آخر الأخبار :

عدنان ياسين إسكوبار الثقافة المغربية


صرت أخاف على حياتي الآن. وأقفز كل الوقت من مكاني، وأتأكد إن كانت الأبواب والنوافذ مقفلة بإحكام. أخاف من أن أردّ على الهاتف فينقضّ عليّ صوت مجهول، يهدّدني بالدقائق المتبقّية من العمر. سأطفئ النور وأذوب في الظلمة. أطلق بأعلى صوتي:” أكتب إذن أنا غير موجود”. ولا أحد.
بارون الثقافة المغربي قادم. الإسكوبار ياسين عدنان. أسمع خطاه في الكولوار. لن ينجو أحد من القتل الرمزي. هو يقول أنني غير موجود، وأنا فهمت رسالته المشفّرة، بدم بارد سيأمر قتّاليه بتصفيتي. يحشدهم ليفرّغوا عيارات الضغينة فتنفجر جمجمتي، أو ينبشوا في حياتي الشخصية، ويضعوا قنبلة قذرة تنفجر أمام البيت.
لقد عوّضنا الأحزاب التي كانت تحتكر سوق الثقافة السوداء بكارتيلات جديدة، تبيع الأقراص المهلوسة للخرابيط.
الثقافة الآن يتآمر عليها قناصون ومجرمون وانتهازيون لهم سوابق في الرداءة. فالأمر أصبح ملحّا، ليس في إنشاء “مجلس أعلى للثقافة” بالمغرب، كما اعتقد البعض، بل إلى “مرصد ثقافي للطحالب والخرابيط”.
إنها عصابة ثقافية أيها الشعراء. واشهدوا بأنفسكم.
ويا لحماقتي، كيف تجرّأت على زعيم مافيا الطحالب؟ وعليّ أن أغيّر عنواني بالقطب الشمالي وإلا سيزجّ بي في منفى سرّي جديد. إنه أحقر من كل الذين انتقدناهم في الماضي. على الأقل، كانوا يخوضون معاركهم بكل نبل، ولهم تاريخ وطني، وناضلوا سياسيا وثقافيا، وانتقدناهم لالتجائهم إلى ماكينة مؤسساتهم الحزبية التي صنعت منهم كتابا. أما اليوم، فنحن نواجه عصابات سرية مدرّبة، هي الأكثر خطرا على الثقافة والأدب. إنهم خرّيجو المعاقل الطلابية “القاعدية” الذين نادوا بالمصالحة، وقلبوا “فيستاتهم” كما في أستوديو تصوير مخزني، وصاروا سفراء للسياسة والثقافة في العالم.
لا أحد من حقّه أن ينتقدك، ولا أن يخرأ من الضحك وهو يراك بارونا للأدب المغربي، وقد تحوّل فجأة إلى صبيّ يصرخ ويخبط قدميه بالأرض، ونحتاج سَكّاتة بلاستيكية نُخَشّيها في فمه.مهزلة أن تلتجئ إلى الرسوم المتحركة للشتم والقذف السريع، لكن لا تكترث، سنمنحك الوقت الكافي حتى تكبر يوما. سنمنحك الوقت أيضا، لتقرأ جيلا من الشعراء الأمريكيين، أطلق عليه جيل “البٍيت” أو الغضب، وهم سنافر شعرية غضبانة، مضادة للثقافة السائدة، وأظنك كنت مدرّسا للإنجليزية في السابق، لكنك من نوع الرخويات (أي بالدارجة المغربية كِلِمِيني الثقافة)، تنهل فقط من الصالونات الأدبية المخملية.
أليس بمقدورنا أن نقول لك، أن خيالك من الضحالة، بحيث استعملت عائلة السنافر المحبوبة، وهي بالمناسبة، وأضف هذا إلى مجهولاتك، في الأصل طيبة ولم تكن أبدا حقودة، وعندما نعتتك بالطحلب، فهو توصيف لسياق ثقافي مطحلب ومأزوم، ويمكن أن أقذفه في بركة آسنة أو في وجه كل مثقف ملفّق، ولم أختر لك مثلا اسم الضفدع الثقافي، ببساطة لأنه يصف فردا ولا يصف السياق ذاك، لأن ردّي ليس فيه أية شخصنة، بل هو لغتي الشعرية الشرسة وغير المهادنة، رغم أن الضفدع يشبهك تماما، يتربّص ويطلق لسانه الدّبق لالتقاط الحشرات والفرص، وينقّ وينطّ في كل مكان.
 
الوهم برأسين مفلطحين
 
أنت غارق في الوهم، يا إسكوبار الثقافة المغربية. ولن تُخيفني باستعمال أذرعك الأخطبوطية في الإعلام والثقافة، وتجييش حشود خرابيطك الغبية لخنق حريتي في انتقاد طحلبياتك. فنجوميتك السطحية، جعلتك لا تتخيّل بأن ثمة من سيحاسبك، ويخترق حتى عملك الأدبي، للتحقّق من قيمته، ويكشف ضلوعك في هذه السيبة الثقافية، وأنك لا تستحق لقب الأديب التافه، أو تمنحه وساما زائفا لأي خربوط يجاملك، أما مهنتك كإعلامي فقد سحلتها أمام العموم في قناتك المخزنية، واعترفت أن لطيفة حليم استضفتها بدون سابق معرفة، فهل يبرّر قدومها من كندا أن تفتح لها المجال لتقييم تجربة الهجرة والكتابة بالكامل هناك؟ أليس من حقنا أن نسأل عن معاييرك في اختيار الضيوف؟ وأن السيّدة تجهل تجاربنا ولا علاقة لها بالشعر، خصوصا وأنك صرّحت مرة:” أجوبة ضيوف مشارف أُخمّنها سلفاً”، فجاءت خربطات ضيفتك،عن جهل، لتبخّس ما أنجزه غيرك. وقد تعمّدتَ أن تقطّر علينا الشمع، وهذا قمّة الاستهتار، واستغلال لسلطة الإعلام.
ليس من أخلاقي أن أوظّف تفاصيل تافهة مرتبطة بالحياة الشخصية للآخرين عندما أنتقدهم، لأنني لو فعلت معك “لشَرملتُك تشرميلا”، لذلك سأرفع عليك السقف، مرة أخرى كما قلت، وأضع هذه المرة أصبعي في بؤبؤ الظاهرة الإسكوبارية المصطنعة، لفضح أسلوبك في الكتابة وأدبك السطحي، نثرا وشعرا، والأهم تعرية ظاهرة من السلوكات الثقافية المُطحلبة.
أعود أوّلا إلى ردّك عليّ الذي ولد ولادة عسيرة، من الخلف، برأسين مفلطحين، أسلوب تقريري إنشائي، هو طريقتك في الكتابة، وآخر يوظّف معجما تقليديا، منمّقا بسجع عصر أدب الانحطاط العربي، وأنصحك أن تفكّر في تماسك النصّ ووحدته، كي تخلق يوما معجمك وأسلوبك الخاصّين في الكتابة.
ودعني أوشوش لك في أذنك، بيني وبينك: حاول، ولو مرّة واحدة في حياتك، أن تكتب نصوصك بالاعتماد على نفسك، فنثرك رديء وشعرك مصطنع، أما من ساعدك على تدبيج ردّك، تعرفه وأعرفه، وهو شخص أحترمه ولن أزجّ باسمه هنا، وأعتبره أخا أكبر، وقد أشفق عليك في ورطتك، وهو عندما يوظّف السّجع ففي انسجام مع عالمه وكتابته. أضف أنه هو من يضع عناوين كتبك مثل “مانيكان”، أتحتاج أن أذكّرك؟ “فالأسلوب هو الرجل” كما قال بليز باسكال، واعلم أيها الأديب، أن هذه الوشوشة، مجرّد “أسرار معلنة”، كتابك المشترك، والدليل الأسلوبي الدامغ على ما أسلفت سابقا.
هذا نثرك الرديء، قرأناه في متابعاتك الصحفية، وأصابنا بالغثيان وأنت تحاول دون جدوى، الإصرار على السرد القصصي، في مجموعاتك ” تفاح الظل”، و”فرح البنات بالمطر الخفيف”،و”من يصدّق الرسائل؟” وكنا نتمنى فقط أن نصدقك، وأنت تنسج خيوط الحبكة والتراكيب بشكل ركيك، كتلميذ مصاب بإمساك أمام فرض مادة “الإنشاء”، أما روايتك التي لم أقرأها بعد، فأفترض الأفظع.
 
تكاد لا ترى فضائحك الأدبية
 
عندما أصل إلى الشعر، فتلك مصيبة أخرى، وهو ما يهمّني هنا باعتباري قارئا ومهتمّا بالشعر، وأتمنى ألا يطير عقلك الآن، وتتحوّل من إسكوبار يدّعي النجومية والنفوذ الثقافيين، إلى وضيع يبلّل سرواله، وسأكتفي بالإشارات الضرورية التي يسمح بها الحيّز هنا، وأترك للنقاد والقراء من نبّاشي القبور والنيكروفيليين ليتحقّقوا بأنفسهم، ويقلّبوا ويهبشوا في ركام شعرك، خصوصا وأنك تعتبر، كما قلت بالحرف، أن “الكاتب يتحقّق عبر تراكم منجزه الإبداعي”، وأنت هنا، ببلادة، تتحدث عن النشر، ولأنك تشتغل في الإعلام الثقافي الرسمي منذ عشر سنوات، وتطرح، فقط، القضايا الزائفة المرتبطة بالمركز الثقافي وتتناسى هامشه، لم تنتبه لظاهرة ملفتة بالمغرب، وإلى أقرانك من جيلنا الذين نشروا عملا شعريا واحدا أو لم ينشروا أصلا، لكنك لن تصل إلى أظافر أقدامهم، شعريا وتأثيرا في الوسط الثقافي، وأذكر بعض الأسماء التي تحضرني الآن: عبد الإله الصالحي، سعيد الباز، حميد زيد، جمال المعتصم بالله، رشيد نيني، أبو بكر متاقي، كمال أخلاقي، جلال الحكماوي، محمد أهروبا، حسن ملهبي، عبد الرحيم الصايل، واللائحة طويلة وأعتذر إن لم أذكر الجميع، أما عالميا من الشعراء المقلّين، فثقافتك الشعرية السطحية والمحدودة لا تسمح لك بقراءتهم، لكن لا بأس أن أذكرك بأنطونيو بورشيا الذي ترجمت شذرات من عمله الوحيد والفريد والمؤثر في قارة كاملة، أمريكا الجنوبية.
لنعد إلى ركامك الشعري المرتبك والمزيّف، كأي سلعة مضروبة يروّجها صبيان البارون إسكوبار، ونستعرضها حسب ترتيب زمن النشر:
“مانيكان وبقايا نساء” 2000، رصيف القيامة 2003، لا أكاد أرى 2007، دفتر العابر 2012. ولنبدأ ب”مانيكان وبقايا نساء” أوّل كتبك المنشورة، وهو مجموعة من القصائد الرومانتيكية كتبت بعاطفية ساذجة، ولم تتجاوز شعر النّزاريات، وعلى مستوى الرؤية ظلّت حبيسة الأفكار الذكورية والدّونية المنمّطة حول المرأة، والعنوان الذي تضيف إليه “بقايا نساء” لا معنى له سوى التعبير عن سادية بليدة، ولم تأت بفكرة شعرية قوية، كما نرى مثلا عند نزار قبّاني، أو في الشعر الأمريكي مع شارل بوكوفسكي في “الحبّ كلب من جهنّم” وهو يمرّغ المرأة في الأرض، لكن نقرأه بمتعة وتدهشنا فلسفته الحياتية. وهنا من الضروري أن أقفز إلى عملك الثالث “لا أكاد أرى” الذي صدر عن دار النهضة، لنتفاجأ بأن نصوصه في الحقيقة هي نصوص البدايات الأولى في حبوك الشعري، لكن لماذا اختفت ثم ظهرت من جديد بعد سبع سنوات؟ الجواب بسيط، هو التهافت والنصب على القراء والقفز الضفدعي، فعندما أعلنت دار النهضة عن مشروعها بنشر الشعر العربي الجديد، لم تفوّت الفرصة وأردت أن تحجز مكانك في المتن الشعري الجديد، بنصوص استغنيت عنها أصلا من تجربتك، ومنحتها عنوانا براقا لا علاقة له بالمحتوى، مثلما فعل البعض بالنصب وتغيير عنوان مجموعته الشعرية المنشورة للفوز بجائزة خليجية، لكنك ضبطت متلبّسا، لأنك لو فعلت في المغرب لصفّق لك عميانك، وكنت أعمشهم، كما وصفتك في ردّي السابق، فأنت فعلا ” لا تكاد ترى”. وأذكّرك هنا بالمقالة الفاضحة لسلوكك الرديء نصا وحياة، تلك التي كتبتها سيلفانا خوري في جريدة “النهار” اللبنانية بعنوان:” “لا أكــــاد أرى” تتقدّم القصيدة خطوة وتتراجع خطوتين”، وأقتطف هنا بعض فقراتها، حتى لا يقول خرابيطك الذين لا يقرؤون، أننا اخترعنا شيئا من فراغ للإساءة إليك، فأنت تتكفّل بنفسك. تقول سيلفانا:”تبدو بعض القصائد، تراكيب وصوراً وايقاعات، كما لو أنها كُتبت في خمسينات القرن الفائت حين كان الشعراء يجرّبون بحياء طوراً، وبإقدام في طور آخر، هذا النوع الجديد من الكتابة الذي يحقق قطيعة مع الموروث الآفل، فينجحون أو يقاربون النجاح أحياناً ويتعثرون في أحيان أخرى”، وهذا ما يجعلك بعيدا عن اجتهادات أقرانك من شعراء جيلك، وأضعفهم وأقلّهم فهما للحداثة أو للنقاش المحتدم حول قصيدة النثر التي لم تكتبها أبدا، لكنك تحضر أماسيها ومهرجاناتها قسرا، وأذكرك بحلقة “مشارف” التي استضفت فيها صلاح فضل وكنت مداهنا ومخجلا.
أعود إلى سيلفانا خوري التي تثبت ما أوردته سابقا حول التهافت وإخراج نصوص البدايات، لأنك لم تكن تملك وقتها مجموعة جاهزة، لنشرها ضمن مشروع “دار النهضة” تقول:” لذا لا أعرف هل هو التسرع أوقع الشاعر هنا في التقهقر الواضح، كأنما المجموعة كُتبت على عجل، أو هل هو نوع من “الردة” إلى أسلوب يراد منه أن يكون أكثر أماناً، فيقع عوض ذلك في الصورة المجترة التي لم تعد تحقق الدهشة المتوخاة”وتزيد أيضا :”هذا الافتعال سنعود لنلمسه في أكثر من مكان على طول المجموعة، وأكثر من مرة في هذه الجملة: “تتردد في أن تبوح لنخل المدينة/ بالتعب المتسلل من دمها/ نحو برج البلح/ تعتلي تلة القلب/ كي تقطف الضوء/ والجثث القمرية/ من شجرات الحلم”. السؤال الملحّ الذي يطرح نفسه الآن، هو كيف أصبحت مجموعة “مانيكان بقايا نساء”، نقطة التحوّل الكبرى في ركامك الشعري ولم تتجاوزها بعد؟ الجواب يعرفه المطلّعون على الشعر المغاربي، وأذكرك بعودتك من الجزائر، محمّلا بمجموعة شعرية فاتنة، للشاعر الجزائري عمّار مرياش، عنوانها “اكتشاف العادي” 1993، سلختها سلخا في “مانيكانك” البلاستيكية المجوفة من الداخل، حيث سرقت روحها وتقفّيت أثر قصائد الحبّ المتضمّنة داخلها، وقلّدت بنية إيقاعها الداخلي بشكل فاضح، ببساطة لأن خيالك ضحل، ولا يتجاوز معجما مثل “البجع أو مساء التفاح”، رغم أنني أشك أنك رأيت بجعة من قبل، والأكثر طرافة أنك تضع أسماء مدن جزائرية على بعض القصائد، كشاهد إثبات.
لكننا نتفاجأ كيف تبدّل عالمك الشعري وطار بك بُراق الشعر إلى الماوراء، عندما نقرأ “رصيف القيامة”، وعلينا فعلا أن ننتظر الساعة بعد كل هذه الفضائح، لنكتشف أن رصيفك أيضا مسلوخ من قصيدة للشاعر المصري حلمي سالم، لا أذكرها الآن، ولا يمكنني الحصول على أعماله لأنني في قارة أخرى.
أما “دفتر العابر” فلن أقف عنده حتى، لأنه يكشف لغتك التي تراجعت مرة أخرى وعادت إلى سخافات “لاأكاد أرى” و”مانيكان”، ماسخا الشعر إلى وكالة سياحية للأسفار، دمغت على صفحاته كل العواصم والمدن التي زرتها بنوع من التباهي السطحي، ليكون جواز سفرك أفضل مجموعاتك الشعرية.
 
حتى لو قلبت أمامنا عربة من الكتب التافهة
 
برأيي الشخصي وكي أكون منصفا، فأنت موهوب فعلا ونجم ساطع في تسلّق المنصات، وتمارس التنشيط الثقافي (من المنشّطات) وتعكّز عليه لتبييض ضعف تجربتك الكتابية، فمن المستحيل مثلا أن أقارنك، من حيث القيمة الشعرية،حتى لو قلبت أمامنا عربة من الكتب التافهة، بشاعر كعبد الاله الصالحي الذي أصدر مجموعته الفارقة والوحيدة “كلما لمست شيئا كسرته” ونلمس فيها عالما شعريا متكاملا، وقراءة ذكية للفلسفة وللشعر العربي والعالمي، الأمريكي منه على الخصوص. نفس الأمر بالنسبة للشاعر حميد زيد، في مجموعته “السلاحف تتكلّم الفصحى”، ولو قرأتها لأصبت بتصلّب في الشرايين، لأنها تخبط العربية في العمق، وتقترح جملة شعرية تنتهك قواعدها وتراكيبها، وهي من ضمن أجمل ما قرأت مغربيا وعربيا، وقد صدرت لأذكرك، عن دار كربون 14 التي أطلقتها من كندا. وأكيد ستكون صدمتك قوية وأنا أذكر رشيد نيني، رغم خلافي معه، وهو بالمناسبة شاعر وكاتب ممتع، وكتابه “يوميات مهاجر سرّي”، حقق فعلا أعلى المبيعات، ولم يكذب على القراء بأن نسخه نفذت، كما فعلت، بتوزيع جزء كبير منها باليد. إنك بصراحة عديم الموهبة، ولست مافيوزيا مثلك كي أمارس التصفية والقتل الرمزي، كما صرّحت أنت، بندمك على ذكر اسمي في برنامجك، وأنني غير موجود بالنسبة إليك، وهذه نزاهة فكرية من الصعب عليك ممارستها، وإن كنتَ من طحالب التواجد والوجود في كل مكان، فأنا من شعراء العدم.
 
كذّاب كبير
 
بعد كل ما سردت، كيف لشخص صادق مع نفسه ويحتفظ بمسافة مع العالم والأشياء المحيطة به، أن يتشفّى أو يحسدك على “مشارفك” التي تشرف على الهاوية. ببساطة، لأنك تتوهّم أن النجومية مقياس لنجاح الكاتب، وهذه شعبوية ثقافية أخطر من شعبوية رشيد نيني في الصحافة، والتي كنت إلى وقت قريب، تراها مقيتة.
وأذكرك لوضاعتك، أنني كنت أول المتضامنين معك بعد توقيف برنامجك، ضدا على قناة المخزن، ولأنك كذّاب كبير يا إسكوبار، فإنني مازلت أحتفظ ببيان التضامن (بالعربية والفرنسية) ولائحة أسماء المثقفين الموقعين عليه وكان اسمي ضمنها، وعندما نشرته في “الأخبار” اللبنانية حذفته بحقارتك المعهودة، ونسيتُ الأمر.
إنك تعرف جيدا، أنني لا أشبهك تماما وأنظف منك، وكانت كتاباتي تخجلك دائما مقارنة بكتابتك، وكم اعترفت لي بذلك، وكنا نختلف اختلافا جذريا من حيث رؤيتنا للمشهد الثقافي، منذ أن كنت ساعي بريد “اتحاد كتاب المغرب”، وتدعونا للانخراط فيه والحصول على بطاقة عضويته، وكنت لك بالمرصاد، لأنني لا أرى جدوى من الاستنقاع، وأن المؤسسة لا تصنع كاتبا، ولم أندم أبدا على ذلك، وها هو التاريخ يثبت صدق ما فعلت، أما بخصوص مقالاتي التي كنت أقذفها في وجه المشهد الثقافي المغربي، منذ التسعينيات، فمازالت راهنتيتها تقلقك، ومازلت أصرّح بشمهروشية جزء من الشعر المغربي، ولا يعنيني الأفراد بل منجزهم، أما أنت فقلبت خطاب بداية التسعينيات، وصرحت بالحرف :”اكتشف شخصياً أننا خاصمنا الكثير من التجارب الشعرية قبل أن نقرأها ونتمثل بعمق أهمية منجزها الشعري”، و هذه هي قراءتك السطحية للشعر، التي عمّقتها مصالحك وتحققك الذاتي والاجتماعي.
أما السبب الحاسم الذي جعلني أقاطعك تماما منذ سنوات، فعلى الجميع أن يعرفه الآن، وهو زيارة الشاعرة بلين خواريث إلى مراكش، واتفاقي معها على إعداد أنطولوجيا للشعر الاسباني، أترجمها عن الفرنسية كلغة وسيطة، وتنشر على موقع “الذبابة” الذي كان، لعلمك،يبثّ من كندا، طبعا نشرتُ الانطولوجيا فأرسلتَ لي طالبا أن تعيد نشرها، على صفحات مجلة “الصدى الإماراتية” التي كانت تمنحك 4000 درهم وقتها، وعندما رفضت وقلت لك إنني لا أنشر كتاباتي في المجلات النفطية، اقترحت علي بالحرف ودون خجل، “أن تنشرها بدون أن تورد اسمي”، فأنذرتك بعدها بأن “الذبابة” تملك حقوقا للتأليف في كندا وإن خرقتها سأقاضيك، لكن لم أفهم وقتها الهدف من وراء ذلك، إلا حينما سمعت بتبادلكما للزيارات، بين البحرين، وإسبانيا.
أورد كل هذا لأكشف للجميع، بأنني لم أكن متحاملا عليك، وأنني كنت أحترم الماضي المشترك وأتفادى الدخول في التفاهات، والبادئ أظلم.
وفي ما يخصّ تقييمك للملحق الثقافي، فأنا لا أحتاج للردّ عليه، فالقارئ الفطن قادر على تقييم تاريخ الملاحق الثقافية بالمغرب، وتسعة أعداد من ملحقي، أي شهران متتابعان وأسبوع يتيم خلقت استنفارا ثقافيا، انتبه إليه الجميع مغربيا وعربيا. وبخصوص الشاعر حفيظ بودى، وما أثرته عن والدته كان عارا أن نسكت عليه، وهو لعلمك مازال حيا يرزق، وقد تفاجأت بذلك، لكنه أصبح اليوم رمزا للشاعر المغربي الميت الذي يمشي في جنازته، وينظر إلى الأحياء مثلك الذين يمعنون في تشييعنا واحدا، واحدا.
بالنهاية، كأننا في كابوس، خرجنا منه لنعود إليه عبر اللغة، وقذفنا قذفا في هذا التاريخ المشترك، وعندما نجهر بالصمت،يعلو نقيقكم ليصمّ أذن الشعر، وعلينا أن نتطحلب مثلكم، ونجاملكم، أو نهبط إلى قبورنا بأنفسنا، ونردم علينا التراب، لا خيار أمامنا. فحتى لو كنتَ، فقط، ضدّهم فأنت ضدّ الجميع، ضدّ ثقافة عصرهم الزائف.
وأختم بما قاله جبران يوما: “أنتم كثار وأنا وحدي فقولوا عني ما أردتم، وافعلوا بي ما شئتم، فالذئب يأكل النعجة في ظلماء الليل، وتبقى آثار الدماء على حصباء الوادي، فيجيء الفجر وتشرق الشمس”.




نشر الخبر :
نشر الخبر : موقع ينايري
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية،.