آخر الأخبار :

السياسي التائه في بيداء مركب الاستبداد والفساد والتبعية


نحن اليوم في قوى الممانعة السياسية، بعد حادثة تخريب حافلة الحراك الديمقراطي التي كنا نمتطيها جميعا، نعيش اليوم ما يشبه لعبة المتاهة؛ منطلقاتنا غائمة، ومواقفنا ملتبسة، وتطلعاتنا غائمة، وحصائدنا برغم كثرة الضجيج بدون فائدة، نحن تركنا نهر الحراك الديمقراطي الكبير، وتشبثنا بجدول صغير يعكس أنانياتنا التنظيمية الضيقة، وخلفياتنا الايديولوجيا والسياسية المتبرمة، فأصبحنا بدون "عقل مسدد" يحدد بدقة ما نريد، ويرشدنا إلى قيم ومقاصد وغايات ومعاني النضال الموجهة، وجل أجوبتنا تطبعها المقاربات العدمية أوالوثوقية أو الوقوعية، ولم نتمكن بعد من تحديد اللبنات الأولى في المشروع المجتمعي الجامع، بل إن الحوار الميداني الذي دشنته حركة عشرين فبراير المجيدة علق جدول أعماله، وانتهى بقطيعة وجودية ومعرفية ووجدانية مريبة .
ونحن أيضا لا نعرف كيف نحقق ما نريد، ولم نهتدي بعد إلى الطريق السيار الموصلة إلى الأهداف، وبالتالي فنحن نفتقد إلى "العقل المؤيد" ولا زلنا نجهل فقه تنزيل إستراتجيتنا السياسية التي لا تزال تقبع في رحم الممكن، وتحتاج إلى حكمة فيلسوف وإرادة صادقة يطبعها الزهد والإنصاف وحب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكي تخرج إلى الوجود، وتتجاوز ليلة المخاض العسيرة.
 لكن ما يوجد اليوم على ساحة الركح السياسي الممانع لا يختلف عن نوع الدكاكين السياسية السائدة، التي هدفها التموقع وسبيلها الاقصاء وعدتها النظرية هي الوثوقية والعدمية.. فيكون حاصل ذلك جملة الإخفاقات التي صاحبت وجودنا منذ الاستقلال إلى فشل حركة عشرين فبراير المجيدة، لقد فشلت تجربة اليسار المغربي في وقت مبكر في استفزازاتها للممكن، حاولت مركسته وبلترته، وناضلت وقدم قوافل من الضحايا ومجهولي المصير، لكن الواقع الحرون لم يتحرك، وجاء بعده التيار الإسلامي المغربي بمكوناته المختلفة، وناضل وضحى من أجل أسلمة الممكن أو العودة به لعهد السلف الصالح، لكنه سار أيضا في دهاليز الفشل، وكأن تاريخنا السياسي النضالي المعاصر هو تاريخ الفشل المريع، في مقابل انتصار أطروحة مركب الاستبداد والفساد والتبعية.
فيكون حاصل تياراتنا السياسية الممانعة هو حالات تنظيمية متشضية، وقائمة بعضها ضد بعض، ومنذمجة في استراتيجية الهيمنة والسيطرة المخزنية على عموم الفضاء السياسي العام، وآليات تدبيرية معطلة، تصاحبها إرادات سياسية واهنة، فنعيش زمن السياسي التائه بامتياز، والتيه السياسي هو نظير "الموت الشهودي"، بمعنى أننا بمختلف فرقاء الساحة السياسية من قوى ممانعة، لا نقوم بأي شيء مفيد وصالح، بل منا من يجرب المجرب، ومنا من يعيد إنتاج الإنتاج، ومنا من ينتظر ويترقب، وما بدلوا تبديلا، فكبسولة زمنا السياسي متوقفة أومعطوبة.
نحن اليوم أمام امتحان البقاء في دائرة الممانعة السياسية، فشلنا في أن نبلور مشروعا سياسيا  مجتمعيا بديلا، واستطاع النظام أن يحشرنا في زاوية التهديد الأمني، ليبرر كل ممارساته القمعية التي يتخذها ضدنا، ويضعنا في قلب استراتيجيته الأمنية الاستباقية، ننتظر متى يحين وقتنا وتينع رؤوسنا ليقطفها الواحدة تلو الأخرى، وحول أرصدة بعضنا الاجتماعية والسياسية ليزين بها كرنفاله الانتخابي الرديء، في المقابل لم نهتدي بعد لبوصلة سياسية رافعة لوعينا ومنسوب علاقتنا ورصيد ثقتنا.
 ولم ندرك بعد بأن كل ممارسة سياسية إقصائية تقوم على اعتقاد نظري خاطئ يجب تصحيحه إذا أردنا التغيير حقا، إننا أمام ظاهرة اجتماعية مركبة ومتعددة ومختلفة لم يستطيع عقلنا السياسي الوثوقي أن يشخصها بشكل جدي، وبالتالي ما يزال يعتقد بأنه بإمكانه رد المركب إلى البسيط، وقصر المختلف على التطاوع والتنميط، وإجبار المتعدد على التوحد والانصهار، ولا يزال عقلنا السياسي لم يدرك لماذا يعزف المغاربة عن السياسة ويفضلون أن يبقوا خارجين عن تغطيتها، نحن فشلنا في اقتحام النسق من الداخل، وتحول من اقتحمه إلى حالات هلامية تشبه الموميات والأشباح، وتفرق حشده التنظيمي شذر مذر، وصارت تسويغات شيوخه لا تقنع حتى الصبيان، وفشلنا في تطوير السياق، وتحول دعاته وشيوخه إلى كتل متشظية ومتخاصمة تتنازع مشروعيتها في الفضاء العام، منهم من تحول إلى مجرد عواطف جياشة لا تسمن ولا تغني من جوع، ومنهم من تحول إلى ثلاجة تجمد الطاقات وتحبسها في كبسولة التثاقل السياسي الرتيبة.
لابد من مراجعة جامعة مانعة تتساءل لماذا تغير العالم وفشلنا نحن في ذلك؟ لابد من عملية ازعاج لعقولنا، لتخرجها من كبسولة الزمن الماضي، لتفكر في الممكن في الحاضر والمستقبل، مهتدية بدروس الماضي وتجارب التاريخ والأمم التي نجحت في حياتها السياسية، فما هو التشخيص السليم؟ وما هي الفرص والتهديدات التي تواجهنا؟.. بمثل هذه الأسئلة يمكن أن نزعج البلاهة التي تسكن عقلنا السياسي، ونفتح دائرة أفقنا السياسية، ونبدأ بداية صحيحة.. باختصار نحن بحاجة إلى استبدال السياسي التائه بسياسي أخر له "إيمان دفاق" و"عمل تواق".
الجديدة 22/12/2012
 




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.