آخر الأخبار :

قراءة سريعة في مسارات التنسيقية الوطنية الأساتذة منذ التأسيس الى الآن


 
تقديم:
تشهد الشغيلة التعليمية بالمغرب حراكا لم يسبق له مثيل منذ أكثر من عقدين، حيث أفرزت السياسات التعليمية بالمغرب أعطابا على مستوى التوجهات التي تحاول تدارك الفشل الذريع للاقتصاد المحلي وذلك بتحفيض تكلفة القطاعات الغير المنتجة من خلال تسليعها جزئيا، الشيء الذي يجعل قطاع التعليم مجالا لهذه المناورة للتغطية على الفساد المستشري في باقي القطاعات وتغذية اقتصاد الريع بمزيد ضمانات الاستمرارية في غياب ترسانة قانونية تؤطر العديد من الأنشطة والمهن المدرة للدخل بعيدا عن رقابة الدولة بل لارتباطها معه علاقة تغذية عاكسة منذ عقود. أمام هذه المحاولات الحثيثة برزت مجموعة من التكتلات الفئوية التي انتظمت في هياكل لتأطير نضالاتها بسبب تراجع الأدوار الكفاحية للإطارات النقابية وتضييق هامش نضالاتها من طرف الدولة بسبب طول مرحلة الجزر التي أبعدت رقابة القواعد المناضلة على القيادات أضف إلى ذلك تشابك الأحداث- المصالح وأوراق الضغط- لتعلن فئة عريضة من الشغيلة عزوفها عن العمل النقابي، وأمام تضاعف حجم الاستهداف في المرحلة الأخيرة تحت تسميات مغرضة برامج الإصلاح - الرؤية الاستراتيجية نموذجا- أعلنت هذه التنسيقيات وجودها وبدأت تعيد نقاش المدرسة العمومية إلى السطح بعدما عرف النقاش ركودا غير مسبوق.
. - الإيجابي في نضالات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد:
قبل إعلان تأسيسها عرف انطلاق الموسم الدراسي لسنة 2017 ضجة واسعة حول تصريحات المسؤولين الذين خرجوا ليعلنوا اعتماد هذا التوظيف كألية جديدة لضمان جودة التعليم بعدما شهدت نسبة النجاح ومعدلات المتعلمين ارتفاعا غير مسبوق بسبب تضخيم المعدلات والتدخل المعلن من طرف مسؤولي المؤسسات في ذلك تفاديا لأية مساءلة من طرف القيمين على هذا الشأن وهذه سياسة إغوائية جعلت الأسر المغربية تتماهى مع أطروحة الدولة حول نجاعة هذا النمط من التوظيف الذي قزم دور الأستاذ كما أنها جعلته يعاني فراغا على مستوى التكوين القانوني بسبب إلغاء مجزوءة التشريع التي قد تجعله يتساءل عن مدى شرعية بعض المهام التي يطالب بها من طرف المديرين بصفة ارتجالية بعيدا عما يمليه القانون والمهام مستغلين عامل الخوف على فقدان المنصب. لكن الحدث الأبرز الذي شكل انطلاقة فعلية لفكرة تأسيس تنسيقية لفائدة هؤلاء الأساتذة لم يتجسد إلا عند حادث فصل الأستاذ احساين بوكمان بمديرية زاكورة دون أن تتضح الأسباب وراء تلك العقوبة لكن الواضح في ذلك هو سرعة اتخاذ ذلك القرار الذي تمت أجرأته في غضون أسبوع وهو شيء لم يسبق له وأن حصل في تاريخ الوظيفة العمومية. انتشر الخبر في صفوف الأساتذة وصادف ذلك تواجدهم بمراكز التكوين حيث أعلنت المقاطعة الشاملة في العديد منها وبدأت شبكات التواصل الاجتماعي تتأسس، إلى أن تم الإعلان عن مجلس وطني حضره مجموعة من الأساتذة والأستاذات أغلبهم بصفة تطوعية وفور انتهائه خرج أول بيان وطني للتنسيقية، واستمرت المجالس والجموعات المحلية بعديد من المديريات لثلاثة أسابيع قبل أن يصدر البيان الأول الذي طالب الأساتذة في ربوع الوطن للنزول للشارع أواخر شهر ماي الماضي، والشيء الذي فسح المجال للأساتذة والأستاذات المجال للتقدم هو نجاح الشكل النضالي الأول على المستوى الوطني وبدأ يفتح امال تغيير الوضعية لديهم، حيث ساعدت وسائل التواصل الإجتماعي هذه التنسيقية على التمدد وخصوصا المجموعة الرسمية بالفايسبوك التي ظلت منبرا واحدا لكل الأساتذة الذين يتبادلون الأخبار المأساوية يه بشكل يومي الشيء الذي أجج من الوضع وجعل الأساتذة أنفسهم يقتنعون بالتسمية التي لم تلق ترحيبا كبيرا من طرف الأساتذة أنفسهم. واستمرت  الأوضاع على ما هي عليه وبدأت الأفواج تلتحق تباعا وتم تأسيس الروع الجهوية وبدأت تخوض أشكالا جهوية متذبذبة بتباين العدد المعني بالمطالب الجزئية الشيء الذي أبعد الكثير من الأساتذة وجعلهم يرتبطون فقط بما هو وطني كونه النضال الوحيد بإسقاط التعاقد، لكن هذا النوع التعاطي بتقديري لم يكن  بالشيء الجلل، ففكرة (لي درتوها هاحنا معكم) جعلت التنظيم يسير بدون بوصلة حقيقية، لكنه يستمد استمراريته من حدة تضرر واستهداف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد بسبب التمييز الحاصل على مستوى المؤسسات ناهيك عن الوصم الاجتماعي الذي يلاحق الأساتذة في الشارع وبين أوساطهم (ناس د الكونطرا) وأمام ارتفاع منسوب النضالات خصوصا بعد الإعلان عن المعتصم البطولي بمدينة الرباط 29 30 غشت المنصرم بدأ يخرج المسؤولين إلى الواجهة وبدأت دهاليز صناعة القرار تتحرك لمزيد من التغليفات الواهية وبدأت بتسريب نسخة عن ما سمي بالنظام الأساسي الخاص بموظفي وأطر الأكاديميات والذي عبر عنه الأساتذة بكونه لا يعدو غير نسخة مشوهة للعقد المجحف الذي تم توقيعه من طرف الأساتذة قبل ولوجهم للتدليس حيث أنه يضم فصولا مجحفة في حق الأساتذة. وأمام هذه الضجة الإعلامية التي أثيرت حول بنود العقد وفصول ومواد (النظام الأساسي للأكاديميات) بادرت الحكومة إلى تعديلات طفيفة معتمدة في ذلك عن الضجة الإعلامية ذاتها من الأساتذة أنفسهم ومن وسائل الإعلام بينما ظلت التنسيقية متشبثة بمطلب الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية في بياناتها الرسمية وظل الأساتذة يؤمنون شيئا فشيئا بامكانية تحقيق المطلب، ولقد شكلت بعض المعارك الجزئية في كثير من الجهات والمديريات دافعا حقيقيا ومحفزا لتبديد اليأس لدى لدى الأساتذة (معركة مديرية قلعة السراغنة، مديرية النواصر وملف الأستاذة المعزولة بمديرية ايفران ...)
- السلبي في نضالات التنسيقية الوطنية. 
كما فصلت في الشق الأول حول أهم النقط التي ضمنت استمرارية التنسيقية لابد من أشير إلى أن هذه النقط يمكنها أن تسبب خلافات في الان نفسه، حيث أن تمثيلية قلة من الأساتذة على رأس كل الهياكل بدأ يكشف خيوط التنسيقية للخصوم  (الدولة ) وللحلفاء الموضوعيين( النقابات والأحزاب) حيث أن قلة من الأساتذة من بين هؤلاء لم يحسموا بعد ولم يستوعبوا دور المنسق. فإذا كانت أغلب التنظيمات تطرح إشكالية فصل السياسي عن النقابي من عدمه فإن التنسيقية ليست أيا من هذين التنظيمين بالتالي ما يجعل مجال العمل يجب أن يتقلص أو يضمحل بالبث والمطلق نظرا لوجوب استقلالية التنظيم وحساسية الموقع الذي يشتغل من داخله. إذن ففكرة الجماهير الأستاذية التي ظلت تستجيب فقط لنداء الميدان وجدت نفسها في قطيعة تامة مع التنظيم، كما أن المهتمين منهم لا يتعدى دورهم إسقاط التجارب السياسية والنضالية التي خاضوها قبل التواجد بميدان التعليم. هذه الانزلاقات لم تظهر إلا عند احتداد الهجوم على هذه الفئة عندما باشرت الأكاديميات تنزيل مضامين النظام الأساسي لتوريط الأساتذة في مزيد الحجج لدحض فكرة فرض التعاقد، سيما وأن الحرب تم إبعادها عن الميدان واقتصرت على الشق الإعلامي حول المشروعية بين الوزارة وممثليها من جهة وبين التنسيقية  من جهة ثانية. حيث أن مقاطعة ملحقات العقود شكلت منعطفا حقيقيا إذ تم تجسيدها بنسبة تقارب المئة بالمئة ي جميع المديريات وأعقبته الأكاديميات الجهوية بمنع صرف الرواتب لفوج 2016 كإجراء أعزته إلى غموض الوضعية القانونية لهؤلاء الأساتذة بعد انتهاء مدة العقد الموقع منذ البداية لكنه كان يصادف إعلان الأساتذة عن إضراب لمدة أسبوع وظهر جليا أن ذلك يعتبر عقوبة زجرية لمنع الأساتذة من الإضراب حيث ظلت الأكاديميات تمارس ضغطا بطرق غير قانونية باتصالات مع الأساتذة ومع أسرهم لثنيهم عن النضال ودعوتهم للالتحاق بمقرات عملهم، وفي غضون أسبوع أنزلت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين إجراء التأهيل المهني كورقة ضغط أخرى يمنح الأكاديميات امتياز سريان نظامها الأساسي حيث رصعت شواهد النجاح بعبارة طبقا للنظام السابق الذكر ... . كل هذه النقط وجهت منحى النضال حيث انتقل من وثيرة تراعي قدرة الأساتذة وتوازي حدة الهجوم إلى مستويات تضع تحقيق المطلب يقترب في نظر البعض. 
من خلال ما سبق فالمنزلق من طرف الأساتذة أن الرؤية لم تكن موحدة بينهم من جهة وبين المنسقين من جهة أخرى. حيث أن مشارب النضال لديهم تختلف باختلاف التجارب وتفاوتها، فهناك من خاض تجارب نضالية استلهم منها طول النفس وتوزيع الجهد وهناك من يخوض تجربة أولى جعلته يثق في امكانية تحقيق مطلب الإدماج في هذه المرحلة بالذات. 
- ما يجب تثمينه من نضالات الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد على قلته: 
بالإضافة إلى إعادة الإعتبار للشغيلة التعليمية وإحراج الدولة وتوقيف مؤقت لسيل من السياسات التراجعية في قطاع التعليم لاسيما القانون الإطار 17-51 المقرر تمريره دون ضجة على غرار ما تم التمرير به مخطط التقاعد المجحف، حيث وجدت الحكومة نفسها في مأزق كبير وتجنبا لإعلان تخوفها من أي حراك قد يصاحب هذا القرار تمت اصطناع أزمة بين الأحزاب الحكومية باختلاف توجهاتها حول لغة التدريس للتغطية على البندين – التعاقد، وفرض رسوم التسجيل-  الأكثر ضربا للمدرسة والذي يستهدف جيوب المواطنين بطريقة وثيقة. هناك مكسب أخر يمكن قراءته في بعدين مختلفين حيث وبالنظر للمعارك النضالية المتواضعة التي خاضتها المركزيات النقابية طوال السنتين الماضيتين، فزيادة الأجور الأخيرة التي وعدت بها وزارة الداخلية معظم المركزيات تعتبر هدية على طبق من ذهب للعديد من الشغيلة في القطاعين لأنهم لم يشاركوا في أي من المعارك النضالية التي اقتصرت على قطاعي التعليم والصحة. لكن التنسيقية من موقع المحلل المحتاط يجب أن تنظر لعمق هذه الخطوة التي أقدمت عليها الدولة حيث أن المركزيات النقابية قبلت بهذا العرض ويحتمل بشكل كبير أن تكون قد وجهت فروعها القطاعية للتراجع والشيء الذي نلاحظه في المواقف المتذبذبة للنقابات الست الأكثر تمثيلية في القطاع حيث انتقلت من موقع الممثل الشرعي لكل النضالات أثناء رفضها لعرض التوظيف الجهوي في الجولتين الأولى والثانية، إلى موقع المشاهد حيث أفرزت الجولتين تأجيلها لقرار الموافقة أو الرفض وجعلته من قرار ممثلي التنسيقية. إن هذا الصمت المطبق على الملف على مستوى التنظيمات النقابية والسياسية يعطي إشارة مفادها أن الدولة تقر بوقوعها في موقف حرج بين أن تبدأ الحرب كالمعتاد على كل النضالات وبين أن تستسلم لمطلب الإدماج بشتى الطرق. أخذا بعين الاعتبار ما يعرفه الإقليم من حركات اجتماعية على الأنظمة فإن الاحتمال الثاني يعتبر مغامرة من الدولة بالأمن والسلم الاجتماعيين وأي خطوة غير مسبوقة قد تكون سببا في مزيد من الاحتقان، كما أن الاحتمال الثاني سيفتح عليها ضرورة البحث عن مخارج أخرى لتصريف أزمتها الاقتصادية وبالتالي ستخسر الرهان في علاقتها مع البنك الدولي وتوصياته الرامية لنقص تكلفة الأجور من ميزانية الدولة. 
- ما يجب تجنبه في نضالات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد: 
بالموازاة مع الزخم النضالي الذي ساهمت فيه التنسيقية وعموم الشغيلة مؤخرا، يلاحظ بشكل واضح انزواء التنسيقية في نظرة تفاؤلية جعلت الأساتذة والأستاذات خصوصا منهم المبتدئين يستغرقون بطريقة أشبه ما تكون بأحلام اليقظة، ودخلوا في أشكال نضالية تصعيدية يصعب مجاراة إيقاعها من طرف جميع الأساتذة، بالإضافة إلى إغفال جانب مهم من النضال قد يكون هو المحدد والفيصل في نضالاتها. فالملاحظ أن الدولة تلعب على واجهتين أساسيتين حيث أنها تعمل في دينامية لإخماد الغضب الشعبي خصوصا للفئة المتضررة بطرق مخادعة مستغلة في ذلك وسائل الإعلام حيث أعلنت في العديد من المناسبات عن وضعها لحل نهائي لمشكل التعاقد الشيء الذي جعل بعض الاباء يصبون جام غضبهم على الأساتذة  في الدواوير والمداشير وتوجت ذلك بتسريحها لرواتب الأساتذة بعد شهر كامل من الإضراب وهو الشيء الذي يزكي طرح الدولة ويقوي مزاعمها أمام المواطنين بسبب تركيبتهم النفسية الميالة لتصديق كل ما تروج له وسائل الإعلام الرسمية مع الاحتفاظ بحلول ترقيعية من قبيل دروس الدعم في المجال الحضري كونه حساسا ولا يحتمل خروج العائلات للاحتجاج على الأوضاع هذا من جهة، من جهة أخرى يجب أن تستعيد أنفاسها وتضع احتمال عدم تحقيق المطلب هذه السنة وبالتالي التفكير في خطوات نضالية بعيدا عن خطوة الإضراب باعتبارها قد تكون سببا في عزل التنسيقية بشكل نهائي، كما يلزمها التفكير جيدا في حرب الإستنزاف التي تخوضها الدولة باستعمال أساليب الزجر التي تلجأ إليها المديريات لإفراغ التنسيقية من امكاناتها البشرية التي تعد الركيزة الأساسية لتحقيق مطلب الإدماج. 
إن الخلاصة التي يجب استخلاصها من خلال الأحداث التي وقعت مؤخرا يجب أن تعيد للتنسيقية قوتها وذلك عن طريق إيجاد طريقة مثلى لتسيير المعركة وتقريب كل الرؤى المتفاوتة لدى الجماهير الأستاذية، كما بين القيادة وذلك عبر تجنب أساليب التخوين التي تؤكد عن الخلل وبالتالي تجعل التنسيقية تدخل في موت سريري بطيء يجعل التعافي منه مسألة صعبة، وكذلك الميول لتبني وضوح القيادة قبل الإقدام على أي خطوة قد تعيد التنسيقية لارتجاج الثقة الذي كلفها الكثير. 
بقلم عبد الله بوعلي.  




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.