آخر الأخبار :

نريد خبزا لا دمًا.....نريد عدلا لا قانونًا.


أفــاق " الملك العــادل " من نومه  على حلم مزعج . فقال للحكيم : " لقد حلمت أن جيشا عـــدوًّا جــــرارًا جاء يغـزوا مملكتي . فخرجت على رأس جيـش عرموم لملاقاته . و لكننا ما قطعنا فرسخا حتى اعترض طريقنا رجل رث الثياب ، حافي القدمين ، هــزيل البنيــة ، يحمل" سلــــة " و قصبـــة طويلــــة كتب على رقعة في أعلاها : 
نريد خبـــزًا لا دمًا  !!   
نريد عـــدلًا لا قانونـًا  !!
نريد سلمًا لا هُــدنــة   !!!
    وقد بدا لي  من هيئة الرجل و" السِّلة '' والقصبة التي في يده أنه معتــوه . وطلبت منه أن يتنحى عن الطريق .. إلا أنه ما تزحزح من مكانه  . وعندها أمرت حاشيتي بقطع رأسه وبتحطيم القصبة التي  في يده . فانبرى له أحد الرجال واستل سيفه وأهوى به عليه . فقابلــه الأبله بالقصبـــة كما لو كان ترسًا  ، وإذا بالسيف يتطاير شظايا وتبقــــى القصبـــــــة  سليمــــة . حينئذ انبرى له الثاني والثالث والرابع حتى آخر رجل من رجال الحاشية . وكلهم عملاق جبَّـار. فكانت النتيجة واحدة : تتكســـر السيـــوف ولا تُمَــــــسُّ القصبة بأذى ، ويبقى الرجل صــامداً كالطــود لا يتراجع خطوة ، ولا ينحرف يمينا أو شمالا .
إذ ذاك كادت تنفجر مرارتي غيضًا من رجال حاشيتي ....
و" بدوري " استللت سيفي وانقضضت بجوادي على الرجل وأنا أحسبني سأسحقه سحقا . ولكن سيفي طار من يدي إلا القبضة .
    ونشبت القصبــة في بطن جوادي ومنه في صدري ، فخــر الجواد صريعا وهويت من فوقه وبي رمق أخير يصيح : " أين الرجــال ؟؟ " وتراءى لي في لمحة الطرف ، وأنا أعالج سكرة الردى ، أن جيشي قد انتشر في سهل لا يُدرَك له أول ولا  آخر، وأن رجالي قد اصطفوا في ذلك السهل كتفا على كتف ، وفي يد كل واحد منهم قصبة طويلة كالتي في يد المعتوه ، وتحت قدميه سيف مكسور ، وفي أعلى كل قصبة رقعة كتب عليها : 
ليــــــس بالخبز وحـــــده 
يحيا الإنسان 
وعندما استفقتُ من نومي وفي فكري وقلبي  وأحشائي من الاضطراب ما لا يوصف .
عندئذ رفع الحكيم بصره عن الأرض وحدق الى وجه الملك وقال بصوت  لا خوف فيه ولا تردد : 
" عــاش الملك . وليعلم أن حلمه نبوءة بنهاية ملك السيف وبداية ملك القلم ." 
الملك :  وما دخل القلم في الأمر ؟؟
الحكيم : إن القصبة التي رأيتها في يد المعتوه ما كانت غير رمز للقلم .
الملك : والمعتوه ؟؟
الحكيم : أما المعتوه فشاعر أو كاتب أو فيلسوف 
الملك : والكتابة على رأس القصبة ؟؟
الحكيم : ذلك ما يطلبه الشعب في سره فلا يستطيع أن يعلنه غير شاعر أو كاتب أو فيلسوف يحسن استعمال القلم ويحسن قراءة ما في ضمير الشعب . 
الملك :ألعل الشعب جائع ليطلب خبزا ؟؟ إن مملكتي لتفيض بالخيرات . فكيف لشعبي أن يشكو الجوع ؟؟
الحكيم : الخبز موفور يا مولاي . ولكنه معجون بالــدم .
وما دام السيف مصلتا فوق رؤوس العباد كان خبزهم معجونا بالدم . والانسان مطالب بأن يأكل خبزه بعرق جبينه لا بــدم قلبه . تلك حقيقة يجهلها السيف ولا تجهلها القصبة . لذلك كتب على القصبة : نريد خبزا لا دما . 
الملك : والعــدل ؟؟ أما لقبني شعبي بالملك العادل ؟؟ أليس القانون يُطبق في مملكتي على الكل بالسواء ؟؟
الحكيم : لقبوك بالملك العادل لعلهم يخففون من ظلمك . فعدلك عدل السيف . لأنك تحكم بالقانون الذي لا يقوم بغير السيف . والسيف ظالم أبدا وإن عـــدل ..
        وأصبح الصباح فأمر الملك بجمع كل ما في مملكته من أقلام وبحرقها في الساحة الواسعة أمام القصر على مرأى من الجماهير . مثلما أمر بالزج بكل الشعراء والكتاب والفلاسفة في السجون .
وكان كما أمر الملك . فغصــت السجون بالشعراء والكتاب والفلاسفة وامتلأت الساحة الواسعة بالأقلام . وأضرمت النيران في الأقلام وارتفع دخانها ولهيبها في الفضاء حتى كاد يحجب الشمس . وهلَّل الناس وكبّروا وتعالت هتافاتهم . : " عـــاش الملك !!" إلا معتوها كان يدفع القوم بمنكبيه محاولا الوصول الى رابية الأقلام المشتعلة . حتى إذا بلغها من بعد أن خمدت نيرانها تناول منها فحمة وتسلل من بين الجماهير الى حيث كان علمٌ يخفق فوق سارية عالية . فأنزله ورفع مكانه رقعة وقد كتب عليها بالفحمة التي كانت في يده : 
 نريد خبـــزًا لا دمًا  !!  
نريد عدلًا لا قانونـًا  !!
نريد سلمًا لا هدنة   !!! 
وما هي إلا طرفة عين حتى مشت في الجماهير اهتزازات خفية كأنها السحر . وإذا بهم خِضَمٌّ متلاطم الأمواج . وإذا بصراخهم يشق عنان السّماء : " ليسقــــط المـلك " .
وكان الحكيم  ينظر من نافذته بعينين دامعتين . وعندما سُئل : أحزنا على الملك كان بكاؤه أم فرحاً بانتصار الشعب ؟؟
أجاب : " لا  ذاك ولا هذا . ولكنها العجيبة التي اجترحتها فحمة القصــبة ! "  
ــــــ بتصرف : من قصة " السيف والقصبة " لمخائيل نعيمة  ــــــــــــ




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.