آخر الأخبار :

الفخذان للزوجة والصدر للزوج!


لا أعرف هل كان من حسن حظي اليوم أم من سوئه أني خرجتُ متأخرا شيئا ما لتناول طبق الكسكس الأسبوعي في المطعم الذي اعتدتُ على أكله فيه كل يوم جمعة. مطعم لا هو بالشعبي جدا ولا هو بالفاخر جدا، والسعر عموما مناسب: 45 درهما للطبق. وجدتُ المطعم مكتظا عن آخره، سألت النادل، قال: لم يتبق ولو طبق كسكس واحد ! أذنتُ لنفسي في توجيه كلمة عتاب له على شكل سؤال: هل كان ذنبي أني جئت متأخرا اليوم بربع ساعة لا غير؟، ودون انتظار أي جواب منه انصرفتُ إلى مطعم لا يقل جودة عن الأول، سعر طبق الكسكس فيه أرخص بكثير من الأول، لكن «ذنبه» أنه ليس في موقع جيد، فلا يكتظ بالزبناء مثل الأول ومثل باقي المطاعم والمقاهي التي يزدحم بها الشارع؛ لأن الناس يفضلون الجلوس في الفضاءات الموجودة في الشارع، كي يستهلكوا الطعام ويحتسوا القهوة والشاي والعصائر والمشروبات الغازية، ولكن ربما أيضا كي يتناولوا أشياء أخرى أعينهم بها أعلم وأدرى. وجدت المطعم الثاني قد أغلق. لم يفاجئني إغلاقه، بل تعجبتُ لصموده شهورا عديدة قبل أن يرفع راية الاستسلام؛ ففي هذا الحي أصبح أصحاب المطاعم والمقاهي هم الآخرون وحوشا تشبه وحوش العقار. يكون لأحدهم مقهى أو مطعم هنا، لكن يأتي آخر فيفتح مقهى أو مطعما قبالته، فيملأ سائر ثغرات وعيوب المحل القديم، كأن يأتي بديكور فاخر، وكراسي وموائد أنيقة جدا، ويشغل نادلات بنات، وربما يخفظ سعر المشروبات، فما تمضي بضعة أسابيع حتى يفلس صاحب الفضاء القديم، فيضطر للإغلاق، لأن زبنائه يفرون منه إلى صاحب المحل الجديد، وهكذا ذواليك. 
ما علينا. لا كسكس اليوم، قلتُ، ثم عدتُ إلى المنزل بعد أن تسوقتُ فاكهة، وتناولت زلافة صيكوك، وحبات تين مكسيكي عساهما يفتحان قريحتي المطبخية فتجود بطبق أتدبر ترتيقه بما في البيت من خضر وسلطات، وما إلى ذلك. ولكن عندما اقتربتُ من المنزل، شاهدتُ موائد مطعم فاخر فتح حديثا مملوءة بأطباق كسكس، قلتُ حسنا، ها هو الكسكس، لأجرب هنا، ثم سألتُ النادلة: ألا زال عندكم كسكس؟ قالت: نعم، قلت: هاتني واحدا، دخلتْ، فيما جلستُ في مائدة، لكن النادلة عوض أن تحضر الطبق كما توقعتُ، عادتْ وقالت لي: سعرُ الطبق هنا 65 درهما ! قلتُ لها لا مشكلة، وإن كانت عودتها تلك مشكلة حقيقية لأنَّها تفضح بما لا مجال للشك فيه الأحكام المسبقة التي يحملها الكثير من المغاربة على الناس من خلال مظاهرهم لا غير. فلكوني أهملتُ شعر رأسي إلى أن أخذ يتدلى، ولكوني لم أحلق ذقني اليوم، ولكوني أحمل حقيبة ظهر تُبديني كمسافر تائه أو سقط من سقف إحدى الحافلات للتو، ولكوني أرتدي بطلون دجينز، ولكوني بدأت أتقدم في السن، بحيث صار الكثيرون يدعونني بـ «الحاج»، وما إلى ذلك، فربما توقعت النادلة أني قد لا أقوى على تسديد ثمن ما سآكله، وتجنبا لما قد لا تحمد عقباه إذا اتضح أنني بالفعل لا أستطيع الأداء، فإنها حذَّرتني...
حضر الكسكس، وما مضت لحظات حتى جلست قبالتي عائلة تتألف من زوجة وأب وابن وبنت؛ جلست الزوجة قبالة زوجها فيما جلس الابن والبنت إلى جانب بعضيهما، وما إن مضت بضع دقائق حتى جاءت النادلة بدجاجة كاملة، وبطاطس مقلية، وسلطات، وما إلى ذلك. سررتُ. فمع أنَّه لا تبدو علامات اليسر على هذه الأسرة الصغيرة، فهي تدبرت أمر أخذ وجبة غدائها اليوم هنا، بل ربما تأتي إلى هذا المحل مرة في كل أسبوع لتكسر الروتين وتجدد أواصر المحبة. وبالفعل، فثياب الزوج والزوجة والأبناء نظيفة جدا، كأنها ثياب العيد. لاشك أن الزوجة قد تدبرت أمر تصبينها وكيها إلى أن أكسبتها رونقا وجمالا. تبدو الزوجة تقليدية، من خلال ملابسها، أغلب الظن أنها ربة بيت، فيما يبدو الزوج كسائر الأزواج العاديين الذين ينحتون الصخر أو يقبضون على الشوك بأيديهم، كما يقال، ليتدبروا توفير حاجيات الزوجة والأبناء... 
بدأ الأكل. ليس من طبعي «التخنزير» ولا «التبركيك». إذا كنتُ قد لاحظتُ الأشياء السابقة، فلكون العائلة جلست قبالتي تماما، بحيث أراهن أنه لو كان أي شخص آخر هو الجالس مكاني لما فاته أن يلاحظ ما شاهدتُ. فتلك الأشياء كانت تفقأ العين، وتداهم الرأس، في لمح البصر... ومع استغراقي في الأكل، وتحاشي ما أمكن متابعة هذه الأسرة، فقد لفت انتباهي كون الزوجة كانت تمد يدها إلى الجانب الآخر من الطبق، إلى الجهة القريبة من يدي زوجها، تجنبتُ النظر، لكن الحركة كانت من التكرار بحيث جلبت فضولي، خمنتُ أن تكون الزوجة galante ، كما يقال. فمن باب هذه الـ galanterie، كم زوجة تؤكل زوجها بيدها، كعلامة حب واحترام، بل وحتى دليل تعلق به وإخلاص له، فتنتقي أجود قطعة خضر أو لحم في الطبق بأصبعيها، ثم تمدها إلى فم الزوج، فيأكلها. وغالبا ما يبادل الزوج زوجته التصرف نفسه، فيناولها هو الآخر بأصبعيه من أجود قطعة في الطبق، وهكذا...
جلب فضولي تكرار حركة يد الزوجة، فقلتُ حسنا، لأستمتع بهذا المشهد الجميل. فربما خرجت منه بعبر ودروس، ولكن عندما رفعتُ عيني وجدتُ الأمر بخلاف ما توقعتُ تماما؛ فقد كانت الدجاجة المشوية موضوعة في الطبق بحيثُ كان فخذاها قبالة الزوج وصدرها قبالة الزوجة. أما الزوجة بحركاتها الآلية المتكررة تلك، فلم تكن تُطعمُ زوجها، بل كانت تفترس فخذي الدجاجة، وكأنها كانت تستعجل إنهاءها! ممممه، قلتُ، ثمَّ تذكرتُ مطعما آخر، كنتُ بمجرد ما أجلسُ في إحدى موائده، تأتي النادلة، ما تريد؟ أقول لها: ربع دجاجة. تسألني مجددا: أتريد الفخذين أم الصدر؟ وتعيد السؤال غير ما مرة، وهي تبتسم وتقوم بحركات يدوية لا تدع مجالا للشك في ما توحي به. إنها تلمِّحُ للجنس، فيصير معنى الفخذين هو الإيلاج، ومعنى الصدر هو المداعبة والعناق والبوس!!! وبربط هذا بذاك، أظنني - أو خيل إلي أنني - فككت لغز افتراس المرأة للفخذين من أمام زوجها، لاسيما عندما فطنتُ إلى أنَّ اليوم هو يوم جمعة، وأن الكثير من الأزواج المغاربة يجمعون بين «شعبان ورمضان» أو بين «الحج والزيارة»، كما يقال، أي يضربان عصفورين بحجر واحد؛ يحلق الزوجان في أجواء الفراش العليا ليلة الخميس، ثم يستحمون صباح الجمعة، فمنهم من يذهب للصلاة، ومنهم من يأتي إلى مطعم رفقة زوجته وأبنائه... إذا صحَّ تخميني، ما كانت تقوم به الزوجة، من خلال افتراسها فخذي الدجاجة، هو أنها كانت تنتقم من أنثى فاحشة هي هذه الدجاجة التي تمددت في الطبق ووضعت فخذيها قبالة الزوج، وكأنها تقول له: هيت لك !




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.