آخر الأخبار :

جلول من السجن : ليس الذكاء والمعرفة دليلا على خلاص المرء من الجهل وإنما.....


ليس الذكاء والمعرفة دليلا على خلاص المرء من الجهل وإنما مدى وعيه بمسؤوليته في هذا الكون 
 
من الأخطاء الشائعة في مفاهيمنا المتداولة هو الخلط بين مسألة الجهل والأمية،حيث جرى الإعتقاد بأن هذين المفهومين مترادفين ويحيلان على نفس المعنى والدلالة،والحال انه شتان بينهما،رغم أن الثاني يؤدي إلى الأول،فالتعليم وامتلاك المعرفة وقدرات التعبير والتواصل هي دليل على خروج المرء من الأمية ان صح التعبير،ولكن ليس دليل على خلاص المرء من الجهل. 
-فإذا كانت الأمية وعدم السعي إلى الارتقاء في مدارك العلم والمعرفة واكتشاف الكون يبقي المجتمعات في حالة من القصور،ونوعية حياتها أقرب ما تكون إلى حياة الأنعام تتمحور أساسا على الأكل والشرب والتكاثر،فهذا لا يعني انه بمجرد امتلاك المرء الكفاءة العلمية والمعرفية والتقنية يكون قد عرف الخلاص من غياهب الجهل،او ان له الفضل على الأمي.
-ان المرء لايزال غارقا في الجهالة مادام لم يدرك مسؤوليته في هذا الكون،مادام يتجرد من أية مسؤولية أخلاقية وواجبات اتجاه مجتمعه ووطنه،ولا يهمه أحوالهما ولا مصيرهما،ويبقى همه الوحيد هو مصلحته الشخصيه ودائرته الاسرية الضيقة،ومعرفته وقدراته العقلية مجرد وسيلة للاسترزاق،ما دام يتجرد من اي تعاطف مع أخيه المواطن ولا يبالي بآلامه، والاسوء من ذلك عندما ينظر إليه كمجرد قيمة مادية،ومشروع للاستغلال او كمطية للركوب عليه للوصول الى مآربه الضيقة،او يسترزق بمعاناته،فتسود العلاقات المبنية على الغش والنفاق والمكر والخداع والانتهازية.
-كم من امرء يعتقد في نفسه انه متعلم وذكي ومتحضر،ولكنه في الواقع غارق في الجهالة والغباء عندما يطلق العنان لجشعه ونزواته واهواءه تقوده بشكل اعمى،حيث لا يرى أمامه سوى هدفه ليضع يده على كل ما تهواه نفسه،غير آبه بالاخرين وما قد يسببه لهم من أذى،ولا يسعى إلا لوجوده ولا يهمه ان كان ذلك على حساب وجود غيره،او على حساب تخريب الطبيعة،او تراه يعيش حياة الانتهازية يتحين الفرص مثلما تفعل الضباع،أو حياة المكر والخداع مستغلا طيبوبة الآخرين أو غفلتهم ...إلخ. 
-انه يعتقد في نفسه انه ذكي ومتطور،ولا يدرك غباءه وانحطاطه وعاره،لذلك يقال الجهل عار،لا يدرك أن طبيعته الحيوانية البهيمية البدائية هي التي تسيطر عليه وتقوده،وأن الفرق الوحيد بينه وبين الحيوانات الضارية هو ان هذه الاخيرة تستعمل مهاراتها الغابوية لاشباع غرائزها،بينما هو يوظف ذكاءه ومعرفته من اجل ذلك،وفي هذا الفارق يصبح بعض البشر أحط من الحيوانات المتوحشة وأكثر ضراوة منها،بل لا مجال للمقارنة،حيث الحيوانات تكتفي بإشباع غراءزها المحدودة جدا،بينما هذا النوع من البشر يسعى في الأرض فسادا وتخريبا،لاهثا وراء جشعه الغير المحدود،ولعل هذا ما قصد به القرآن الكريم ان منهم كالأنعام ومنهم من هم احط منها. 
 -إن شرط الخروج من حالة الجهل هو ان يعي المرء ذاته،أن يدرك أن في ذات كل إنسان طبيعة بهيمية بدائية،وأن ارتقاء البشر إلى مرتبة الإنسان لا تتم إلا بلجم هذه الطبيعة وضبطها والتحكم فيها لتلتزم حدودها  ولا تتعدى حدود الآخرين اي أن يمتلك الإنسان نفسه ولا يتركها تمتلكه مثلما هو الحيوان،وهذا هو اساس رقي المجتمعات وحضارتها ومن غير ذلك فالانحطاط  الى مستوى البهائم ولذلك قال الشاعر (انما الامم الاخلاق ما بقيت فإن هم  ذهبت أخلاقهم ذهبوا).
 -على المرء ان يدرك أن الميزة الأساسية و الجوهرية التي تجعله مكرما  ومتميزا عن الحيوان ليس لكونه أذكى منه،وإنما لكونه مسؤولا،أي انه كائن له مسؤولية في هذا الكون وأنه لم يخلق عبثا،ولم يهب له العقل والذكاء ليستخدمهما في خدمة اهوائه ورغباته التي لا نهاية لهما،بل لكونه مؤتمن أي حامل لأمانة،فهو ليس فقط مسؤولا عن ذاته وأفعاله تجاه غيره واتجاه الطبيعة بما يلزمه على ضبط حدوده وعدم التسبب بالاذى لهما،وإنما أيضا مسؤولا عن إصلاح ما يقع من فساد وتغيير ما يراه من ظلم ومنكر،حتى ولو لم يكن هو المسؤول عن ذالك، والعمل على نشر قيم الخير والمحبة والتعاون والتآزر بين الانسانية،والحفاظ على العدل والتوازن الطبيعي،والعمل والكفاح لما فيه خير مستقبل العالم و ازدهاره،واكتشاف أسرار الكون والارتقاء في مدارك العلم والمعرفة وذلك بدء من علاقاته بوطنه ومواطنيه نحو الانسانية جمعاء.
-انه بهذا الوعي وبهذا الإدراك للأمانة الملقاة على عاتقه والعمل على تحمل مسؤولياته،تتحقق كرامة الإنسان،لأنها اي هذه الأمانة بقدر ما هي تكليف جسيم فهي تشريف وتكريم عظيمين له،كما ان الالتزام بهذه الامانة هي السبيل الذي لا بديل عنه لتحقيق السعادة الحقيقية للإنسان،ومن غير ذلك فشقاء وجهالة وانحطاط،والآية الكريمة التي سنختتم بها المقال تعبر عن ذلك احسن تعبير (...إن خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين،إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين)صدق الله العظيم. 
                محمد جلول معتقل في سجن عكاشة بالدار البيضاء 27 فبراير 2019
 
        




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.