آخر الأخبار :

مصائر النّوع البشري ومآلات الكينونة


في نهاية الملحمة البابلية القديمة، فضّل جلجامش أخيراً أن يتقبّل قدره المحتوم، أنّه كائن فان. خلاصة صاغها الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في عبارة شهيرة له تقول:«الإنسان كائن من أجل الفناء». لعله ابتغى بتلك الصياغة إسقاط «الحق في الخلود» نهائياً طالما أن الكينونة لا تتشكّل إلاّ انطلاقاً من وعيها بفنائها. غير أنّه فتح الباب أمام سؤال آخر، لربّما آن أوان طرحه: ما مآل الكينونة في ظل الخلود؟ لنكن صرحاء، لم تعد فرضيّة الخلود مجرّد فكرة مِن نسج سينما الخيال العلمي، لم تعد مجرّد وهم خرافيّ خارج أفق الاشتغال العلمي، بل أصبحت هدفاً علمياً قريب المنال، على مرمى مئة عام أو يزيد عنها قليلًا. بَعد ذلك، سنشرع على الأرجح في الخروج من عصر الإنسان، هذا الكائن الذي يواجه المرض والشيخوخة والألم والموت، والدخول من ثمة إلى شيء آخر، يسميه البعض منذ الآن بإنسان ما بعد الإنسان (transhumanisme). لا يتعلق الأمر بمجرّد فرضية نظرية أو افتراضية، لكن الأمر متعلق بمشروع علمي جبار يثير أقسى المخاوف ويبعث أقصى الآمال، يعتبره فرانسيس فوكوياما بمثابة الفكرة الأشد خطراً وضرراً على مستقبل الإنسان، ويعتبره لوك فيري أملاً عظيماً للوجود الإنساني، ويعتبره بتير سلوتردايك مغامرة مفتوحة يجب خوضها في كل أحوالها من دون أحكام قيمة. عموماً نحن أمام بوادر ثورة وراثية قد تغير من طبيعة النوع البشري بصفة جذرية.
بدأت الخطوة الأولى من هذه المغامرة يوم 18 سبتمبر 2013 في إحدى بلدات كاليفورنيا، حيث تم إطلاق «مشروع كاليكو»Calico Project الذي تشرف عليه الشركة العملاقة «غوغل» نفسها، ويهدف إلى توجيه دينامية الهندسة الوراثية، وتقنيات النانو، ومهارات البرمجة العصبية، ومعطيات علوم الأعصاب، نحو إطالة عمر الإنسان بنحو خارق، نحو 500 عام وفق بعض التقديرات، وربّما ألف عام وفق تقديرات أكثر تفاؤلاً، مع القضاء جينياً على القابلية الوراثية للأمراض جميعها، وضمنها الشيخوخة التي بات يُنظر إليها بدورها كمرض وراثي قابل للعلاج الوراثي، وليست قدراً حتمياً كما كان الاعتقاد. بل يؤكد بعض المسؤولين على المشروع بأن الإنسان الذي سيعيش ألف عام سيولد في غضون السنوات القليلة القادمة، إن لم يكن قد وُلد منذ الآن. بالطبع يبقى مجال الارتياب هنا واسعاً وكبيراً، وقد لا تظهر النتائج الأولية قبل عقود من الآن، لكن المؤكد، أن عمر الإنسان إذا بلغ عتبة ألف عام، فمعنى ذلك أن الإنسان يتّجه بخطى حثيثة نحو العمر الأبدي.
 
 الحقيقة الأخرى، أو الوجه الآخر لنفس الحقيقة، أن لكل إنجاز كبير كلفة كبيرة. هنا بالذات، قد يكون عدم حساب الكلفة أو عدم الاكتراث بها، كارثياً بكل المقاييس. الواقع أننا نوجد اليوم في لحظة هي الأكثر حرجاً وارتياباً، إننا فوق حبل منصوب على الهاوية كما جاء في «الإنجيل الخامس» -وهو المصطلح الذي أطلقه سلوتردايك على كتاب «هكذا تكلم زارادشت»- الإنسان جسر وليس نهاية، وفق نبوءة نيتشه. في كل تردّد خطر، في كل توقف خطر، في كل تراجع خطر، ولا خيار لنا لتفادي السقوط سوى المضي قدماً. ذلك هو رهان نيتشه لتخطي مرض العدمية المفضي إلى الانحطاط والسقوط. ما يعني أن النوع الإنساني يجب عليه أن يتخطى نفسه بنفسه، لكن نحو ماذا؟ نحو الإنسان المتفوق (superman) بلغة نيتشه، ونحو إنسان ما بعد الإنسان (transhumanisme) بلغة تيار ثقافي معاصر بات يحمل نفس الاسم. لكن، هل كان رهان نيتشه أن الإنسان المتفوق سيحقق الخلود؟ هل كان نيتشه يراهن على العيش بحيوية وعنفوان خارج هشاشة الوجود العرضي؟ بلا شك، تبقى أسئلة كلفة الوجود الأبدي كثيرة ومبرّرة، بعضها يتعلق بملاحظات هابرماس عن أن التفاوت الاجتماعي قد يصير تفاوتاً في قدرات الناس على تحسين نسلهم، ما يعني أن التفاوت الطبقي قد يصبح تفاوتاً بيولوجياً، وقد ينتهي إنسان ما بعد الإنسان إلى تشكل أنواع بشرية متنوعة بدل نوع بشري واحد، تماماً مثلما جرى لعالم الكلاب. مخاوف مبررة بالفعل. غير أني أعتقد بأن أهم أسئلة الكلفة تتعلق بمصائر الوعي ذاته؟ هل ستستمرّ قدرة الكائن الإنساني على الوعي بذاته في حال خلود الذات؟ أليس الوعي بالذات في جوهره وعي تراجيدي بما يعتري الذات من عرضية ونقص وعوز وفناء؟ أليست الكينونة نقص كما يقال (manque d›être)؟ على أن تركيزي على مآلات الوعي لا يعني استصغار سائر المخاطر الأخرى، وعلى رأسها خطر التفاوت البيولوجي بين البشر، وإنما يعني بالأحرى الحفاظ على قدرة الوعي على استحضار تلك المخاطر كلها. ففي غياب الوعي، في غياب الوعي بالذات أساساً، لا يمكن أن يكون ثمة وعي بأسئلة المصير والمآل.
حدس الزمان
كيف ستكون الكينونة في ظل ديمومة لا تبلى ولا تفنى؟ كيف يصير الوعي بالذات حين يغدو حضور الذات مطلقا وبلا نهاية؟ وهل ثمة من فرصة للوعي بالكينونة حين لا تكون الكينونة معرّضة للفناء والاختفاء والانطفاء؟
على الأرجح، في غياب الموت قد يفقد الإنسان حدس الزمان، قد يغدو الشخص كائناً بلا حنين ولا تطلّع ولا آمال ولا أحلام، قد لا يغادر الواحد فراش النوم إلا بعد ألف ليلة من التثاؤب والتثاقل طالما كل الأعمال قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية، بدءاً من مواعيد العشق وانتهاء بمواعيد العمل والإبداع. في عالم الأبدية كل ما يمكننا فِعله يمكننا تركه بلا فرق كبير في النتيجة، وكل ما نتركه الآن يمكننا أن نستأنفه في وقت لاحق، في زمن لاحق، في عصر لاحق، في أبدية لاحقة، فلا سقف للزمان، لا حدّ أقصى للإمكان، لا جدول أعمال للأعمال، لا ترتيبات، لا أولويات، لا استحقاقات، فإن العمر هو نفس العمر دائماً وأبداً، وفي حساب اللانهايات لا فرق بين الأرقام، وإن القدَر المرسوم هو نفس القدر الذي لا يتغيّر، أو بالأحرى لا فرق بين أن يتغير أو لا يتغيّر، ففي حساب المستقبل الذي لا ينتهي لا فرق بين ما يأتي الآن وما يأتي بعد ألف ألف عام. وهكذا، قد يمضي على الخالدين زمن طويل من العيش بلا مغامرات، بلا خيبات، بلا فقد للأحبة، بلا رسائل وداع، بلا مقاومة لزحف النهاية على بقايا العمر، بلا مرض أو ألم، بلا حسرة أو أمل، وفي الأخير قد يخفت وعي الإنسان بذاته، وتدخل الكينونة في غسق مخيف. هكذا تبدو حسابات الوعي هي الكلفة الأكثر جدية. فهل تراها دعوة إلى التشاؤم؟
المعركة ضدّ الموت هي التي صنعت الإنسان. المعركة ضدّ الموت هي التي صنعت الحضارة والعلوم والإبداع. أما الانتصار النهائي على الموت فقد يعني نهاية المعركة. هذا مقلق بكل المقاييس. لكن، لربما علينا أن نرفع سقف الوعي بنحو يفوق قدراتنا ككائنات فانية، حتى نرى آمالًا باقية في استمرار المواجهة مع الموت إلى ما لا نهاية: بعد حين من الدهر سيكون على الإنسان أن يغادر الأرض قبل موتها. ثم سيكون عليه أن يغادر المجموعة الشمسية قبل موتها.. وبعد ذلك بزمن طويل عندنا لكنه لا شيء عند الخالدين، سيكون عليه أن يخوض معركة الإفلات من الموت الحراري للكون.. ثم يا للهول! فإن وعيي الذي سيذوق الفناء لا محالة لا يتحمّل كل هذا الامتداد من التأمل المريب. أتوقف. بل أعود فوراً إلى حيث أنا الآن. ماذا سأفعل؟ سأرتشف الجرعة الباقية من فنجان قهوتي. سأرتشفها بمتعة المذاق الأخير.
عندما عاد جلجامش إلى مدينة أوروك بعد أن فقد أمل الخلود، تراءت له المدينة بَاسمةً جميلة. بدأ يمعن النظر في أسوارها، يتفحص أحجارها، ويراقب أدق تفاصيلها. لقد أدرك بأنه كائن فان. أواه، لعل الفانين يستمتعون بالجمال أكثر، يعشقون أكثر، يبدعون أكثر، يغنّون أكثر، يرقصون أكثر، يتوجعون أكثر، ينتظرون أكثر، يحلمون أكثر. لعل الفانين يعيشون الكينونة بكثافة وعنفوان. والسؤال الآن، إذا ما «مات الموت» هل ستختفي الكينونة أم أنها ستشهد مآلات يصعب تصورها الآن؟ مهما كان قدرنا فلا شيء أهم من أن نواصل قدرتنا على التفكير. تلك هي وظيفة الفلسفة. وستبقى بدورها وظيفة ابدية.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.