آخر الأخبار :

الأغلبية المأزومة.. آن لكم أن تولووا وجوهكم نحو الحائط!!


منذ اندلاع حراك الحسيمة وما جاورها بفضل الأحرار من نساء ورجال بحثا عن الكرامة وحرية الإنسان في زمن رديء حيث العبيد يتخيلون أنهم زعماء وناطقون باسم الأغلبية –منذ ذاك وأنا أتردد في كتابة بعض الحروف، لكني لم أفعل إيمانا مني واقتناعا بأن حروف (المثقفين) تأتأة سحرية أمام عظمة عزيمة الرجال الحرائر من النساء لمناهضة الاستعباد وزمان  الغباء السياسي.
وحينما اجتمع (البناشي السياسي) في محج الحاج العثماني وأصدروا بلاغهم العنتري، راودتني فكرة كتابة هذه السطور لأذكر هؤلاء القوم بأنهم كلهم قنافذ ليس فيهم الأملس، وهذا لعمري أحد تجليات الاستثناء المعلوم في الوطن العزيز..يقف الإخواني إلى جانب الماركسي إلى جانب كاتب الحزب التاريخ العظيم!! وقفة الاستعداد ضد جزء من وطنهم في الشمال.
لست هنا في معرض إعادة ما قيل وقيل عن المطالب المشروعة للجماهير الشعبية في الريف الأشم، ولا أن أدافع عن هذا الريف بهذه الحروف، فالريف له رجاله ونساءه وشيوخه الذين لن تنال من عزيمتهم وجنوحهم الغريزي نحو الحرية الأقلام الصفراء ولا بيانات الارتزاق السياسي. لكن هذا لا يمنعني أن أحيي عاليا موقف الأحزاب الحسيمة التي رفضت ما جاء في اجتماع ممثلي الأحزاب الستة في بيت رئيس الحكومة، وهذا يدل على أن ديناصورات الأحزاب التقليدية تتخذ موافق ارتجالية دون الرجوع إلى قواعدها، أو اتخاذ القرارات المتصلة بأمن الوطن وسلامته دون أدنى بصيص من الحكمة والتعقل، ضاربين عرض الحائط ببدهية أن قطرة دم مواطن مغربي أنى وجد أسمى وأعظم من الحبر الذي كتبت به البيانات الصفراء.
أيها الزعماء المحترمون! عودوا إلى أحجامكم الصغير، فلا تتطاولوا على أبناء شعبكم من خريجي الجامعات والعاطلين والمعدمين، وعودوا إلى قراءة تقارير المؤسسات الدولية إن كنتم تقرؤون، وإن كنتم لا تقرأون وفاشلون سياسيا بدليل أن تنظيماتكم لم تنجز أي شيء للملايين من الشباب العاطلين، فانصرفوا إلى كتابة الشعر الغزلي أو المديحي وهذا أفضل لكم من استعداء النظام على شرفاء ونبلاء المواطنين في الريف، واعلموا أيها السادة المحترمون أن في المغرب أريافا وليس ريفا وحادا، فَتِنْغِير وما جاورها كانت تغلي بدورها وأبناء الأطلس تحاصرهم الثلوج كل سنة ويعيشون على الكفاف وتتقطع بهم السبل إلى أبسط المستوصفات والمدراس إن وجدت، لا نريد منكم أن تكونوا زعماء في حجم عبد الكريم الخطابي أو قوامي نكروما أو غاندي أو مانديلا، فقط نتمنى لكم لو منحكم الله ربع جينات الزعيم الماليزي مهاتير محمد الذي حول ماليزيا من حال إلى حال، فأي إنجاز لتنظيماتكم تفخرون به! الجواب ما ذقتم وكسبتم وحدكم. عقدكم اتجاه الريف مرض مزمن أورثه لكم أجدادكم من الحركة الوطنية، بل إن هذا المرض لم يسلم منه حتى المارشال ليوطي أو مواطنه بيتان الجنرال. لقد قال الأول: (أحب الريفيين ولكن كما هم على حالهم) أي أن حب ليوطي (وهل رجال السياسة يحبون؟) أي أن حب ليوطي لأهل الريف مشروط ببقائهم على تخلفهم يمارسون التهريب ويمارسون القرصنة أو الاضطرار إلى التهجير إلى الخارج لبناء اقتصاد أوروبا المدمر أثناء الحرب العالمية الثانية. وأن الجرال بيتان الذي تزعم الحلف الإسباني الفرنسي ضد ثورة عبد الكريم فقد حشد آلاف الدبابات ومئات الطائرات ومختلف الأسلحة الفتاكة، وكل ذلك تحت إمرة عشرات القواد العسكريين برتب عالية، وحينما سئل عن سر هذا الإنزال العسكري أمام عتاد ثورة الريف البسيط، أجاب بكل بساطة: إنني لا أقاوم الرجل ولكني أقاوم الفكر (أي مشروع عبد الكريم الخطابي) لا في مستعمرات فرنسا بشمال إفريقيا فحسب بل في العالم): وهنا أسألكم وأسأل على وجه الخصوص اليساري الثرثار الذي عبر بكل حماسة بدوية عن حماقاته ولم يكن ينقصه غير سيف عنترة: هل التاريخ يعيد نفسه؟ أو كما قال ماركس واليساري يعرفه جيدا: إن التاريخ حينما يعيد نفسه فإنه في المرة الأولى يكون مأساة وفي المرة الثانية يكون مهزلة! نعم إنها مهزلة ريفوفوبيا ووفق هذه المهزلة المسرحية نصبح أمام المعادلة التالية: المطالبة في الحق في التعليم بجميع أسلاكه يصبح مطلبا انفصاليا، وكذا الاعتزاز برموز التاريخ الوطني وفك العزلة عن طريق استكمال الطريق السيار بين الحسيمة وتازة وكذا تزويد المنطقة بشبكة من الطرق تهيئ فرص الاستثمار لتنمية الأقاليم الذي لا تنقصه الثروات المادية، وما حبته به الطبيعة من الشواطئ الممتازة تجعل منه إقليما يضاهي ماربيا الإسباني.
قد لا أكون مغاليا إذا قلت إن اجتماع الأحزاب الستة وما فبركه الخيال المريض من تهم تروم من خلالها إخفاء عجزها عن مواجهة مشاكل المنطقة المزمنة، هو حلقة في سلسلة من الحلقات التاريخية عنوانها الوحيد: قهر أبناء الريف عن طريق ابتكار أحط المؤامرات لتحويل الريف بكامله إلى دار حرب ومحاولة طمس وتشويه رموزه التاريخية التي هي رموز الوطن كله، بالأمس الأقرب تم ذبح أربعة مواطنين أبرياء –كما تحكي بعض المصادر التاريخية- من لدن السفاح أفقير تمهيدا للتدخل العسكري المعروف ضد الإقليم بناء على تقارير مغلوطة رفعت إلى السلطات العليا، دون أن ننسى تلغيم الإدارة بعناصر لا تمت للإقليم بصلة وكانت تستفز المواطنين لإشعارهم بأنهم غرباء في أرضهم. وهذا كله في خضم المطالب الاجتماعية والسياسية التي رفعت أثناء أحداث 59-58 ضد هيمة الحزب الواحد وضد هيمة نخبة فاسية في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة، أي أن أبناء الريف ونخبة الريف كانت على وعي بما حيك في أيكس-ليبان، لقد جر عليهم وعيهم الويلات من كل الجهات، لم يسلم منها حتى الرمز الأممي عبد الكريم الخطابي، فعلى سبيل المثال اخترع وطنيو النخبة الأندلسية أسطورة تحرير عبد الكريم الخطابي بإنزاله في أرض مصر، من حق الغباء السياسي ترويج هذه الصورة، ولكن الغباء الأفظع هو الغباء الثقافي وصمت المؤرخين عندنا عن تهجي كون إنزال عبد الكريم الخطابي في القاهرة كان مؤامرة مدبرة أي أنهم اختطفوه، وهذه قضية سياسية تعتبر تعبيرا عن جزء من المعضلات السياسية الكبرى التي شهدها المغرب الحديث، ولكن دور المثقفين في هذا المجال ينم عن جبن ثقافي لا مثيل له يشي بالممالأة والنفاق الثقافي، لكن أبناء الريف والمغاربة عموما لا يمكن أن تنطلي عليهم مؤامرة هذا الاختطاف وحصاره أمام مبنى ما كان يسمى (لجنة تحرير المغرب العربي!)، هذا هو دأبهم يريدون إطفاء الشعلات المضيئة بنسج الأكاذيب، فمن لم يُقتل من شرفاء هذا الوطن بالسيف قُتل بنسج الأكاذيب حوله.
نسج الأكاذيب حق مشروع لمن يملك السلطة والقوة الإعلامية، بل هو منهج متبع حتى في الديمقراطيات التي تسمى نفسها عريقة مثل الولايات المتحدة، ولعل البعض يعرف أن في عهد مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي وأثناء المواجهة العسكرية مع ثوار الفيتنام وكمبوديا، تشكل فريق من الخبراء أطلق عليهم على ما أتذكر لقب أصحاب الفهم في جميع التخصصات، وأنجزوا مجلدات ضخمة الغاية منها كل الغاية تزيين وجه أمريكا وترسيخ صورة كاذبة في مخيلة الشعوب مضمونها أن أمريكا هي المؤهلة لقيادة العالم على الرغم من هزائمها في جنوب شرق آسيا.
لكن الكذب هناك لا يشبه الكذب هنا. الكذب هناك يسهر عليه خبراء في نظام ديمقراطي على علته، وأما هنا فهو بطعم مر، في الحالة الأولى هيبة الدولة أو الوطن حاضرة بقوة، وأما هنا فهو يروم التعامل مع أبناء الوطن بنوع من الاستعلاء والاستقواء واحتكار حب الوطن والحرص على سيادته واستقراره!
وفي الختام أقول لكم: عليكم أن تتأملوا قول مظفر النواب حينما قال في حق الساسة المعلومين: وجوهكم إلى الحائط/ لأن تشكيلة وجوهكم لا تعجبني. كما أرجوكم أن تقرأووا هذا البيت الذي أنشده أعرابي تخلص من زوجته الشريرة بأن طلقها فقال:
ذهب الحمار بأم عمرو
  فلا رجعت ولا رجع الحمار
  




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.