آخر الأخبار :

قصة قصيرة : الضحكة


 
السّاعة تُشير الى السابعة.. تَنْهضُ مُتثاقلاً.. مُتعبا من نهار زحامٍ آخرَ ينتظركَ، تشربُ قهوتكَ المغلية المعتادة في المطبخ الضيق بلا نوافذ، تنفض حذاءكَ المتسخ من غبار أحذيةِ من يعيشونَ معكَ، الخفافيش كما تُحب ان تسميهم.. طلبة الجامعة اسما فقط، الليل لهم والنهار لشخيرهم، تنزل السلام الضيقةَ، تشعُرُ وكأنها تضيقُ بكَ أكثر وأكثر كل يوم.
تمرُّ من الزقاق الضيق، يتّسِخ الحذاءُ مجدداً، تلعن المطر والتراب المبلل المَقِيت، تُصلّي أن تلحق حافلة السابعة والنصف، إنْ فاتتكَ ستأتي الأخرى بعد نصف ساعة وستكون مكتظّة كالاسواق قبل العيد، تُسرعُ الخُطى، تُفكر في ما ستتناول على الغذاء، تَشْعر بمغص حادّ في بطنك، تَتَذكر أنّك أكثرت من القطاني مؤخرا، تفكر في تناول شيء أحسن هذه المرة، دجاج مُحَّمر ربما! تصطدم بواقعِ أنّك لم تدفع كل فواتيرك بعد ولم تُوفر شيئا هذا الشهر، الصيف اقترب و إنْ لم تنفعكَ نقود التوفير في الذهاب بضعة أيام لمكان ساحلي، قد تنفعك للبحث عن وظيفة، او حتى لاحتساء قهوتكَ المقيتة السوداء كل مساء في أحد المقاهي دون ان تضطر أنْ تتسول من والدكَ. وسجائرك.. مجرد التفكير في يَدٍ تَخْلُو من لُفافَة تُحرق فيها تِبْغَ جُنُونكَ يَقُودُكَ للجنون، تشعر أن رُجولتك تحتضرُ مع كل خطوة مع كل فكرة، عِيد ميلادها اقتربَ ولم تقتني لها شيئا! تُراها سَتتَفهّم ؟ تَسْأل نفسك ببؤس، يَضِيقُ صدرك وانت تفكر في عيد ميلادكَ وكَم شعرتَ انها قصّرتْ في حقِّ نفسها حتى تتمكنَ من تَحَمُّلِ ثمن هديتكَ، إمَّا الفواتير وإمَّا هديتها! تهمس لنفسك "لن يقتلها وجودها مع حبيب لا يستطيع شراء هدية، ولكن حبيب متشرد أمر قاتل! الفواتير أولى"رغم ارتياحك لنظرية الفكرة، بقيتْ ملامحكَ منزعجة، وعيونكَ تلمع بؤسا، فاتتكَ الحافلة تاركةً خلفها دخانها وإياك، ثم رأيتها أمَامك 
بنفس قميص البارحة، ضفيرتها السوداء البسيطة على كتفها، وعُيونها الكَحِيلة دوما، تُحَدّق بك، بدَى وجهها بشوشًا لوهلة فحسب، ثم تَعَكَّر
" ماذا بكِ والنكد، وماذا تفعلين هنا، الحافلة انطلقت امام عينيكِ أم أنّك أصبحتِ الآن بحاجة إلى نظّارات؟؟!" 
"تأخرتَ، فارْتأيتُ ان انتظركَ ونذهبُ معاً؟ ماذا بكَ يبدو وجهكَ شاحباً"
تُجيبها بابتسامةٍ متكلفة ونبرة ساخرة مُحاولاً أن تُخبئ ما بكَ من فوضى
" أرأيتِ من قبل رجلاً يستقظُ مبتسماً وسعيداً؟؟ اخبرتكِ أنّ مسلسلات الأتراك ستُخربُ عقلكِ!" 
أجابتكَ وهي تمسك كفكَ بين يديها
" ما خَرّبَ عقلي إلاَّكَ، ابتسمْ! حتى يؤلمكَ وجهك، أنا سَأظل اسألُ ما بكَ حتّى أعرف!"
لم تَزدك كلماتها الاَّ مرارةً، الهدية أمِ الفواتير!
تَمُر لحظتها من أمامكما سيارةً فارهةً سوداء، بينما هيَ تُحدقُ في وَجْهِكَ مُحاوِلةً فكّ طلاسمه، تنظرُ أنتَ بِحُرقَةٍ لسائق السيارة، شاب في مثلِ سنّك وجههُ خالٍ منَ الشُّحُوبِ الذي يسكنكَ، تُفَكر دون إرادتكَ لو أن لديكَ ما لديهِ لأخَذتها للاحتفال بعيد ميلادها في باريس، لما فَكّرتَ أصلاً في الفواتير اللعينة، تَشُدّكَ ضحكة الشقراء بجانبه تفكر في تعاستكَ وحظه، تُطيلُ النظَرَ اليها..ثم تعود لفَتَاتِكَ، تُوجِعُكَ نظرةُ الوجعِ في عيونها لوَجَعِكَ! تُعاتِبُ نفسكَ لتخيلكَ فَتَاتهُ عاريةً للحظة. 
صَاحبُ السيارة لا يختلف عنكَ كثيرا، استيقظَ والساعة تشير الى السابعة، متثاقلا متعبا من حفلةِ البارحة، احتسى قهوته البرازيلية على مهلٍ، بحَثَ عن حذاءهِ الاسودِ الجلديّ المريح، لم يَجِدْ سِوَى فردة واحدة، ضحك في صمت، لا بد انه نسيها في الحفلة، ارتدى حذاءً آخرَ، هو أيضا جلدي ومريح! أخَّرَهُ البحث عن مفاتيح السيارة، اعتادَ أن يُعلق مفاتيح المرسيدس وراء الباب، لكنه منذ اسبوع 
استبدلها ببورش وجدَّدَ الشقة، ضاع مُعَلق المفاتيح وأصبح يُلقي بها أيْنَما وجد، أقلعَ أخيرا، غَمَرتْه رائحة التراب المبلل حين فتح النافذة، أغرته بإشْعال سيجارة لكنه سرعان ما غَير رأيه، شَـغَل باله ما وَقع في الحفلة، تَذَكَّرَ تَهَرّب صديقه المقرب منه بعد أَنْ رفض ان يُقرِضَة مبلغا ما، لم يسْتطع تذكر المبلغ لكنه طبعا يتذكر إدمَان صديقه على المُقامرة، لم تَكُنِ المرَّة الأولى التي يقْترضُ منه ولكنها كانت المرة الأولى التي يُقابله فيها بالرّفض، تذَكّرَ أيضا انه لمْ يرفُض له يوما طلباً رَغمَ أنّ العلاقة منذ بدايتها كانت عطاء من طرفه وأخذ من الآخر، شَعَرَ بضيقٍ مفاجئ، لم يُوقظه من فوضاه إلاَّ ضجيج السيارات وراءه يُنبهه بإشارة الضوء الاخضر، أقْلع ووجهه لازال مُمْتَقِعاً، تَذَكّر أنَّها تنتظرهُ في الشَّارع المُجاور، وأنّه لم يَقْتَنِي بعد القلادة التي طلبتها، فَتَحَ دُرج السيارة، أخرج علبة شوكولاته اقتناها منذ يومين عند تسوقه، فَكَّر أنها سَتَفِي بالغرض كَمُمَاطَلة حتى يقتني القلادة، كانتْ تنتظرهُ بالفستان العاجِي الذي جَلبهُ لها حين سافر دُبي، شَعْرها الأشْقر يتمايل مع نسيم الصباح، كانتْ تضع مساحيقَ التجميلِ على اختلافها إلاَّ الكحل، وعيونها تنظر بشكل غير محدد ، كان وجهه لا يزال مُقَطَّباً حين ركبتْ.. عانقته ثم قالتْ
" صباح الخير، لم أركَ منذ ما يزيد عن اسبوع والآن تأتيني مٌتأخرا !"
"صباح النور، لم أستطع أن . . " قاطعتهُ قبل ان يُكمل أرادَ أنْ يعتذرَ ويُخبرها عن صديقه، إلاَّ أنَّها غمزتْ قائلةً " مِنَ الواضح أنَّكَ أطَلْتَ السّهر في حفلة البارحة، قُبَلُ المُعْجَبَاتِ أتْعَبتْ وَجهكَ" لم تَكُن تُعجبها المرسيدس بتاتاً، الآن فقط شَعَرَتْ بِسَعَادَةٍ غَامِرة وهي تَـركبُ البورش، ختمت عِتابَها بقولها " علُبة الشكولاتة لنْ تكفي هذه المرة" ثم وضَعَتْ نظاراتها الشمسية وأخرجتْ يدها من النافذة مثلما يفعلون في الافلام، نَظرتْ اليه بدلع و ضَـحِكتْ ضحكة رنانة.




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.