آخر الأخبار :

الأخبار - قسم 'أقلام رأي'

حلومة .ناشطة حقوقية

لا أجدني في تعرية جسدي الجميل و الكتابة على نهدي ( أنا لست عورة ،أنا ثورة ) و أنا أعلم جيدا أنني أتعامل مع ذكورية حداثوية تتكاثر بسرعة خيالية كطفيليات مستنقعات مياه آسنة ،أرفض تعرية جسدي باسم الليبيرالية و التحرر ظنا مني بأن هذا الكم الكبير من التقدمويين أصحاب الرؤوس الصغيرة جدا سيتسيغ لغة جسدي ، كيف له أن يفعل و هو لا يفهم المرأة إلا بالسرير كما قال نزار يوما ” الرجل الشرقي .. و اغفر جرأتي .. لا يعرف المرأة الا داخل السرير “ ، كيف له أن يفعل وهو لا يتذوق فن التعبير الجسدي حتى ، يحدق كل الوقت بمؤخرة الراقصة أمامه ( التي يفضلها كبيرة طبعا لمعلومات سيكسولوجية مغلوطة تماما ) و نهدها الذي يذكره تحركه بهزة السرير تلك و صراخ المضاجعة .. هو لا يتذوق فن الرقص إلا عن طريق تبليل سرواله الداخلي المتعفن..
اعلمي يا عزيزتي أن تحقق الحداثة بالغرب عرف نضالات حركات ثقافية كثيرة دافعت و ضحت بكل ما تملك بل بدماء و أعناق أصحابها و صاحباتها من أجل التأسيس لعقلانية تنويرية ، إنسية تعيد النظر في الإنسان و التأكيد على محوريته و طرح أصالته بعيدا عن التدخل اللاهوتي او الميتافيزيقي بل و السعي إلى إقرار الفكر العلماني الذي يفقد فيه الدين شرعيته اجتماعيا و أيضا سياسيا. فأين هؤلاء الواهمين الذي يظنون ذواتهم مستلبي الفكر و يأسفون لذلك, ذلك أنهم يحفظون عن ظهر قلب عنواين كتب رواد الفكر و الإبداع ، ( و ياريتهم كانو مستلبين) ماديين حتى النخاع و لا يزالون يحتفظون في تسربات موروثاتهم الثقافية بالأحادية الطبيعية، يعتقدون بشكل قطعي أن الكوسموس هو تشكل روحي فقط، فكري صرف ،لا يفقهون ما النظرة المادية للأخلاق و لا يعرفون عن الأخلاق ‘بكل سطحية’ غير أنها ( ألا أنطق الفاحشة أمام أسرتي الجميلة و ألا تخرج أختي رفقة صديق لها و ألا يقرب أبي المدام و ألا تقيم أمي علاقة أخرى غير تلك التي تجمع بينها و بين أبي و ألا أتزوج أنثى لا شرف لها ( مفضوضة البكارة ))، ماديين حتى النخاع و لا فكرة لديهم عن نظرية الاستقراء البيكونية أو جنس الكتابات الإنكارية للروح المطلقة لا يعرفون اسبينوزا… الخ. لكن يعرفون الكوجيطو المشهور جدا .. قمة المفارقة !
أين هي الأنتلجسنيا المثقفة التي يمكنها التطلع لجسدك و قراءة ما فوقه دون استمناء و المدافعة عن حقك في ذلك, تلك النخبة التي تمثل اللوبي الضاغط، إننا نعيش أوج صدمة حداثة عزيزتي .. قال سبيلا سبيلا، من سينظر إلى جسدك يا عزيزتي بصفاء و نقاء و يفهم المراد من الكتابة فوقه ؟؟ ربما يفعل أحدهم ! لكن بعد أن يقوم بتبليل سرواله العفن.

بتاريخ الثلاثاء 26 مارس 2013 - 20:52:59 / عدد التعليقات :


إلى السيدة الفاضلة نادية ياسين، سليلة الدوحة الياسينية الميمونة،

بسم الله الرحمن الرحيم،

الله يعظم الأجر! لقد عزى عاهل المغرب شيخ الطريقة البوتشيشية العليوية، العارف بالله سيدي حمزة بن العباس، في وفاة عقيلته الفاضلة لالا طاووس تغمّدها الله بواسع رحمته، كما واسى الوزير السابق السيد خالد عليوة في وفاة والدته، وخيرا فعل، ولم يعزّ آل الحاحي في وفاة العالم المتنور سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وان كان وزيره الأول عبدالاله بنكيران قد حضر المأتم مشكورا وقريبه الأمير مولاي هشام العلوي قد راسلكم مبرورا، ولعلّ ابن العمّ قد ناب عن ذي القربى، وعسى أن يكون الفناء في عظمة الحق قد أنسى الراعي شهادة الخلق، وحتما أهل الرباط أدرى بشعابها. ولم أكن لأتطاول على قلم أقترف به ذنوبا أخرى لولا يقيني بما كان للبوتشيشية من سابق الإحسان على والدكم في مجال السلوك، مثل ايماني بما كان له من جزيل الفضل عليها، خدمة ونفقة، اذ بات واجب العزاء فرض كفاية على من أبى لممه منازعة أهل المساومة رداءهم ومعاضدة آل المقاومة دفعهم، ليستقل مكانا قصيّا، هو حسنٌ (الأخلاق الصوفية) علت به أصوات الأهل، ومعلوم من الاسلام بالضرورة، تسننت به آهات القوم، فاقبلي مني، يا لالة نادية، باسم الطريقة البوتشيشية، وان لم يكلفني أحد منها بإتيان هذا الأمر، اذ أشهد الله أن « الفرية » من نفسي الأمّارة بالسوء، فقد انتظرت وطال انتظاري، تعزية بوتشيشية، كان ولا زال لشيخها الرباني سيدي حمزة بن العباس القادري، رضي الله عنه وأرضاه، فضل السلوك عليّ، علما وحلما، في وفاة والدكم سيدي عبد السلام، ووددت أن يقوم بالتعزية فقير غيري فيسقط عني أداء الواجب، والطريقة أولى من غيرها بنجلها، مواساة ومناجاة، حيث صاحبها في الدنيا معروفا، وبعد أن عزى فيه القاصي والداني، من سلفي واخواني وليبرالي وأمازيغي واشتراكي وملكي وجمهوري وعرب وعجم، تخلّفت الأمّ و »توقفت »، ولعل لديها عذرا قد غاب عني، ولست أعيبها أو أشينها، فما ذاك بأدب فطمت عليه، أو قصاصا أفل عني، وانما هو تعبير مني عن رأي انفلق صبحه من استخارة واستشارة، عساني أؤدي واجب كفاية يقلب به المميت سكتات محسنيّ حسنات، وان عاتبني بعضهم، تحريضا أو اغراضا، فليصفحوا عن محجوب لن يحاسبه الخالق الا على ما علم وفقه، وقد يكون القصور قد سرى الى قلبه المكنون و دبّ على سمعه الموقور، ولو جمعت الأقدار بيني وبين « سيدي عبد السلام الشريعة » في الستينات لكنت اليوم أحبكأ الأعذار عن إرسال الجواب، ولكن تجرّدي من ذاك الموقع أراني الله في هذا الموضع، فاقبلي، سيدتي، من مغربي مسلم، هجر البلدان ولم ينس « مجمع الطلبة والخيل سربة سربة »، « مرسول الحب » هذا وان كان رسوله بعيدا عن خلع نعليه.

وحريّ بمن حرّمه الرسول الكريم، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، المنام، وهو القارئ للشفا والبردة والبخاري، بين ثنايا مداغ العامرة، أن يتذكر كيف أن خير البريّة عاد يوما يهوديًّا مريضا ومات ودرعه مرهونة عند يهودي ولم يستقرض من أصحابه، ويا لعجبي لقوم ينسون مرور جنازة اليهودي عليه، حين قام لها واقفًا، وقد نطقت سماحته: « أليست نفسًا؟ » بل وقد أوصى أصحابه: « إذا رأيتم الجنازة فقوموا » فاذا كان هذا حال غير أهل الملّة فما بالك بمن كان من أهل الذكر، بل من ممن شهد بدرا من البدور؟ وجدير بفقهاء الاحسان أن يعوا قول الصديق عقب وفاة خاتم الانبياء « من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت. »

سيدتي، لم ألتق يوما بوالدكم في حياته، ولم يهيأ لي ربي الأسباب لذلك، ولكن عصمني الاله من الغضاضة التي غشيت خلاني بشأنه، أحبّ من أحبّ وكره من كره، وهو الداعية الذي لم يخف في الله لومة لائم، القائل لكلمة حق أمام امام قد يختلف بعضنا حول جوره، ومن باب مفارقات الأسماء هنا، وأهل الله أصحاب اشارات ومواقف، ما سكن آنية الحديث التالي: « سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله »، ولم يكن قتل ياسين مبنى وانما صار معنى، والآن وقد رفعه الله اليه، قرأت عليه، كمريد في الطريقة البوتشيشية، التي لا يمكن لسرّها، وهو بعيد عن الربا بعد الأرض عن السماء، أن يحيد عن كفنه ولو غبارا، فاتحة الكتاب، كما أفعل كلما قبض الله روح فقير من احبتي، وان أصبت فلي أجران أجعلهما في ميزان شيخي، وان أخطأت فلي أجر أحبّسه على والدكم.

وقد نختلف مع الفقيد بشأن مناهجه في الدعوة والدولة أو موقفه حيال الأمريكيين واليهود، فمن الدعاة من يرى وجوب الجهر بالحق والقول الثقيل ولو صدم، بينما منهم من يستحسن القول الليّن، حماية للعباد من الأذى وللبلاد من الهوى، ومنهم من يتحيّز في الفتنة وفيهم من يعتزلها، وفي الفقهاء طائفة ترقب الشدائد وأخرى تقبل الرّخص، ولكل عدول مشرب، عبارة أو اشارة أو رمزا، اذ من العلماء من يحذو حذو حبر الأمة ابن عباس، عن سعيد بن جبير « قلت لابن عباس آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا فإن كنت فاعلا ففيما بينك و بينه »، ولعل القول قد وصل الى صاحبه، مسارّا هنا ومجاهرا هناك، وقد يهتك السر لغلبته، ومن العاملين من يستنّ بواقعة استدعى فيها أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور الامام أبا حنيفة النعمان لتوليته منصب قاضي قضاة المسلمين، ولم يكن ردّ المرشد « هلمّ بنا الى الوليمة » اجابة للداعي، بل رفض العرض « المقدّس » رغم قسم أبو جعفر بالطلاق والحاحه عليه بقبول الوظيفة، وحين أبى تم ضربه بالسياط، كما عذب الامام مالك لرفضه البيعة المكرهة (النازلة الذي يستنكف عتاة مالكيتنا عن اللهج بذكرها صحبة قضية العادة السرية)، حتى كادت روحه تزهق، وبعد ذلك جعله أبو جعفر عدادا للطوب فوافق، كما دعا المنصور عالما آخر، هو ابن أبي ليلى، لكي يقبل الولاية، فأقسم هذا الاخير بالله ثلاثا أنه لا يليق للأمر، محتجا بأنه ان صدق في يمينه فان أمير المؤمنين سيولّي شخصا لا يصلح، وإن كذب فأمير المؤمنين سوف يولي كاذبا، فاستساغ منه الملك رفضه الذكي. ولذلك لا يجب أن ينسينا اختلافنا مع الدعاة، في مناهجهم، كنه التماس كل واحد منهم من رسول الله « غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ »، وعلى قدر الاناء يسكن الماء، تارة تضربه عصا الجلال فيفيض وتارة أخرى تغشاه رحم الجمال فيسقي زرع أرضه الجرز لتأكل منه الأنعام، والقمر يجعل من الماء قسمة بينهما، « كل شرب محتضر »، وما منهم الا « واردها »، فرجاء اخواني « َلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » وَلنصبر جميعا على أذى مكّار يريد اتيان البنيان من القواعد، ذنبه بيت المعتمد بن عباد « قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً، فردّك الدهر منهياً ومأمورا » وعذره الدعاء الحسيني (اللهم إن مَتَّعْتَهم إلى حين فَفَرِّقْهم فِرَقاً ، واجعلهم طرائق قِدَداً ، ولا تُرْضِ الوُلاةَ عنهم أبداً، فإنهم دَعَوْنا لِينصرونا، ثم عَدَوا علينا فقتلونا ) فلندخل لجج تقلبنا بين الجلال والجمال والنقص والكمال، تحسّبا لحين موعود سيرعى فيه الذئب مع الغنم وتلد فيه الأمة ربّتها.

العزاء مصطلح، و « لا مشاحة في الاصطلاح » كما يقول أهل العلم، فان نحن دققنا في سيرة سي عبد السلام بعين الحقيقة وجدناه طالبا باب الله وان نحن نظرنا اليها بعين الشريعة خلناه صواما قواما بارّا بوالدته، وحتى ان كنا من الخوارج الذين حوّل الله قبلتهم نحو تتبع عوراته التأدّبية، نادانا إبراهيم بن أدهم أن يا صوفية، قد أخطأ جندي في حقي وضربني من غير ذنب وعوض أن أوكزه فأقضي عليه أو أعتدي عليه بمثل ما اعتدى علي، والقصاص حق، دعوت له بالجنة، أو لم يكف بكتاب الله واعظا: « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » حيث سمّى أهل الاحسان « الكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ »؟ فاقبلي رجاء عزاء التوبة من خطاء، لا تدفع له الدولة مليما، لم ينصف سيدي ياسين حيّا فتاب من زلل عاب سفينة الطوفان حتى لا يأخذها الملك غصبا. فلورثة ياسين أقدم رثاء شعبيا قاله الشاعر مظفر النواب في حق سيدنا الحسين:

« وحتى تعرف منك شرايد حسين

مو تزوره وأنت جاهل غايته

حسين رايد روح تنهض بالضريح

مو تحط دينار ماهو بحاجته »

ولأحبائي الذين لغوا في شق ياسين لعصا الطاعة والامام يخطب يوم الجمع، أقول: « اذكروا الولي الصالح سيدي العربي بن أحمد بن عبد الله معن الأندلسي الذي تفرّس فيه شيخه العارف أبو العباس أحمد اليمني حين قال « سيكون من الصالحين »، وانظروا في سيرته حيث لم يكن، على عظم صوفيته، يعلّم الأوراد وأبى أن يسمّى شيخا، وكلما أتاه شخص بمتاع الغير جازاه عليه بأضعاف مضاعفة، وأعطاها لغيره، ولخلاني الذين توقفوا عند العصا أقول « اذكروا الحاج الحبيب التنالتي وخطبه مع الملك الحسن الثاني » وأذكّر رفاقا غيّبوا عن سكر العدائية، فشهدوا فيها غيبا من غير سبق اصرار، بالصحوة العطائية: « اذا أراد أن يظهر فضله عليك، خلق ونسب اليك ».

وعلى مسامع الوقتيين، الذين هم يقين أن لكل أجل كتاب، أسرد أمر الخليفة العقلاني المعتزل المأمون بإلقاء القبض على الإمامِ أحمدَ بن حنبل، حين أُرسل ليؤتي به مكبلا على بعير، فأخبر مبعوث من المأمون ابن حنبل ان الخليفة قد أعد له سيفاً لم يقتل به أحداً فأجاب الزاهد: « أسأل الله أن يكفيني مؤونته »، وناجى الله في « الطريق » أن لا يريه وجه الخليفة وأن لا يجتمع به، فاستجاب المحيي لدعوته، وعجلت المنيّة برحيل المأمون الى دار الجزاء قبل وصول الإمام أحمد إليه. وقد روى الإمام أحمد والترمذي في حديث حسن صحيح، عن سعد بن أبي وقاص: « قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زِيد في بلائه، وإن كان في دينه رقةٌ خُفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد، حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة » فليكن، يا هذا، تحقيقك في مرآة الابتلاء تحققا بصلابة صلاح ذويه، فمن خف صلاحها، « حملت حملا خفيفا »، ومن اشتدّ صلاحه، نودي: « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ».

وأيم الله، يا سيدتي نادية، لقد كان كتابا على كل ذرة بوتشيشية في جوانحي أن توفي سي عبد السلام الاجلال الذي تفرضه انسانية التجريد وذاكرية التسديد وعباسية التأييد، وهو العبد الذي لم تستطع أموال قارون أن تسيّده والمملوك الذي ما سيّدته قط زرابي فرعون، حيث لم يكن هلوعا اذا مسته عقارب السلطان، ولا مفزوعا اذا لمسته مآرب الربّان، وان كان الشيطان قد حال بين طريقتي وتنظيمه، كما فرّق بين المرحوم والبشيري رفيقه، فان ابّان الجبر قد جاء وزمن الوحدة قد وصل، وأقلّ ما يجود به شاب يتعثر في الطريق على أجواد مثل والدكم، وقد واراهم التراب، أن يكفنهم بمسك الكلمات الخالصة التي بسرّ صدقها تنفذ الى أعماق ذاكرة الجيل الجديد حتى لا ينسخها من في غرانيقه قصد من وراء قصد.

وكفى بياسين معلّما في فجر الاستقلال قد كوّن جيلا من غير منّ، وأهّل خلفا بدون شكر، ولكم أعجبتني مداخلة وزير الأوقاف والشؤون الاسلامية، البوتشيشي سيدي أحمد التوفيق، حين عاتبه أحد البرلمانيين الاستقلاليين على حضور جنازة سيدي العلوي السليماني، أحد قيادي تنظيم العدل والاحسان، مثلما عذله بعض بني جلدته، بدعوى أن التنظيم يكنّ عداء للدولة وجدرانها، فأجاب وأفحم « المجنون » حين نطق أنه ما يقبل الجدار لحبّ الديار وانما لحبّ ليلى سكنتها، مذكّرا من أنساه الشيطان ذكر ربه ان الانسان-وما بالك بصاحب رافقته ثلاثة عقود- حين يثوي تتوفى فيه الأوصاف والنعوت ويصبح بشرانا، بل « رفيقا أعلى »!

وسواء مددنا النظرة الى سيرة ياسين من منفذ الشريعة أو الزهد أو الازعاج أو الحسينية، وجب علينا القيام لابنة صاحب القومة بلسان المقال متضرعين مسلمين: « أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك » فوالدك من رجال الله، والله تعالى يأخذ ما له بين كل أمد وحين، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبري واحتسبي واعلمي أن في كل سرب شارد، وفي كل حكم شاذ، وفي كل عموم خصوص، ولكل داعية شرعة ونظام، بين مرج بحريهما حوت، وان تكالبت الأمة على التفريق بين الرسول والعبد الصالح فان الكلمة السواء لا محالة ستنفخ، اليوم أو غدا، وآنذاك سيتجلى فضل العباس على بنيه، الذين دخلوا من أبواب متفرقة، حتى يعود الى يعقوب البصر وتفيئ الى بنيه البصيرة.

اخواني في الله، تلك همسات لم أجد لصدّها سبيلا وعيني تبصر أعلام الطريق الذي اتخذته فانوسا تسقط، كثيران العرب، تباعا، ولو كره العاصم، في جنان مدجّلة، وغمزات يشفع لي في « غيّها » طيش شباب لم يشتعل معه الرأس بعد شيبا وقلق ظمآن كلما اقترب من ماء يبغي الارتواء به لقيه كسراب بقيعة فتوجس خيفة من أن يكون السامري قد وجد الى عجله سبيلا. وان أطلقت العنان للساني للحديث باسمكم، وان كنتم محجمين، فما ذاك الا لتحمّل وزر صومكم، الذي قد يكون آية لم تفتحوا عليّ في فك طلاسمها، وان نذرتم للرحمن صمتا فأكرموا من تكلم في المهد صبيا، وقد خرجتم ذات يوم، باسمي، تهللون في مسيرة دستورية « مباركة » ولم أقل « هذا فراق بيني وبينك »، وتجنبتها على مضض وأنا غير مضرب برجلي كي أعلم بما أخفت زينتها، وليست هذه بتلك، اذ الدستور موخوز بلوعة استقلت بها الأوطان واللحد مطروز بروعة اضمحلت فيها الأكوان، وشتان ما بين أشباح هالكة وأرواح سالكة! ولنتذكر جميعا قصة الزائرين اللذين قالا، حين رأيا، بين يدي الولي الصالح أبو عبدالله التاودي، قطتين وضعت كل واحدة منهما رأسها على الأخرى:‏ « هكذا ينبغي أن تكون الأخوة »‏ فأراد الشيخ التاودي تعليمهما فرمى بلقمة خبز الى القطتين‏ وانقضّت كل واحدة منهما على ضرّتها، تكالبا على اللقمة‏، ثم نطق سيدي التاودي متكلما‏:‏ « هكذا كانت الأخوّة‏‏ حتى دخلت الدنيا فيها فأفسدتها‏. »

سيدتي نادية، رحم الله سيدي ياسين وطيب ثراه وآجره على مليح عمله وصحيح نيته، فتقبلي من فقير بوتشيشي خالص العزاء وان تأخر، فقد سقته الى منابر منذ شهر مضى فآثرت كتمانه الى أجل مسمى، رغبة أو رهبة، لقلوب مؤلفة أو أقلام محلفة، ولكن الخير متى جاء ابانه ينفع والحزن متى أبق شوقه يدمع، وان رأيت العزاء بابا من الحقوق فقد يراه غيري مدخلا الى العقوق، ولست أجني، بارّا متشرّعا، من وراء شكر يرثي، الا تأديتي لأمانة الشاهدية البوتشيشية التي نذرت في يوم فرنسي شعيبا لمدين، فاليك أوفد تحيتي، سيدتي، صميمة لازمة، غير مستوجبة لردّ، وان جاء ففضل من الله عز وجل وهو القائل: « وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها. »

الفقير إلى الله البوتشيشي الدكتور عبد الاله بوعسرية

بتاريخ السبت 16 مارس 2013 - 00:57:01 / عدد التعليقات :

حماد بدوي

رأى النور في عقد العشرينات من القرن الماضي بعض المغاربة ممن سيلعبون أدوارا تاريخية في الحياة السياسية و الرمزية ببلادنا. إنتماءاتهم و إختياراتهم تختزل مسارات الحركات السياسية المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين و إلى يومنا هذا. بل إن بعض ميزاتهم الشخصية ستترك أثرها في سلوك الأحزاب و الحركات التي ساهموا في تأسيسها.
ولد المهدي بنبركة في سنة 1920، و في سنة 1921 ولد عبد الكبير الخطيب. و في سنة 1925 ولد كلا من محمد لفقيه البصري و محمد بنسعيد آيت يدر. سنة واحدة بعد ذلك ولد أبراهام السرفاتي، و بعد ثلاث سنوات (1928) ولد عبد السلام ياسين.
أول إمتحان سيختبره هؤلاء المواطنون المغاربة عند بلوغهم سن الشباب هو التعاطي مع القضية الوطنية المغربية المكثفة في مطلب الإستقلال من نير الإحتلال الأجنبي، و الإنخراط في معركة إنجازه.
ذلك ما سيجعل من بنبركة أصغر الموقعين على وثيقة الإستقلال سنة 1944، و مما سيحوله إلى أحد القادة الأكثر نشاطا داخل الحركة الوطنية المغربية في العقد الأخير من حياة الإستعمار المباشر. وذلك ما سيعرضه للإعتقال و النفي.
أما بنسعيد و لفقيه البصري فسيقترن مصيرهما بمصير جيش التحرير بمراحله المختلفة منذ التأسيس و إلى لحظة التصفية التي تعرض لها بعد إصراره على الإستمرار في الكفاح جنوبا إلى غاية تحرير كامل التراب الوطني.
أبراهام السرفاتي، بدوره سيختار الإنحياز لقضية إستقلال الوطن و سيدفع ثمن ذلك نفيا على يد الإستعمار الفرنسي.
و في أجواء التعبئة الوطنية ضد الإستعمار التي إشتدت في سنة 1953 بعد مسار طويل كان قد عرف العمل المسلح إلى حدود سنة 1934، إنخرط الدكتور الخطيب في هذه الدينامية لكن لينسحب من مقاطعها الحاسمة التي بدأت مباشرة بعد عودة محمد الخامس. إلتحق بجيش التحرير لكنه إنسحب سريعا ليتحول إلى أحد عرابي دمج قطع هذا الجيش في جسم الجيش الملكي الذي أشرف على تأسيسه ولي العهد آنذاك و بعض الضباط ممن عملوا في الجيش الفرنسي.
لكن ترى مالذي كان يفعله المواطن عبد السلام ياسين في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ بلاده؟
لقد إختار ، مؤسس حركة العدل و الإحسان لاحقا، النأي بالنفس!. نعم النأي بالنفس! إذ يذكر في حواراته مع قناة الحوار مع الإعلامي الإسلامي عزام التميمي أنه كان بعيدا عن السياسة و أنه كان متفرغا لعمله كمدرس.
بعد التوقيع على إتفاقية الإستقلال الشكلي إنطلقت دينامية جديدة تشكلت فيها أطراف الصراع من المخزن، الذي ظفر بحكم البلاد مع أنه لم يقاوم الإستعمار، و من الحركة الوطنية التي دخلت في عملية فرز سياسي و إجتماعي و فكري سيؤسس لاحقا لظهور اليسار المغربي بمختلف تياراته و توجهاته.
و مرة أخرى سيلعب في هذه الدينامية كل من المهدي بنبركة و لفقيه البصري و بنسعيد أدوارا حاسمة (و متفاوتة طبعا)، كانت سمتها الرئيسية التصدي لمحاولات المخزن التفرد بالحكم و إبقائه على بنيات التخلف و الإستغلال و الوصاية ، و إعادة الإرتباط بالإستعمار.
بينما كان الدكتور الخطيب قد حسم أمره بإعطاء ظهره لإستحقاقات إستكمال إستقلال البلاد، و لينضوى سريعا تحت لواء المخزن منذ تلك اللحظة و إلى آخر حياته. بل أكثر من ذلك، لقد كان أحد الموعز إليهم بتأسيس حزب الحركة الشعبية، الذي يعد أول حزب إداري في تاريخ المغرب المعاصر ليوظف من طرف الحسن الثاني في عراكه مع الحركة الوطنية الساعية إلى تحجيم دور المخزن و رموزه.
و عندما عمد الحسن الثاني إلى تمكين نظامه من برلمان 1962 ليكون واجهة زائفة لإخفاء طبيعته الإستبدادية، و بدأت أحكام الإعدام تتوالى على رؤوس زعماء اليسار المتمثل يومها في حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان الدكتور الخطيب قد إلتحم نهائيا بالمخزن إلى أقصى حد ممكن من خلال ترأسه لذلك البرلمان من سنة 1962 إلى غاية سنة 1965، و هو تاريخ حله بعد إعلان حالة الإسثناء التي سيكون أحد ضحاياها القائد بنبركة نفسه بتعرضه للإغتيال في يوم 29 أكتوبر من سنة 1965.
بل إن الروايات تذكر بأن الدكتور الخطيب كان هو من أوكلت إليه مهمة الإشراف على إعدام الراحل لفقيه البصري، لولا تراجع الحسن الثاني عن ذلك في الدقائق الأخيرة بسبب خوفه من ردات فعل الشعب المغربي.
لم يكن الرجل مجرد سياسي يعمل لصالح المخزن و ينتمي لعائلة مخزنية بإمتياز، بحيث أن أخاه عبد الرحمان الخطيب كان وزيرا للداخلية في زمن ترأسه هو للبرلمان، بل يعد واحدا ممن إختاروا مبكرا عنوان الهوية في بعديها التقليدي و الماضوي لصراعهم مع خصومهم السياسيين، و يعد في هذا المجال أحد مهندسي تثبيت فكرة إمارة المؤمنين في صرح مؤسسات المخزن، بل إن حزب العدالة و التنمية الذي سيرأسه بعد عقود سيعرّف نفسه في وثيقته التأسيسية بأنه "حزب سياسي وطني يسعى، إنطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، في بناء مغرب ....".
فلسفة الدكتور الخطيب هي نفسها فلسفة حزب العدالة و التنمية اليوم: ليس الهدف هو معارضة المخزن من أجل تغييره بل الهدف هو الإنضواء تحت لواءه من أجل أسلمته و من أجل التصدي لمحاولات الإنتقال بالمغرب نحو أفاق تهدد الموروث الرمزي و المؤسسي الذي راكمه المخزن من أجل تأبيد وجوده.
إغتيل إذن المهدي بنبركة، و إلتحم الخطيب مع المخزن، و نفي كل من لفقيه البصري و بنسعيد، لكن ماذا حل بالمواطن عبد السلام ياسين في عقد الستينات؟
إختار النأي بالنفس مرة أخرى، و فضل خلوة التعبد في الزاوية البوتشيشية.
أما أبراهيم السرفاتي و لفقيه البصري و بنسعيد فقد أعلنوا تحديهم للنظام المغربي كل بطريقته الخاصة، فالأول و الأخير أسسا منظمتي إلى الأمام و منظمة 23 مارس، بينما ساهم الثاني في تفجير إنتفاضة مسلحة في سنة 1973 . ذلك ما سيطرح قضايا الديمقراطية و الإشتراكية في النقاش العمومي إلى يومنا هذا. إذ بغض النظر عن القدرات التعبوية التي يكتسبها هذا الطرف أو ذاك، فإن فرض قضية التغيير الديمقراطي و حقوق الإنسان في أجندة المغرب هو نتاج لكفاح اليسار المغربي، إذ لم يسجل لغيره أية مساهمة في هذا المجال. فجماعة العدل و الإنسان التي تُقدم اليوم على أنها أحد أكبر التيارات السياسية في البلاد، و قد تكون كذلك فعلا، لا يسجل لها التاريخ أنها إنخرطت في فعل إحتجاجي شعبي حقيقي على مدار وجودها عدا تلك الأشهر التي شاركت في حراك 20 فبراير لكن لكي تنسحب سريعا حفاظا على قواعدها، و صيانة لذاتها من مضاعفات المواجهة المفتوحة مع المخزن. إختارت إذن النأي بالنفس مثلما فعل مؤسسها و مرشدها في زمن قطع الرؤوس.
ذلك هو واقع الحال، فقد تكون حركات اليسار محدودة التأثير مقارنة بغيرها لكنها هي من تواصل ضخ الحياة في أكبر حراك يعرفه المغرب منذ الإستقلال، و الذي لا يستطيع أحد نفي صنعه لوعي جديد يصعب معه على أي كان أن يحلم بدوام الحال.

بتاريخ السبت 09 مارس 2013 - 02:27:24 / عدد التعليقات :