يقتلون كل إيمان، ألئك الذين يفرضون على الناس تصوّرهم للإيمان فيحوّلونهم إلى تابعين لهم ولآرائهم بدل أن يتبعوا جوارحهم التي تدلّهم إلى الإيمان الحقيقي.
آفتنا أن فقهاءنا المتأخرين أغلقوا باب النقاش في كل المسائل : الذات الإلهية وصفاتها، والمصاحف واختلافاتها، والأصحاح وإسناداتها، إلخ. في المقابل، لم يكن الانغلاق العقائدي داخل تراثنا المبكِّر بهذا النحو الذي صار عليه اليوم، بل كان مجال النقاش أوسع وأرحب.
فهل ضاقت الصدور؟ أم ضاقت الرّؤية واتسعت العبارة )إذا قلبنا مقولة النفري الشهيرة(؟
من أمثلة هذا الضيق أن كان علماء القرآن والمصاحف والتفسير في الماضي أمثال السجستاني والطبري والقرطبي، وحتى المتأخرون منهم مثل السيوطي، يتكلمون بلا حرج عن الآيات التي ضاعت أو فُقدت، أو الأخطاء النحوية في المصحف العثماني، أو المجاز القصصي في القرآن، بل حتى المجاز الأخروي، ومسائل كثيرة في الإلهيات والنقليات والأخرويات، من دون أدنى حرج. أما اليوم فيعدّ الخوض في مثل هذه القضايا ضرباً من الكفر والإساءة للمشاعر الدينية «الهشة » للمسلمين. كما لو أننا أصبحنا فجأة أمّة من المعاقين واليتامى وممن تجب مراعاة مشاعرهم.

هل هي أعراض متأخرة لمرض الهزيمة، تلك الهزيمة التي انتقلت من واقعة تاريخية لتغدو جرحاً نرجسياً، فعصاباً وسواسياً،
ثم نكوصاً جماعياً؟
مشكلتنا أنّنا حبسنا أنفاسنا وحاصرنا أنفسنا في المغاور المقفرة. وبدل البحث عن الله في سعة الحياة الرّحبة وخرير المياه
العذبة وعذوبة الشفاه الرّطبة، بدل أن نبحث عن الله في الجمال والابداع وشاعرية وشغف الحياة، أصبحنا نفتش عنه في نصوص الموتى، نردد ما قالوا، نؤيّد ما فعلوا، نقلّد ما علموا وما جهلوا، لا نَجرؤ على عصيانهم ولا نقدر على إحيائهم. وبهذا النحو تنقلب الآية )وإليه ترجعون(، ليصبح الرّجوع إلى السلف الميت بديلاً عن مرجعية الله الحيّ.
باسم الإسلام وبدعوى حماية الإسلام ))ممن!؟(( جاءت ردّتنا هذه المرّة نحو عصور العشائر البدائية، حيث لا تبدو السلفية أكثر من ديانة بدائية أساسها عبادة الأسلاف.
إنها فضيحة بكل المقاييس.
في هذا المنحدر النكوصي ارتدّت الثقافة الدينية الإسلامية عن مبدأ التوحيد الرّبوبي، وسقطت سهواً أو قصداً في شرك تقديس بل تأليه النص الديني. مع أن النص الديني هو في الأخير مجموعة نصوص تنتمي إلى عالم ما قبل دولة المؤسسات، وما قبل العلم الحديث، وما قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد أوصلنا تقديس النص الديني والعجز عن تخطي أحكامه إلى سُبات العقل، وجمود الوجدان، وضمور الإرادة. أوصلنا إلى إيمان العجائز، ذلك الإيمان القائم على الخوف.
مثل هذا الوضع لا يترك للحس السليم مجالاً لأي كلام زائد أو ساقط في أسواق المزاد الديني؛ إذ سيحاسبنا الله، والتاريخ أيضاً، عن ضياع الوقت الباقي وهو قليل.
صدقاً نقول : فكرة وجود الله )الواحد الأحد، والذي لا إله إلا هو( فكرة نبيلة وجميلة، بل لعلها من أنبل وأجمل ما أبدع الفلاسفة والأنبياء على السواء، وهي أساس النزعة الإنسانية، بل أساس النزعة العقلانية أيضاً. لكن الأسلوب الذي تناولت به كافة النصوص الدينية فكرة التوحيد الربوبي لا يناسب في الغالب سوى المستوى الإدراكي والخلفية الأخلاقية والذوق الجمالي لإنسان العالم القديم : عالم المشكاة والهودج والقبيلة والسيف والطاعة
والقصاص والجن والعفاريت والشياطين والسحرة والرقية.
وإذا كانت البشرية لا تزال بحاجة إلى الله، سواء بسبب رهبة الموت وقلق العدم ولامعقولية الطبيعة والكون وشاعرية الحياة، أو بسبب أن الوجود مجرّد نقص في الأصل ولغز بلا حل، فإن النّصوص الدينية «المقدّسة » لكافة الأديان، ومن ضمنها الإسلام، تنتمي إلى السياق التواصلي والقيَمي للعالم القديم. وهي ما عادت تلبي احتياجات مجتمعات الحداثةالسياسية والديمقراطية والحريات الفردية وحقوق الإنسان.
المطلوب بالتالي، أن نخلِّص فكرة الله من كل مفاهيم وقيم العالم القديم.
وإلاّ..ما معنى عبارة )الله أكبر( إن لم تكن تعني أن الله أكبر من كل الكلمات والأشياء، وأكبر من التراث والأصحاح والمصاحف، وأكبر من مكتسبات السلف خيرها وشرها؟
ما معنى عبارة )وإليه ترجعون( أو )إلينا مرجعكم(، التي تتكرّر في النص القرآني مراراً، إن لم تكن تعني أن لا مرجع دائم ولا مرجعية أبدية لأي شيء آخر إلا الله؟
بل، حتى الذات الإلهية نفسها هي أقرب إلى التحوّل منها إلى الثبات. ويكفينا بياناً أن الله يصف نفسه في القرآن الكريم بأنه)كل يوم هو في شأن( الرحمان- 29 .
ولستُ أدري إن كان بوسعي أن أجازف قليلا بالقول إنه ما )كان عرشه على الماء( إلاّ من حيث الصورة الوحيانية، ولما يرمز له ركوب الماء من غياب للثبات وانعدام للاستقرار، بخلاف اليابسة حيث الثبات والاستقرار. ولعل الرّسول قد تمثَّل الصورة الوحيانية هنا بعبارات «حَرْفيَّة .»
وفي كل الأحوال، ترتبط الصور الوحيانية بتمثلات ثقافية وحدسية محدّدة في الزمان والمكان. فلقد كان مبدأ الألوهية في العالم القديم يقوم على أساس مفاهيم العبودية، بما يعنيه ذلك من تسليم وخضوع وخشوع. وهذا ما كان ينسجم مع التركيبة النفسية لإنسان العالم القديم.
لكن، مثل هذا لم يعد يناسب إنسان الحداثة.
ما نحرص على تأكيده هو أن تقديس النص الديني الكتابي –وهو تقديس لا يجوز لغير الذات الإلهية- قد حرم فكرة الله من ذلك الامتياز الشفوي الذي كان يسمح لها بأن تواكب النمو العقلي والمعرفي والأخلاقي للإنسان.
ولذلك، فإن انتقال فكرة الله في الإسلام من مستوى الخطاب الوحياني والآيات البَيِّنات ذات الطابع الشفوي، كما تركها الرّسول الأمين قبل وفاته، في مجتمع قائم على الشفوية،
إلى مستوى نص كتابي ثابت ومقدَّس ومحكم الإغلاق، قد جمّدالألوهية عند مستوى النمو العقلي والأخلاقي للحظة تدوين النص القرآني. أي، لحظة «مَصْحَفة القرآن .»
بالجملة التّوكيدية نقول : إلهنا أو ربّنا أو خالقنا -أو الذي هو بلا تعيين وفق الرّؤى الأكثر دقة وإشراقاً- بات محتَجزاً داخل سياج مفاهيم وتصورات نصوص تنتمي عموماً إلى العالم القديم، عالم القدامة.
لذلك، نؤكد مجدّداً بأنّ انتقال فكرة الله من عالم القدامة البائدة إلى عالم الحداثة المتجددة هو مشروع نبيل وجميل أيضاً، لكنّه يستدعي في المقابل قدرتنا على تحرير صورة الله من تصورات التراث، وتخليص مبدأ التوحيد الرّبوبي من شوائب تقديس نصوص الموتى.
بمعنى أوضح، يتوجب علينا أن نتجرّأ على النظر إلى أحكام ما يُسمى بالشريعة، فنتجاوز ما لايمكن قبوله، وما ينتمي الى القدامة، أو يكفي أن نسقطها بالتقادم.
هذا واجب أخلاقي، ومصلحة واقعية، وضرورة عقلية. ولا غرو، إذ )يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام( ، سورة
الرحمان، الآية 27 .




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.