آخر الأخبار :

نقد مقال "الأدارسة: دولة الوهم و وهم الدولة"


بعد قراءة متأنية لمقال "الأدارسة: دولة الوهم ووهم الدولة" بقلم "ريناس بوحمدي"، أود أن أدلي بدلوي في هذا النقاش، من خلال بعض الملاحظات حول المقال :
1) كاتب المقال ينطلق من معطى مغلوط :
" أكيد أن لتأويل النص الديني نصيب وافر فيما يحدث من نتائج كارثية على جميع الأصعدة،لكن السؤال المقلق لما لا نجد ضمن كل هذه الجماعات الإسلامية المسلحة جنسيات أخرى غير المغاربية كالأتراك والإندونيسيين وغير ذلك من المسلمين غير العرب؟ ما السر في ذلك؟ أهي أزمة نص أم أزمة الأنا الجماعية المشوشة التي استلذذت مسخها إلى قطيع للنص في تأويلات لا يد له فيها، كما يتلذذ المازوشي بالتعذيب الذاتي؟"
لا أظن أنه يخفى على أحد، بما في ذلك كاتب المقال، أن ضمن كل هذه الجماعات الإسلامية المسلحة نجد جنسيات متعددة، أوربيون ،أمريكيون، روس، يابانيون، شيشان، أفغان....
مطالبان ليسوا مغاربيين ولا عرب، بوكو حرام ليسوا مغاربيين ولا عرب.
السؤال الذي يطرح نفسه هو، لماذا هذا الخطأ؟
أود أن أظن أن كاتب المقال ليس على علم بهذا المعطى المعروف من لدن الجميع. لكني لا أستطيع الجزم بعدم درايته لأنني بذلك أسب ذكاءه ومعرفته.
إذن لماذا أقصى كاتب المقال هذه المعطيات وحصر الإنتماء للجماعات الإسلامية المسلحة على المسلمين العرب؟
لماذا بعد أن دعانا " لتعطيل القلب لبرهة وترك مساحة أكبر للعقل" أجده منذ البدء يفعل العكس؟
2) من أجل الإستدلال على أطروحته يقدم لنا الكاتب أمثلة تاريخية عبر "استخراج المكنونات من نفس النصوص المعتمدة لاكتشاف المسكوت عنه" في هذا الإطار يحيلنا الكاتب إلى مراجع أصَّلت لهذا التاريخ المزيف الذي يريد إعادة استقراءه.
لا يسعني في هذا الصدد إلَّا أن أحييه.
لكن عرضه لهذه النصوص يقتصر على سرد مقاطع خارج سياقها:
حين يتحدث عن إغراء " العرب الغير مستفيدين بعد من غنائم بلاد الفرس والأقباط والأقوام الأخرى التي تم غزوها من قبل "، "بما سيغنمونه من أموال طائلة حيث سبي أنثى أمازيغية واحدة يعادل ثمنها في أسواق النخاسة بالجزيرة العربية وزنها ذهبا؛ "
يقدم لنا مقولة للملكة ديهيا " بعد استنطاقها لأسراها الثمانين (الذين أسرتهم بعد انتصارها على حسان بن النعمان ) " :
" أن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ".

حين أقرأ هذا المقطع يتمثل في مخيلتي مشهد الملكة وهي تعلم المحيطين بها بخلاصة الإستنطاقات. أي أن هذه المقولة ليست مقولة للملكة بل هي ما اعترف به الأسرى.
بخصوص هذا الحدث يحيلنا الكاتب إلى المرجع الذي استقى منه الخبر: "البيان المغرب ‫في ‫أخبارالأندلس‬ ‬‬‫و‬ المغرب‬ ‫‫" لابن عذارى المراكشي.
ماذا يقول إبن عذارى في كتابه؟
بعد أن تطرق إبن عذارى إلى وصف المعركة التي دارت بين جيش المسلمين بقيادة حسان إبن النعمان وجيش الأمازيغ بقيادة الملكة ديهيا وانتصارهذه الأخيرة وأسرها ‫لثمانين‬ ‫رجلا ً‬ ‫من‬ ‫أعيان‬ ‫أصحاب حسان. يقول :
" وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين فلما رأت إبطاء العرب عنها قالت للبربر إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييئس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر فوجهت قومها إلى كل ناحية يقطعون اللشجر ويهدمون الحصون..."
إستناداً إلى المرجع الذي أحالنا عليه الكاتب فإن مقولة " إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة " ليست خلاصة إعترافات الأسرى ، كما يوحي به المقال وإنما هي مقولة لا علاقة لها بهؤلاء الأسرى أخداً بعين الإعتبار المدة الزمنية الفاصلة بين حدث الأسر والمقولة، خمس سنوات حسب المرجع.
حسب المرجع هذه المقولة هي إستنتاج من طرف الملكة وليست إعترافاً من طرف العرب.
قصة أخرى تبرهن على تحضر الأمازيغ وهمجية العرب، قصة الوفد الأمازيغي، برئاسة ميسرة المطغري، الذي ذهب لمقابلة هشام بن عبد الملك من أجل الاشتكاء  من جور ولاة هشام على المغرب آنذاك، والإستفسار هل ما يقوم به هؤلاء الولاة هو بأمر من هشام بن عبد الملك أم لا، كما جاء في مضمون الرسالة التي تركها الوفد للخليفة بعد عدم تمكنهم من مقابلته.
حسب كاتب المقال فإن كل المصادر تتفق على هذه القصة.
لا أدري إن كانت كل المصادر تتفق على هذا، ليس لي إطلاع على كل المصادر، لكن الأكيد أن هذه الرواية وردت في المرجع الذي اعطاه كاتب المقال "تاريخ الرسل والملوك الجزء الرابع" للطبري. ولم أجد مصادر تفنذ هذه الرواية.
إلا أن المصادر تختلف حول السبب الذي منعهم من مقابلة هشام بن عبد الملك. فحسب كاتب المقال فإن هذا الأخير رفض مقابلتهم، ذون أن يحدد المصدر الذي اعتمد عليه.
الطبري فيي كتابه "تاريخ الرسل" لا يوضح السبب إنما يكتفي بقول " فخرج ميسرة في بضعة عشر إنساناً حتى يقدم على هشام، فطلبوا الإذن، فصعب عليهم فأتوا الأبرش فقالوا : أبلغ أمير المؤمنين...."، ودائماً حسب الطبري فإنهم انتظروا الرد حتى "طال عليهم ونفذت نفقاتهم".
حسب موقع ويكيبيديا ، المقال المخصص لميسرة المطغري، السبب يعود إلى أن وزير هشام بن عبد الملك، الأبرش الكلابي، منعهم من لقائه (لم أستطع الحصول على مصدر هذه الرواية).
ماهمنا، ليس قصدي هنا أن أدافع عن هشام بن عبد الملك أو غيره. لكن أتساءل لماذا يجزم صاحب المقال بأن هشاماً رفض مقابلة الوفد.
الإجابة تكمن، في نظري، فيما يلي هذه القصة حسب كاتب المقال.
إذ تطرق لرد هشام بن عبد الملك على رسالة الوفد الأمازيغي،كرد على شكوى الأمازيغ، قام هشام بن عبد الملك بإرسال رسالة إلى عامله على أفريقية مطالباً إياه بالمزيد من الغنائم " ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى الملك بن مروان رحمه الله " وخصوصاً الجواري البربريات المالئات للأعين الآخذات للقلوب...".
رد أقل ما يقال عنه أنه إستهزاء بمطالب الوفد الأمازيغي المشروعة.
ولكي ينسجم الخطاب و تكون هذه الرسالة رداً على رسالة الوفد الأمازيغي، فإنه يجب بالضرورة أن يكون هشام بن عبد الملك على دراية بقدوم الوفد ورسالته، وإلا لما كان هذا رداً.
وفرضية أن هشام بن عبد الملك هو من رفض مقابلة الوفد تساهم في رسم ملامح هذا الخليفة الهمجي.
حسب الطبري، إستناداً إلى نفس المرجع أعلاه، فهشام بن عبد الملك لم يكن على علم بقدوم هذا الوفد : " فلما طال عليهم ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رقاع، ورفعوها إلى الوزراء ، وقالوا : هذه أسماؤنا وأنسابنا؛ فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه، ثم كان وجههم إلى إفريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه واستولوا على إفريقية؛ وبلغ هشاماً الخبر وسأل عن النفر، فرفعت إليه أسماؤهم..."
لكن صاحب المقال لم يورد هذه القصة لأنها بكل بساطة لا تخدم أطروحته.
أعود الآن إلى قصة رد هشام بن عبد الملك. فصاحب المقال أعطانا مصدر هاته المعلومة: " تاريخ الخلفاء، باب عبد الملك بن مروان" لعبد الرحمان أبي بكر السيوطي.
المشكل أنني، وبعد إطلاعي على هذا الكتاب، لم أجد أثراً لهذه الرواية.(على الأقل لم أجدها في باب عبد الملك بن مروان ولا باب هشام بن عبد الملك).
هذه الرواية موجودة بكتاب "حوار مع صديق أمازيغي" لعبد السلام ياسين ص 25 على لسان محمد شفيق في رسالة له إلى عبد السلام ياسين.
لكن المصدر الذي اعتمد عليه محمد شفيق غيرمذكور في هذا الكتاب.
لكن هذه القصة متداولة على عدة صفحات إلكترونية، (يكفي أن نقوم ببحت غغوغل للجملة: "كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله على افريقية: ") .
شخصياً أظن أن كاتب المقال أخذ هذه القصة من مقال بعنوان: "جذور الارهاب فى كتب التراث رسالة هشام بن عبد الملك إلى عامله على افريقية يطلب منه إرسال المزيد من السبايا الأمازيغيات إلى دمشق ." حيث تسرد هذه الرواية بعد مقدمة أقل ما يقال عنها أنها تدعو للكراهية: "اقرا هذه الرساله جيدا ثم اخبرنى ما هو احساسك لو كانت اختك او امك او ابنتك هي التى خطفها هؤلاء الرعاع لتباع فى شوارع خلافتهم عارية".
في هاته الصفحة : 
http://abu-dhar-al-ghifari3.blogspot.fr/2015/12/blog-post_28.html?m=1

نجد قصة رسالة إبن هشام مكررة مرتين، المرة الثانية يرجعونها، كما فعل كاتب المقال إلى السيوطي. أما المرة الأولى فالمصدركتاب "الدولة الأغلبية التاريخ السياسي 184ـ296هـ / 800ـ909م " للدكتور محمد الطالبين ص 39
محمد الطالبين يعطي ثلاثة مراجع:
1. كتاب "النساء" لأبي الفرج الأصفهاني. بحثت عن هذا الكتاب ولم أجده، وحسب مقدمة كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني فإن هذا الأخير لم يكتب كتاباً عنوانه "النساء".
قد أكون مخطئاً.
2. كتاب "تحفة العروس ومتعة النفوس" لمحمد بن أحمد التيجاني ص 68 ـ 69. لا أثرلهاته الرسالة في هذا الكتاب.
3. كتاب "البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" لإبن عذارى ج1 ص 52، حيث يشير إبن المعرب إلى هاته الرسالة. ( حسب تعبير الدكتور محمد الطالبين). إشارة إبن عذارى تتمثل في جملة واحدة : " وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبعثون فيها إلى عامل إفريقية، فيبعثون لهم البربريات السنيات.".
ما همنا هل هذه القصة حقيقية أم لا. يبقى التساؤل: هل كانت رداً على رسالة الوفد الأمازيغي، كما يصورها كاتب المقال، وبالتالي السبب المباشر في ثورة أمازيغ المغرب؟
أشك في هذا.
أتفق مع كاتب المقال حول ضرورة مراجعة تاريخنا، لكن هذا لن يتأتى عبر إختراع تاريخ بذيل.
مراجعة التاريخ تقتضي بحثاً موضوعياً، وعبر عمل مضن ومراجعة، ومقارنة، للمصادر. وليس الإكتفاء بنقل نصوص متداولة على آلأنترنيت وسردها دون مراعات للسياق التاريخي وظون بحث حول صحتها أو عدم صحتها.
3) الملاحظة الثالثة حول إختيار كاتب المقال لشخصية هتلر كمقارنة مع شخصية إدريس الأول.
لماذا هذا الإختيار؟ أين هي المموضوعية التي وعدنا بها في مقدمة مقاله.
ما همنا. فلنراجع هاته المقارنة. الأكيد أن الجواب سيكون لا، عمدة باريس الغير متقن للألمانية لن يحتضن هتلر الطريد.
لكن إذا قلنا بأن هذا العمدة يتحدث الألمانية و إضافة إلى ذلك هو من المؤمنين بأطروحة هتلر. هل الجواب سيكون لا في هاته الحالة؟
التاريخ يعطينا الإجابة، حيث كان هناك العديد من الفرنسيين، المؤيدين لأطروحة هتلر، الذين ساعدوه على تثبيت تواجده بفرنسا.
رسالة الوفد الأمازيغي لهشام بن عبد الملك، والتي سردها كاتب المقال تثبت شيئين إثنين:
1. الأمازيغ، أو على الأقل قادة القبائل الأمازيغية، كانوا يتقنون اللغة العربية.
في هذا الباب أجد أن لا محل لتعجب كاتب المقال من فصاحة طارق إبن زياد الذي كان قائداً في الجيش و، على الأرجح، كان يتحدث العربية بشكل يومي.
2. الأمازيغ كانوا مسلمين.
على ضوء هذين المعطييين تبدو قصة وصول إدريس إبن عبد الله إلى المغرب وإستقبال إسحاق بن محمد له، قصة معقولة.
هل هي حقيقية أم لا؟
ليست لدي معطيات كافية للجزم بهذا ولا أظن أن لكاتب المقال من المعطيات مايمكنه من الجزم بعدم صحتها.
4) يعتبر كاتب المقال أن تواجد المسلمين بالأندلس ما بين 711 و 911 تواجداً " شبحياً ". على إعتبار أن سنة 911م هي " السنة التي تؤشر على أولى وأقدم الشواهد الأركيولوجية في الأندلس ".
ماذا يفعل إذن بمسجد قرطبة الذي تعود بداية بنائه إلى سنة 786م؟
ماذا يفعل بكل المراجع اللتي استند إليها والتي تتحدث، جلها، عن المغرب والأندلس؟
ماذا يفعل بشارل مارتيل، رمز من رموز التاريخ الفرنسي، والذي انتصرعلى الأمويين بمعركة بواتييه سنة 732م.
أم كل هذا مجرذ إختراع، وصاحب المقال وحده من يملك الحقيقة إعتماداً على مصادر" بتصرف ".
5) يقول كاتب المقال بخصوص قصة إدريس الثاني "بعد أحد عشر شهر من وفاة إدريس الأول سيرى الثاني النور".
للأسف لم يعط كاتب المقال مصدر هاته القصة، وأظن أنه خلط، سهواً أو عن قصد، بين السنين والأشهر، فالرواية الرسمية تقول بأن إدريس الثاني ولد ثلاثة أشهر بعد وفاة أبيه ( حسب كتاب دولة الأدارسة العصر الذهبي للدكتور سعدون عباس نصر الله فإن إدريس الأول توفي يوم 16 تموز[ الشهر السابع] سنة 791م [ص 83] ثم يعود في الصفحة 84 ليصحح حسب تعبيره سنة الوفاة إلى 793م. أما تاريخ ولادةة إدريس الثاني فيرجعه، حسب نفس المصدرإلى 14 تشرين الأول [الشهر العاشر] سنة 793م [ص 92] )
وتولى إدريس الثاني الحكم في، حسب نفس المصدرأعلاه، سنة 804م أي في سن أحد عشرة سنة.
6) بالنسبة لإسم كنزة لم أفهم لماذا يرى كاتب المقال أنه "سيميائيا أقرب إلى مجال القدح والشتم " فكلمة كنز، في فهمي المتواضع، تعني الشئ الثمين الذي نخبئه ونحرص عليه.
أم هي مجرد محاولة للقول أن العرب يسمون أبناءهم بأسماء قبيحة؟
7) لماذا، حين يتحدث كاتب المقال عن المرابطين، يتجنب الإشارة إلى الطابع الديني المؤصل لهذه الدولة ويعتبرها وليدة ثورة الأمازيغيين وفقط؟
ما أصل كلمة مرابطين؟
كيف توسعت هذه الدولة لتمتد من السنغال إلى الأندلس؟
هل توسعت بفضل الحوار الحضاري، أم بقوة السلاح كما هو الحال عليه بالنسبة للعرب و جل الحضارات الإنسانية، إن لم أقل كلها، منذ بذئ التاريخ الإنساني إلى يومنا هذا؟
أتفق، كما قلت سابقاً على ضرورة مراجعة وتصحيح التاريخ.
أتفق على مبدأ تغييب القلب وإفساح المجال للعقل.
لكني لا أتفقق على إستعمال هذه المبادئ من أجل تصفية حسابات بين أبناء الحاضر مبنية على وقائع حدثت بين أبناء الماضي.
ولك مني التحية.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.